محمود عوض .. تغريدة العندليب الأخيرة

محمود عوض

أسامة كمال أبو زيد

الموت  حقيقة لا خلاف عليها، لكن الأكثر إيلامًا أن كثيرين يرحلون دون أن يتركوا خلفهم ما يدل عليهم، بينما قلة نادرة تمضي وتظل، كأن الموت لم يمر بها أصلًا، لأنهم تركوا ينابيع من معرفة وحكمة ودهشة، نعود إليها كلما أثقلتنا الحياة. محمود عوض، المولود في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، جاء إلى الدنيا وفي قلبه ميل مبكر للقراءة، ميلٌ كاد أن يعاقبه عليه التعليم، لولا أن انتصر في الامتحان الأصعب: امتحان الشغف. منذ صباه، كان يعرف أن الكتاب ليس متعة عابرة بل مصيرًا، وأن المعرفة ليست زينة عقل بل طريقة للنجاة. وحين تلقى والده خطاب وزير التعليم، مصحوبًا بشيك تفوق لابنه، ورحل بعده بيومين مطمئنًا، بدا الأمر كأنه وصية غير مكتوبة: أن يواصل الابن الطريق وحده، وألا يخون ما أحب. دخل كلية الحقوق، لكنه لم يسكنها طويلًا، إذ كانت الصحافة تناديه بنداء أقوى، فالتحق بمؤسسة أخبار اليوم في مطلع شبابه، وهناك لم يكن مجرد صحفي يتعلم أسرار المهنة، بل روحًا جديدة تتشكل، وعينًا ترى ما وراء الخبر، وقلمًا يبحث عن المعنى قبل العنوان. وحين عُرضت عليه وظيفة النيابة العامة بعد تخرجه عام 1964، رفضها بلا تردد، لا تمردًا ولا خروجا على المألوف، بل إيمانًا بأن قلمه سيكون أعدل من أي منصة أخرى، وأن سؤالًا صادقًا قد يفعل ما لا تفعله سلطة كاملة. في أقل من ثماني سنوات صار نائبًا لرئيس تحرير «الأخبار» قبل أن يبلغ الثلاثين، لكن الأهم من المناصب أن إحسان عبد القدوس رآه كما يُرى الفن، احتمالًا نادرًا، فسمّاه «عندليب الصحافة المصرية» ومنحه الثقة لا الأوامر، وألقاه في امتحان النار حين كلفه بكتابة الصفحة الأخيرة كاملة في غياب أنيس منصور، فكتب مقالًا عن أم كلثوم لا كأيقونة محصنة، بل كإنسانة لها ملامحها وتناقضاتها، فأثار الغضب والدهشة معًا، ومنذ تلك اللحظة اتضح أن هذا الشاب لا يكتب ليُرضي، بل ليكشف. اقترب من النجوم، لكن لم يذُب في أضوائهم، كان يعرف أن الخطر الحقيقي ليس القرب بل التزييف، فحافظ على مسافة واحدة من الجميع، كتب عن أم كلثوم واختلف معها وانتصر للكتابة حين رفض تغيير مقدمة حواره معها، وكتب عن محمد عبد الوهاب كتابًا كاد أن يكلفه صداقة العمر، ورفض بأدب أن يكتب عن عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وهما على قيد الحياة، لأنه لم يكن يريد أن يكون شاهدًا مزيفًا على زمن لم يكتمل بعد. وحين اختار السياسة مضمارًا رئيسيًا، لم يكن يترك الفن بل كان يعود إلى جذر السؤال: لماذا يُعاقَب من يفكر؟ ولماذا يخاف المجتمع من المرآة؟ في كتابه الأشهر «أفكار ضد الرصاص» لم يكن يستعيد سير قاسم أمين أو علي عبد الرازق أو طه حسين أو عبدالرحمن الكواكبي بوصفهم أسماء في التاريخ، بل بوصفهم جراحًا مفتوحة في جسد الوعي العربي، مؤكدًا أن الرصاص لا يقتل الأفكار، وأن الحرق لا يمحو الكتب، وأن السلطة قد تنتصر لحظة لكنها تخسر المعنى إلى الأبد، وقد بلغ تأثير هذا الكتاب حدّ أن يُسأل الأسرى المصريون في حروب المواجهة: هل كانت كتب محمود عوض توزَّع عليكم؟ وفي «من وجع القلب» عزف على أوتار الإنسان المجروح، بكى سعاد حسني بلا استعراض، وودّع بليغ حمدي في منتصف جملة موسيقية، مؤمنًا بأن الرحيل يأتي دائمًا قبل اكتمال اللحن، وبأن الكاتب لا يساوي شيئًا إذا لم يندهش. لم يكن معارضًا تقليديًا ولا صاحب حزب ولا باحثًا عن كرسي، وحين دعاه عزيز صدقي للانضمام إلى الجبهة الوطنية قال جملته التي لخصت فلسفته كلها: أنتم تريدون حكم مصر، أما أنا فلا أود حتى أن أحكم شارعنا. دفع ثمن هذا الاختيار قاسيًا، مُنع من الكتابة في مؤسسته الأم، وأُحيل إلى المعاش فور بلوغه الستين خلافًا للعرف السائد، وتعرض للإقصاء والتجاهل، لكنهم لم ينتبهوا إلى أن طرده من فردوس الصحافة القومية لم يكن موته بل ولادته الثانية، فخرج مغردًا، وكتب في «الحياة» و«القبس» و«الرياض»، ثم خاض تجربة رئاسة تحرير «الأحرار» عام 1986، فحوّل جريدة هامشية خلال ثلاثة أشهر إلى صحيفة توزع مائة وستين ألف نسخة بلا صخب رخيص ولا سباب، قبل أن تُجهض التجربة لأنها لم تحتمل استقلاله. التف حوله الشباب، لا لأنه كان واعظًا، بل لأنه كان صادقًا، وكانوا هم من حملوا نعشه حين رحل، في صمت، داخل بيته، عام 2009 عن عمر ناهز الثامنة والستين، بعد أن سقط وحيدًا وبقي يومين كاملين لا يطرق بابه أحد، والصحف أمام المدخل كما هي، وغرفة المكتب شاهدة. ومع ذلك، هل يموت من تظل كتبه حاضرة، وأسئلته مفتوحة، ودهشته حيّة؟ محمود عوض لم يُنصف في حياته، لكنه انتصر بعد موته، لأن الأفكار الصادقة لا تحتاج إلى منصب، ولأن الصحافة، كما كان يعرف، ليست كلامًا يُكتب وينشر، بل روح، وهو كان روحًا كاملة، رحلت بالجسد وبقيت بالمعنى.

……………………..

*نقلاَ عن جريدة القاهرة المصرية

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع