ليزلي كوهين
ترجمة: ممدوح رزق
يُحب الكُتّاب تصوير معاناة مهنتهم بصورة رومانسية. وصفها همنغواي بأنها كالنزيف أمام آلة كاتبة. وقارنها كافكا بالسقوط في هاوية الذات الباردة. وقال ديفيد فوستر والاس إنها كانتزاع الأسنان عبر الرأس.
بالطبع، الكتابة ليست أسوأ من أي مهنة أخرى. الفرق الوحيد هو أن الكتّاب بارعون في التعبير عن أنفسهم، ولديهم ميل واضح لذلك. لذا، إذا كان لدى كاتب ما يقوله عن حياته اليومية، فسوف تنصت إليه حتمًا، وهذا يختلف عن المهن الأخرى، حيث قد تجد شخصًا أو اثنين فقط قادرين على الصمت.
الحقيقة أننا نعشق الكتابة بشغفٍ عميق، بل بجنون. وما يؤلمنا أكثر هو التوقف عنها. عندما أكون بين مشروع وآخر، يتباطأ العالم، ويسود صمتٌ هادئٌ ومُدوٍّ في آنٍ واحد. لا أجد متنفسًا لأفكاري ومشاعري. كتابة رواية تجربة انفرادية، لكن التوقف عنها أكثر انغماسًا في الوحدة، ودون تلك المكالمات المؤانِسة من محرر أو مسؤول تسويق.
أما عملية النشر، من ناحية أخرى، فهي أشبه بالتجول في مدينة ملاهي. تُدمن لحظات النشوة، وتعتاد على تحمّل لحظات الضعف. هناك ألوان زاهية، وأضواء مبهرة، وألعاب، وجوائز، ووجبات سريعة، ولكن هناك أيضًا احتمال دائم للمرض. بعد كل هذه التقلبات، يُشعرك سكون ما بين المشاريع وكأنك دخلت مركزًا لإعادة التأهيل.
بعد أن مررت بهذه الدوامة مرات عدة، أحاول الاستمتاع بالهدوء. أكلف نفسي بتحديات كتابية، مثل مساعدة صديقي المرشح لمجلس الولاية في صياغة شعارات لحملته الانتخابية. هل أنت ضد مزارع الأخطبوط في نيويورك؟ أين يُربَى الأخطبوط أساسًا؟ في إيست فيليدج؟ سأنظم دورة مكثفة في قواعد اللغة لأطفالي. عمرهما سبع وأربع سنوات فقط، لكن ليس من المبكر أبدًا تعلم الفرق بين “أنا” و”إياي”، وبين “جيد” و”بشكل جيد” . ذهبنا أنا وآلينا إلى الملعب؟ بل ذهبتُ أنا وآلينا إلى الملعب! هل جننت؟ أطلب مكبر صوت عبر الإنترنت. أختار الشحن السريع.
أقرر أنني ربما سأكون الأم التي تخبز أفضل كعكات رقائق الشوكولاتة، وهو ما يتحول سريعًا، ونتيجة عدم امتلاكي أي خبرة سابقة في الخَبز، إلى “ربما سأكون الأم التي تشتري أفضل كعكات رقائق الشوكولاتة”. لماذا أُحرم خبازة ماهرة من فرصة عمل؟ ألا أشعر بالخجل؟
لكن بمجرد أن أذهب إلى الغابة وأستحضر روح هنري ديفيد ثورو بداخلي، تتملكني الرغبة الشديدة في العودة إلى اللعبة.
أستلهم أفكاري من كتّاب آخرين، وممثلين، وكل مَن يعمل في مجال إبداعي. أصرخ في شاشة التلفاز أثناء مشاهدة فقرة المقابلة مع المشاهير في برنامج حواري ليلي: “حسنًا، ولكن ماذا فعلت بين فيلمي قتلة زهرة القمر (Killers of the Flower Moon)، ومعركة تلو أخرى (One Battle After Another) يا ليو؟[1] .. كيف عشت حياتك وقتها؟
لا أحصل على إجابة أبدًا. لأنه لا توجد إجابة. إنها فوضى عارمة في عالم التخطيط، حيث يتلاشى الروتين. هذا هو الجزء الأصعب في أي مسعى فني: لا يوجد مسار، ولا طريقة مؤكدة للانتقال من مكان إلى آخر، ولا إرشادات أو خريطة. الأمر ليس متعلقًا بالطريق الأقل ارتيادًا، بل ببساطة: لا يوجد طريق أصلًا.
