محاولة لقراءة نصف قرن من “الاتفاق” على صورة “كوكب الشرق”

أم كلثوم

محمود خير الله

لا أستطيع أن أتذكر من الذي قال ”إن العرب اختلفوا على كل شيء في الدنيا لكنهم اتفقوا على شيء واحد فقط هو أم كلثوم”، لكن يمكنني أن أبني اليوم ـ بعد أكثر خمسين عاماً من رحيل سيدة الغناء العربي (1898 ـ 1975) ـ على صحة هذه المقولة، وأنا أكتب عن أحد أبرز الظواهر الثقافية في العالم العربي وبعد نصف قرن من رحيل مطربة “غير متعلمة” ظهرت في أوائل القرن العشرين لكنها أصبحت الأهم في الغناء والوجدان العربي الحديث كله.
حقيقة لم أشعر بصحة مقولة أن” العرب اختلفوا على كل شيء إلا أم كلثوم” بعد أن قرأت كتاب “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي”، للكاتب كريم جمال، حيث تأجلت قراءته إلى ما بعد مشاهدة فيلم “الست”، الذي أخرجه مروان حامد 2025 وقامت ببطولته النجمة منى زكي، وهو الفيلم الذي حاول أن يكسر هيبة هذه المقولة بأن يحطم الصورة الذهنية الثابتة التي استقرت لسيدة الغناء العربي في وجدان محبيها الذين ينامون على صوتها كل يوم من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلنطي غرباً.
لقد تصادف أنني شاهدتُ الفيلم أولاً ثم قرأتُ الكتاب، فخرجت بانطباعات تخص المفارقة التي تجمع بين كتابٍ وثائقي يدوِّن لحظات تحول نجاح المطربة الأكثر شهرة في تاريخ الغناء العربي “أم كلثوم” إلى جهاد من أجل معركة الكرامة مع العدو الإسرائيلي، وفيلمٍ سينمائي يصور اللحظات نفسها للمطربة نفسها مضيفاً إليها مجموعة من النواقص والسلوكيات المعيبة والانفعالات اللحظية التي تشي بسمات سلبية أهمها البخل في شخصية أم كلثوم التي يقدمها الفيلم، على اعتبار أن هذه السمات السلبية هي شر لابد منه، وأن صنّاعه يريدون تقديم نموذج كوكب الشرق الإنسانة، لأن على الدراما الناجحة أن تقدم البطل الدرامي بنواقصه وتناقضاته لكي يصدقه المشاهد، لكنها حجج لا تصمد ـ للأسف ـ أمام التفكير السليم.
الحق أنه لا وجه للمقارنة بين عطاء كتاب يوثق تاريخاً مضى وانقضى ـ بعد نحو ستة عقود من الحدث ـ مخاطباً الأجيال التي لم تعرف نجاح “أم كلثوم” إلا من التسجيلات الإذاعية والتليفزيونية وبقايا الصحف والمجلات الخاصة بهذا الزمن، تلك الأجيال التي لم تعش الحرب ولم تذق مرارة النكسة ولم تتعرَّف إلى بؤس الحياة خلال سنوات المجهود الحربي، أقصد أنه لا وجه للمقارنة بين عطاء كتاب يملك مفاتيح الدقة والتوثيق وعطاء فيلم سينمائي يملك من الطموح ما هو أبعد من التوثيق بكل تأكيد، حيث يمتلك الفيلم المؤثرات السحرية للسينما: التعبير بالمشهد واللون والإضاءة والماكياج والملابس والموسيقى والحركة، كما يمتلك القدرة على مخاطبة جميع الأجيال والوصول إلى قاعدة جماهيرية واسعة جداً، أوسع من القاعدة الجماهيرية الممكنة لأي كتاب كان، لكن في المقابل، ومهما كان حبنا للفن السابع وانحيازنا له لابد أن نتذكر دائماً أن القيمة الحقيقية لكتاب كريم جمال تكمن في أنه يعد مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه لأي عمل فني يتناول حياة أم كلثوم، منذ صدر الكتاب في العام 2022 وخلال السنوات الطويلة المقبلة.
