الرجل البَصَلي

بولص آدم

لم يعرف أهل البلدة متى بدأوا ينادونه بالبصل. كان له اسم آخر في السجلات الرسمية؛ اسم يصلح للتوقيع أسفل الأوراق، وللمناداة في الممرات، ولأن يُنسى بسهولة بعد انتهاء الاجتماع. لم يكن من الرجال الذين يتركون أثرًا. كان يجلس دائمًا في الصفوف الخلفية، يهزّ رأسه حين يجب، ويبتسم حين ينبغي، ويعتذر أحيانًا عن أخطاء لم يرتكبها.

كان موظفًا صالحًا، وجارًا مهذبًا، وابنًا تعلّم منذ الصغر أن الطاعة أكثر أمانًا من المواجهة. لكن الأيام كانت تترك عليه آثارها بصمت. فالحياة لا تغيّر الناس بضربة واحدة؛ يكفي باب يُغلق في الوجه، ورسالة لا يصل ردّها، ويد لا تمتد حين يسقط المرء، وكلمة تُهمل في اللحظة التي يحتاجها فيها أكثر من الخبز. كل شيء صغير كان يترك غلافًا: خيبة حول القلب، وصمتًا حول الذاكرة، وحذرًا حول الروح. ومع السنوات صار يحمل هذه الأشياء داخله، كطبقات.

في البداية كانت له قشرة جميلة تصلح أمام الناس. كان يتحدث عن العدالة والضمير والمصلحة العامة، ويحافظ على صورة الرجل الهادئ الذي يفهم أكثر مما يقول. لكنه اكتشف أن العالم لا يطلب الحقيقة دائمًا، بل الصورة المناسبة للحظة المناسبة.

ومع كل منصب صغير دخله، وكل مرة اضطر فيها إلى الدفاع عن نفسه، سقطت طبقة قديمة وظهرت أخرى أصلب. تعلّم أن يغيّر رائحته بحسب المكان؛ أمام الأقوياء يتحدث عن الحكمة، وأمام الضعفاء عن الحزم. وحين تخفت النار يدعو إلى الصبر، وحين تشتعل يعلن أن الجرأة ضرورة. كان يفعل ذلك بهدوء مخيف؛ فالوجوه الهادئة تخفي أحيانًا ما لا تخفيه القسوة.

لم يلحظ أحد لحظة تحوّله. فالتحولات الحقيقية لا تحدث دفعة واحدة، بل تتسلل ببطء حتى يكتشف الإنسان أن الطريق الذي يمشيه لم يعد طريقه تمامًا.

وفي صباح عادي، خرج من بيته وترك الباب مواربًا. وصل إلى العمل، ودخل الممرات نفسها التي مشى فيها سنوات، ثم جلس في استراحة الموظفين على كرسي المدير.

لم يطلب إذنًا. قال فقط:

“أحتاج أن أرى الأمور من هذا الارتفاع.”

ضحك البعض، لكن أحدًا لم يطلب منه النهوض. كان في عينيه شيء يقول إن الاعتراض أصبح متأخرًا.

ومنذ ذلك اليوم بدأ الرجل الجديد بالظهور. دخل الإعلام من باب جانبي، ثم وجد نفسه في قلب الممرات. اكتشف أن الكلمات ليست دائمًا للتعبير، بل للاستخدام، وأن الصمت أحيانًا أقوى من التهديد. صار يعرف كيف يجعل الآخرين يشكّون في ظلالهم قبل أن يشكوا فيه.

ومع الوقت صار الناس يقولون: لقد تغيّر.

لكن الحقيقة أنه لم يتغيّر؛ لقد توقف فقط عن إخفاء طبقاته.

بعد سنوات، في الطابق السابع، قبل ساعة من ظهوره أمام الكاميرات، كان يراجع بيانًا عن الشفافية. كانت الكلمات مألوفة: النزاهة، المهنية، حق الجمهور في المعرفة. كلمات مصقولة لا تجرح أحدًا ولا تدين أحدًا، وكان يحبها لهذا السبب.

دخلت السكرتيرة وقالت إن رجلًا في الاستقبال يريد مقابلته.

سأل عن اسمه.

قالت: “لم يذكر اسمه. قال فقط: قبو الأرشيف.”

توقفت يده لحظة، ثم قال: “دعيه يدخل.”

على مكتبه كانت هناك سلة صغيرة فيها ثلاث بصلات حمراء. ومنذ أشهر انتشر في المؤسسة لقب: الرجل البَصَلي. في البداية قيلت الكلمة بسخرية، ثم انتقلت من الممرات إلى المكاتب، ومن الأفواه إلى الهمسات، حتى صارت تُقال بحذر. كان الجميع يعرف أن السخرية من الرجل، حين تقترب من الحقيقة، تفقد قدرتها على الإضحاك.