ستمر عليّ أوقات يصعب فيها التحفيز، وأوقات أخرى أشعر خلالها بنوع من الاكتئاب. كثير من الفنانين الذين أعرفهم يبحثون باستمرار عن عمل لإبقاء مصابيحهم مضاءة، بالمعنيَين الحرفي والمجازي. عليّ أن أذكّر نفسي بأن هذه هي طبيعة حياة المبدعين، وهو ما يعني أحيانًا الحصول على إذن لأخذ قيلولة في منتصف النهار. غالبًا ما أفكر: لا تقلقي! ربما تُصابين بفيروس ما، وحينئذ سيبدو كل هذا الاسترخاء واحتساء للشاي واقتطاع الغفوات مبررًا ومنطقيًا تمامًا.
أحيانًا، يدفعني وقت الفراغ الزائد إلى التفاهات، مثل الغوص في تفاصيل زوجات أصدقائي السابقين على إنستغرام. يا إلهي، ما هذا التمرين الجذاب الذي تقومين به يا جينيفر! رائع. مُرضٍ. أعتذر عن هذا الانغماس في التفكير!
ستأتي أوقات أُبالغ خلالها في تقدير الأمور. وبينما أسير في الشارع، يبدأ خيالي بالانقلاب ضدي؛ هل يبدو غصن الشجرة هذا وكأنه على وشك السقوط؟ أليست الحياة مثيرة للاهتمام؟ غصن شجرة واحد يسقط، ويتوقف كل شيء.
في النهاية، أتقبّل حقيقة أني بلا روتين، وهذا جزء من عملي. قد تجعلني نزهة واحدة بلا هدف أشعر بأن حياتي كلها بلا هدف، لكن عليّ تذكير نفسي: أن أكون بلا هدف اليوم لا يعني أنني بلا هدف غدًا، أو إلى الأبد. أعود إلى المنزل وأكتب قصة قصيرة عن غصن الشجرة كاستعارة لهشاشة الحياة.
لأن الكاتب لا يكون أبدًا في الواقع بين مشروع وآخر؛ فأنا دائمًا منصتة، ودائمًا أدوّن الملاحظات. حتى نزهة أو حديث مع صديق أو شجار مع زوجي (يعشق ردود أفعالي المبالغ فيها) كلها أمور يمكن أن تتحول بسهولة إلى مادة للكتابة. إنها لمتعة عظيمة، طالما أمكنك تجنب ذلك الشعور المترصد في الأفق: هل سأعمل مجددًا، أم سيستمر هذا الصمت؟
أُفضّل أن أكون منغمسة في الكتابة، في خضمّ الإبداع. أحيانًا أشعر أثناء كتابة رواية وكأني داخل كرة ثلجية. أُحب هذه الفقاعة: الحماية من العالم الخارجي، والترتيب الدقيق للأشياء بداخلها، والتأكد من تساقط الثلج بشكلٍ مثالي. بمجرد الانتهاء من الرواية، تصبح الكرة الثلجية مجرّد قطعة على مكتبي. أستمتع بجمالها. أُحرّكها متى شئت. لكنني سأفتقد التواجد بداخلها. ستُثير فيّ دائمًا غصة خفيفة من الحنين والحزن.
لكن، كما ترى، حتى هذا يشكًل جزءًا من العملية الإبداعية التي أعشقها بشدة، بل بهوس عارم. ولن أتفاجأ إن وخزتني تلك الغصة نفسها من الحنين والحزن في المشروع القادم، متى ما حانت فرصة أخرى للتنفس.
Literary Hub
29 يناير 2026
……………………..
*وُلدت ليزلي كوهين ونشأت في نيويورك. درست الأدب الإنجليزي والكتابة الإبداعية في جامعة كولومبيا. استلهمت من مزيج أعمال جاك كيرواك وجيمس جويس ومسلسل “الجنس والمدينة”، فكتبت العديد من المقالات الشخصية القاتمة التي تأمل ألا يتذكرها أحد. كان عملها الأول في مجلة “أوت دور لايف”، حيث كتبت عن الصيد البري والبحري، رغم أنها لم تكن تعرف الكثير عنهما. خلال عملها هناك، كانت تحصل على كميات غير محدودة من لحم البقر المجفف والملابس المموهة، وهو ما لم يتناسب مع نمط حياتها في مانهاتن. انتقلت إلى كولورادو وكتبت عمودًا موسيقيًا أسبوعيًا في صحيفة “أسبن ديلي نيوز”، والذي حظي بانتشار واسع، رغم أنها لم تتطرق إلى الموسيقى إلا نادرًا. بعد عودتها إلى نيويورك، بدأت كتابة الروايات. وهي مؤلفة روايتي “قصة حب كهذه ستدمر نفسها بنفسها” و”رفيق دربي”. تعيش في الجانب الغربي العلوي من مانهاتن مع زوجها وطفليها.
[1] إشارة للممثل ليوناردو دي كابريو (Leonardo DiCaprio).




