يروي الكتاب في نحو عشرين فصلاً ـ فضلاً عن صور ووثائق ـ تفاصيل رحلات “الست” إلىبلدان عربية ومنها رحلتها للغناء في تونس، في فترة كانت العلاقات المصرية التونسية فيها ليست على ما يرام، فتغير الموقف بين النظامين بعد رحلة أم كلثوم، حيث أطلقت تونس اسمها على أحد أشهر شوارعها، وتسابق الجمهور التونسي من عشاق الست إلى التباري في شراء التذاكر، بما يعكس محبة الشعب التونسي وتضامنه الكامل مع مصر، والأمر نفسه تكرر في رحلة المغرب، حيث كانت العلاقات الرسمية وقتها بين البلدين “مصر والمغرب” ليست في أفضل حال، وبعد الرحلة التي تلقت خلالها أم كلثوم كثيراً من الترحاب الملكي والشعبي تغير الأمر، علماً أن محبة الشعب المغربي لأم كلثوم سبقت زيارتها إلى المغرب بزمنٍ طويل، حيث أن “نادي الوداد الرياضي المغربي” حمل اسمه منذ تأسس العام 1937 تيمناً باسم واحد من أشهر أفلامها “وداد”، والذي كان يعرض وقتها في دور عرض مغربية، الأمر الذي تكرر في رحلتي السودان والكويت وكل بلد زارته أم كلثوم.
الفيلم .. والكتاب
الحق أن الكتاب ـ الصادر عن “مكتبة تنمية” ـ العام 2022 والذي عرف إقبالاً تسبب في صدور ثلاث طبعات منه ـ حتى الآن ـ كان حصد جائزة الدولة التشجيعية في مجال العلوم الاجتماعية العام 2023، وهو جدير بالقراءة ومحفّز على الغيرة والانفعال بالحدث الذي يرويه، مغرياً باستخدامه كمادة خام لمشروع فني كبير، نظراً إلى أنه ينقل لنا بالتفاصيل الدقيقة وقائع كل حفلات المجهود الحربي التي أحيتها سيدة الغناء العربي “كوكب الشرق أم كلثوم”، وردود الأفعال الصحفية والرسمية والشعبية عليها، والعائد المادي الذي تم تقديمه إلى الجهات المسئولة عن جمع أموال المجهود الحربي، في واحدة من أحرج لحظات التاريخ العربي، عقب نكبة عسكرية أفقدت مصر جزءاً من أراضيها في 5 يونيو 1967.
الفارق شاسع إذن بين طموح الكتاب التوثيقي في تخليد لحظة مقاومة ذات بعد فني وسياسي، وشطحات صناع الفيلم وتصوراتهم لتحقيق ما يربو إليه صانع الأفلام عادة من نجاح وشهرة وانتشار، وبدا الأمر لي كأن الكتاب نجح بالفعل وبمنهج علمي تاريخي رصين في تأكيد فكرة أن أم كلثوم كانت الفنان العربي الوحيد الأكثر قدرة على جلب أموال التبرعات للمجهود الحرب من كل ربوع الوطن العربي، بينما نجح الفيلم ـ الذي قرأ صناعُه الكتاب ولا شك ـ في التأكيد على العكس، أقصد على بخل أم كلثوم وشكها في الذمة المالية للمحيطين بها، بمن فيهم والدها الشيخ إبراهيم شخصياً، هذا البخل الذي حاول الفيلم التأكيد عليه ظهر في أداء منى زكي ونطقت به لمسات الماكياج التي جعلت أنف “منى زكي” تبدو رفيعة جداً أكثر من الحقيقة التي بدت عليهاحقيقة أنف أم كلثوم التي نعرفها عبر الأجيال أنفاً كبيرة لكنها ليست مستدقّة، ما جعلها بهذه الأنف التي قدمها الفيلم تبدو أشبه بـ “العجوز أم منقار”، منها إلى سيدة الغناء العربي التي صنعت المعجزات من أجل دعم المجهود الحربي، بعد النكسة مباشرة.
عصب هذا الكتاب هو الفصل الذي يروي رحلة أم كلثوم إلى باريس والذي جاء بعنوان “بعد منتصف الليل كانت أم كلثوم لا تزال تغني”، حيث كان من الممكن فهم اهتمام العرب بظاهرة أم كلثوم، لكن العالم فوجيء بأن زيارة أم كلثوم إلى باريس حولتها إلى مدينة عربية بامتياز ـ ينقل الكتاب عن شهود عيان ـ بسبب مشاهد الزحام الشديد على أماكن حجز تذاكر الحفل من جانب الجاليات العربية والأجانب، حيث وصل طول طابور الراغبين في الحصول على تذاكر الحفل إلى كيلو متر كامل من البشر، كما أن سعر التذكرة كان هو الأغلى في تاريخ مسرح “الأولمبيا”، الذي كان يديره يومها كوكاتركس.