أما هو فكان يضحك معهم، لأنه يعرف أن السخرية، حين ترفعها بيدك وتضعها أمامك، تفقد بعض سمّها. ولم يكن اللقب يزعجه تمامًا؛ كان يحمل شيئًا من الحقيقة التي لا يريد الاعتراف بها كاملة، لكنه لا يمانع الاحتفاظ بنصفها.

دخل الرجل. كان اسمه سالم.

عرفه فورًا.

جلس سالم ووضع ظرفًا بنيًا على الطاولة.

قال: “افتحه.”

فتح الرجل الظرف. عرف الورقة قبل أن يقرأها. كانت مذكرة قديمة تعود إلى اثني عشر عامًا، إلى اليوم الذي اختفت فيه وثيقة مهمة من الأرشيف، واحتاجت المؤسسة إلى شخص يسقط عليه الخطأ. كان سالم يومها الحلقة الأسهل؛ كان غاضبًا وصريحًا، وكان يملك عيبًا قاتلًا في المؤسسات: أنه يتكلم.

أما هو فكتب إفادته. لم يتهم سالم ولم يبرئه. كتب كلمات مهذبة تترك الباب مفتوحًا أمام سقوطه. بعد أسبوع طُرد سالم، وبعد أشهر بدأ هو الصعود.

قال سالم: “لم آتِ لأخذ مال.”

رفع الرجل عينيه.

“ماذا تريد إذن؟”

قال: “أريدك فقط أن تقول إنك كنت تعرف.”

ساد الصمت. كان يستطيع إغلاق الملف ودفن القصة، لكن الاعتراف شيء آخر؛ إنه لا يصلح الماضي، بل يفتح بابه فقط.

قال: “لم أنسَ.”

ابتسم سالم.

“هذه هي المشكلة. أنت لم تنسَ، لكنك لم تعد ترى.”

ثم أخذ بصلة من السلة ووضعها قرب الظرف.

“احتفظ بها.”

وخرج.

بعد دقائق طلب الرجل من الأمن مرافقة سالم إلى الخارج. لم يكن ذلك غضبًا، بل رد فعل قديمًا: اقطع الطريق قبل أن يعود الماضي، احفظ الوثائق، وأغلق الأبواب.

دخل مساعده وقال إن ملفًا مجهول المصدر حاول الخروج إلى الصحافة.

سأل: “ما نوع الملف؟”

قال: “يبدو أنه وثيقة قديمة.”

نظر إلى البصلة. رنّ هاتفه. كان سالم.

قال الصوت: “نسيت أن أخبرك… الملف ليس عندي.”

صمت الرجل.

وأضاف سالم: “بعض القشور تسقط وحدها.”

ثم أغلق الخط.

قبل المؤتمر بخمس عشرة دقيقة، صعد الرجل إلى السطح. كان المكان نفسه الذي اعتاد الجلوس فيه قديمًا، حين كان موظفًا صغيرًا يظن أن الوحدة تساعد الإنسان على رؤية نفسه. ثم اكتشف أن الإنسان قد يرى، حين يطيل النظر إلى داخله، النسخة التي تساعده فقط على الاستمرار.

أخرج المذكرة وقرأها. لم تكن قاسية، وهذا ما جعلها أكثر قسوة. لم يكن فيها كذب واضح ولا خيانة صريحة؛ فقط لغة هادئة، مرتبة، مهذبة بما يكفي لدفع إنسان آخر إلى الهاوية. وهكذا يعمل الشر غالبًا؛ لا يدخل صارخًا، بل يدخل في جملة سليمة.

أمسك البصلة وبدأ يقشرها. سقطت القشور واحدة بعد أخرى، وكل قشرة كانت تحمل شيئًا منه: الخوف، والمجاملة، والصبر، والحياء. أشياء ظن يومًا أنها عوائق.

حتى وصل إلى اللب. كان صغيرًا وشاحبًا. لم يكن قلبًا، ولم يكن بداية جديدة. كان شيئًا تبقّى فقط. نظر إليه طويلًا، ثم ألقاه مع القشور.

رنّ الهاتف، فلم يجب. أعاد المذكرة إلى الظرف ووضعها في جيبه. لم يمزقها، ولم يحتفظ بها للابتزاز؛ احتفظ بها فقط، لأن بعض الأشياء التي نكرهها تصبح أكثر الأشياء التي تشبهنا.

سوّى ربطة عنقه، وحمل الملف الأزرق، ونزل إلى القاعة.

كانت الكاميرات تنتظره، وكان البيان عن الشفافية جاهزًا. دخل الرجل البَصَلي بابتسامة هادئة، وكانت عيناه تدمعان قليلًا.

لا يكفي ذلك للحزن، ولا يكفي ذلك للبصل.

فقط ما يكفي لطبقةٍ أخيرة ستقف أمام الكاميرات وتتكلم باسمه.

بولص آدم

93 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع