مروان ياسين الدليمي
1
لم تعد الأرض صلبة.
أمشي فوق جلدٍ حيٍّ
يتنفّس
يرتجف كلّما خطوتُ
كأنّهُ يعرف ما أجهله.
كلّ حجرٍ يلمّح لي بشيءٍ لم أقله
كلّ ظلٍّ يحاول أن يتذكّر اسمي.
الريح التي صفّرتْ في أذني
كانت تقرأ لي قصيدةً
بلغةٍ لا تُكتَب.
شجرةُ السرو تشيرُ لي بأغصانها
كأنّها تعرف موتي أكثر مني.
العتمة ليست غيابًا للنور
إنها كائنٌ أعمى
يضحك حين أتعثر
ثمّ يربّت على كتفي.
الليلُ يشمّني
يرفع وجهي بين أنفه وعينيه ويقول:
“أنتَ تشبه الغيم حين يتردّد في السقوط” .
كلّما صرختُ: أين الطريق؟
أجابتني نافذةٌ مغلقة بصوتٍ يشبه صفير القطار:
“احفرهُ بباطن قدمك،
الطرقات الحقيقية لا تُبلط” .
أمسكتُ بالماء
كي لا أسقط
لكنّ الماء أدار وجهه نحوي وقال:
“أنا مِرآتك، لا عكّازك” .
لم يكن لديّ غير سخريةٍ خفيفة
أدندنها
كأنها نشيدٌ ديني.
النجوم
تلك البراغي المضيئة
تفكّ نفسها من سقف السماء
وتنزل معي
تبحث هي الأخرى عن عنوانها.
أشمّ صوتي
وهو يتهجّى اسمي بين الصخور
أسمع رائحة الحصى المبتلّ وهو يلمّح لي:
“أنتَ المجهول الذي ينتظر أن يُكتَب” .
أحفر بأظافري خريطةً لم تُرسم بعد
أمضي
وأنا أختبر الظلال
كأنّها أعضاءٌ مبتورة تحاول النهوض.
2
في المنعطف الثالث
وجدتُ ظلي جالسًا
يبتسم لي
كغريبٍ يعرف أسراري.
قال لي:
“أنتَ تأخّرتَ عنك،
لكن لا تقلق…
الطريق ما زال ينتظرك بلا خريطة” .
الأصوات
التي كانت تسكن داخلي
خرجتْ إلى العالم
كقطيعٍ فالتٍ
أحدها يشبه ارتطام جنازةٍ بحائط
والآخر يلمس الهواء
كمن يتحسّسُ ملامحه بعد الحريق.
أعيرُ عينيَّ
لحجرٍ يبحث عن المعنى
أضع أذني على جذعٍ ميت
فأسمع شتيمةً قديمة قالها أحدهم للمطر
وظلّت تتردد داخل الأخشاب حتى الآن.
الضوء
يشخر خلف التلال
كأنّه كلبٌ متعب
يتظاهر بالنوم كي لا يُطعم أحدًا.
أشمّ الغبار
فيه نكهة نسيانٍ معتّقة
مثل قميصٍ
احتفظ برائحة من غادر ولم يعد.
يدي
التي لا تتذكّر شكل القبضة
ترسم دوائر في الهواء
كأنّها تطبخ الطريق من فراغٍ شهيّ.
لا شيء أكثر تهذيبًا من الضياع
حين يكون الطريق مرآةً لا تعكس
وبوصلةً لا تجرؤ على الإشارة.
الساعة توقّفت
منذ بدأتُ المسير
لكنّي ما زلتُ أسمع قلبها يدقّ في جيبي
كمخلبٍ صغير يهمس لي:
“ليس الوقت ما يتحرّك… أنت من يتحلل” .
ضحكتُ
والصمتُ تبخّر على هيئة بخورٍ خافت
كأنّه خائف أن يفسد المزاجَ العام للحيرة.
3
في اللحظة التي توقّف فيها ظلّي عن ملاحقتي
بدأتُ أراكِ…
أيتها العتمة
كأنكِ امرأةٌ عجوز
تبيع خرائطَ مبلّلة على الرصيف.
قلتُ لها:
“أين الطريق؟”
فأشارت إلى صدري
ثم بصقت على الأرض.
رأيتُ جدارًا يتثاءب
حاولتُ أن أرتقيه بالكلمات
لكنه نام في منتصف الجملة
وسقطتُ أنا
في فراغٍ يتكلم بالإيماء.
الريح عادت
لكنها هذه المرّة تفوح منها
رائحة المطبخ القديم
رائحة حوارٍ بين فلفلٍ حار وملعقةٍ مكسورة
قال لي الهواء:
“أنت لست هنا لتصل، بل لتتفتّت” .
حتى قدماي… بدأتا تتشكّلان
من الطين
من رسائل منسية في جيب معطفٍ
نسيَه الجسدُ منذ الشتاء الأخير
كأن الطريق كان يبحث عنّي
ولم أكن كائنًا
بل علامةً مؤجّلة على قارعة الندم.
غنّيتُ لا لشيء
إلا لأن الصمت كان مملًّا أكثر من اللازم.
أعمدة الإنارة تمايلتْ
ضحكت لي بأسنانٍ صفراء
وقالت:
“مَن يغني في العتمة
يعثر على ظلّه نائمًا في جيب العدم. “
وحين تعبتُ من نفسي
جلستُ على حافة حجرٍ
يشبه المُعلِّم الأول.
قال لي:
“حين لم تعد أنت، بدأ الطريق يلوّح لك” .
رفعتُ رأسي…
لم أجد سماء
بل وجهًا مشروخًا
يشبهني
يرسم لي بإصبعه سهمًا من رماد
ويدعوني أن أمشي
كما لو كنتُ الفكرة التي نسيها الليل في دفتره.
