قبل أيام من الحفل الباريسي الأول (13 نوفمبر 1967) نتابع تراجع الاهتمام بزيارة أم كلثوم بسبب عدم تصديق الجالية العربية أن أم كلثوم ستغني في الأولمبيا”، ثم يزيد الاهتمام مع وصول السيدة إلى باريس وإعلان الصحف عن ذلك، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة أسعار التذاكر في السوق السوداء، ما دفع مدير المسرح “كوكاتركس” إلى زيادة أعداد الكراسي في الصالة، وتخصيص تذاكر للوقوف استثماراً للمكاسب التي كانت هي الأعلى في تاريخ مسرح “الأولمبيا”.
تسرد فصول الكتاب ورحلاته إلى السودان وليبيا والكويت بشكل مدهش لحظات التعب والإرهاق في رحلة سيدة شارفت على السبعين وتعاني من أمراض مزمنة، لكنها لاتزال قادرة في هذه السن على الغناء لعدة ساعات متواصلة، ومن بين لحظات المعاناة موقف شديد الصعوبة تعرضت له أم كلثوم، لحظة سقوطها فوق خشبة المسرح، بسبب تمسك أحد المعجبين بقدميها بغرض تقبيلها على الأرجح، وبعد فزع وخوف وتوقف للغناء تنتصر على نفسها وتعود لتواصل الحفل، وتحقق أعلى عائد حدث في تاريخ المجهود الحربي. فقد كان عائد الحفلتين في باريس 25 ألف جنيه استرليني، أجر أم كلثوم 14 ألفاً تحولت بالكامل إلى خزانة الدولة المصرية، لصالح المجهود الحربي، وبالتالي لا يمكن أن أصدق أن فيلماً عن مثل هذه الفنانة بالذات يمكن أن يلح على سمة البخل في شخصيتها ..كيف؟.. إنه أمر أشبه ـ حتى ـ بنكران الجميل.
جلال معوض
لقد جاءت أم كلثوم في هذا الكتاب ـ عكس أم كلثوم في الفيلم ـ امرأة قوية لا تهاب أحداً، تحمل قضية أمتها في قلبها وحنجرتها، فتتقوى بعدالة القضية وتتغطى بمحبة وإعجاب الجماهير، التي صارت تلتقيها في العواصم العربية، وترسل إليها خطابات الشكوى من كل بلدان الوطن العربي تقريباً، صارت “الست” هي السبيل لخلاص الجماهير من الاكئتاب والهم، عبر الالتفاف حول صوتها وأغنياتها ومشاريعها الخيرية، فقد نجحت أم كلثوم في قيادة حملة تبرعات ليس فقط من خلال دورها كمطربة ورمز للموسيقيين ونقابتهم بل أيضا من خلال الجمعيات النسائية المصرية، التي كان لها دور مؤثر في زيادة دخل حملة المجهود الحربي، فقد استطاعت أم كلثوم أن تجمع ـ فضلاً عن ملايين الجنيهات ـ نحو مائة كيلو جرام من الذهب لصالح المجهود الحربي.
يروي الكتاب جانباً من قوة أم كلثوم لحظة اعتراض مدير الحفل كوكاتركس على تقديم جلال معوض لغناء أم كلثوم بين الفواصل الغنائية، حينما أشار كبير المذيعين إلى جنودنا البواسل على الحدود، ملمحاً إلى الغناء قريباً في القدس المحررة، كان المسئول الفرنسي غاضباً وطلب من أم كلثوم أن يغير جلال معوض لهجته في تقديم الوصلة الثانية خصوصاً أننا في حفل فني ولسنا في منصة سياسية، فرفضت أم كلثوم بكل إصرار أن يفرض أحد على الإعلامي المصري جلال معوض ما يقول، وعلى الفور توجهت أم كلثوم إلى العازفين وقالت: “لموا الآلات”، وفي هذه اللحظة انهار مدير المسرح وطلب من الجميع الهدوء لتنتهي الأزمة ويعود جلال معوض إلى لهجته المعتادة في تقديم الوصلة الثانية لهذا الحفل الأسطوري.
ختاماً، لا يجب أن ننسى الإشارة إلى قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بالقاهرة الجديدة بتأجيل النطق بالحكم في الدعوى المقامة من ورثة السيدة أم كلثوم، للمطالبة بوقف عرض فيلم “الست” وسحب ترخيصه إلى جلسة 7 أكتوبر المقبل، استنادًا إلى ما يقوله الورثة من أن العمل يتضمن وقائع تمثل إساءة إلى السيرة الذاتية لسيدة الغناء العربى وتاريخها.

شاعر مصري ـ صدر له: ـ "فانتازيا الرجولة" سلسلة إبداعات "الهيئة العامة لقصورالثقافة، القاهرة 1998. ـ "لعنة سقطت من النافذة"…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع