زهير وسلاس
محسن
تسرّب الضوء من سقف الصفيح. كان محسن يحدّق في الكوّة.
قالت أمه وهي تشدّ المئزر حول خصرها:
ــ اجلب لنا الخبز من حانوت العيّاشي. لقد سدّدتُ ما علينا ليلة أمس.
ــ كنت سأفعل.
ــ من أين لك بالمال؟
ــ دبّرتُ مبلغًا لا بأس به من عند ياسين، ابن رحمة. لقد عاد قبل أسابيع.
شردت الأم برهة وهي تعيد صبّ الشاي بين الكأس والبرّاد، ثم قالت:
ــ ياسين، ولد رحمة.. جارتنا المسكينة التي سقطت ميتةً ذلك اليوم قرب معمل النسيج!
ــ
ــ خاطر بحياته في البحر، رغم صغر سنّه آنذاك، واستطاع أن ينتشل والده المعطوب وأخته الصغيرة من هذا المستنقع.
وأردفت مغمغمة:
ــ هكذا هم الرجال حقًّا.
ــ
ظلّ محسن شابكًا يديه خلف رأسه، يحدّق ساهمًا في السقف، كأنما يحصي تلك الشقوق الصغيرة وهي تقطر بضوء الصباح.
توفيق
لطالما شعرت أنني كائن عابر، لا ينتمي إلى مكان بقدر ما يستعمله مؤقتًا. نشأت يتيمًا في قرية جبلية معزولة، وتنقلت بين مدن عديدة، ونمت تحت الجسور، وامتهنت كل ما يمكن أن يدرّ عليّ بعض المال. ثم أوصلتني قدماي إلى «شق مرير»، منطقة نائية تعجّ بمساكن القصدير، حيث يعيش خالي العيّاشي. بفضله دخلت المدرسة ودرست. بعد أعوام عدت إلى المدينة. عملت نادلًا في مقهى فندق، وتابعت دراستي حتى حصلت على شهادة جامعية لم تفدني في شيء.
* * *
«لا يَنظُفُ هكذا إلا من غاص بعمق في القذارة»، قلت مخاطبًا انعكاس هيئتي في المرآة، وأنا أضبط ربطة العنق المبتذلة.
لولا إلحاح ياسين عليّ، لما وافقت مرة ثانية على حضور سهرتهم الأدبية تلك.
ماذا سأفعل هناك؟ أجالسُ أولئك المهندمين المتبجحين.
أتصورني واقفًا على ذلك التراس المطل على البحر، أمام الحضور الأفاضل، ألقي عليهم، بعد أن أسحب نفسًا عميقًا من لفافة حشيش:
«عزيزاتي، أعزائي،
لغتكم الرقيقة تضجرني
وكلامي المُسفلت سيعكّر صفوَ أسماعكم
وفوق هذا
اضطررت إلى ركوب حافلتين وخطّافة
لأصل إلى هذه الناحية القصيّة»
وسارة.. هل ستكون حاضرة هذه المرة أيضًا؟ سمرة شفتيها ورضابهما العذب كادا يُغفيانني في ذلك اليوم.
«جلست إلى جنبي، وكان في وجهها الوديع ما يوهم بالبراءة.. دقيقة الذراعين، نافرة النهدين.. رائحة شعرها الأسود القصير كانت وحدها كفيلة بهتك رشدي…»
غير أن صوت الطرق على الباب الآن هو الذي انتزعني مما كاد يُغفيني مرة أخرى.
*
ياسين
الشمس تكاد ترسو فوق البنايات. مرّ ياسين بناصية الشارع، بجوار مقاهٍ عامرة ومحالّ يقف بعض أصحابها عند أبوابها. «صخب هذه المدينة صار جزءًا من صمتها»، قال وهو يقرع الباب للمرة الرابعة.
تصافحا، ياسين وتوفيق، وصعدا سُلّما يؤدي إلى غرفة فوق السطح، تحيط بها أصص من النباتات المزهرة. وقال توفيق، وهو يتفحّص حذاءً أسود جديدًا:
ــ مشكلتك، يا صاحبي، هذه الدقة في المواعيد.
وأضاف:
ــ أرى أنك ما تزال حريصًا، بخشوع، على أن يمضي كل شيء وفق ترتيب مسبق.
فسارع ياسين يجيبه مقهقهًا:
ــ وأنت ما تزال تحصي على الآخرين وتغفل عن نفسك.
ــ إني كما ترى، على عادتي، خامل وسخيف بعض الشيء.. لم أحرز تقدّمًا يُذكر. أوَ تذكر ما كنا نردّده دائما، على هضبة «عين منصور» أنا وأنت ومحسن وحميد ومعاذ، ننتظر أن تجف ملابسنا على الصخور؟
ثم دنوا من بعضهما وصرخا: «لا شيء يُذكر.. عيشة مقودة.»
التقط ياسين مخطوطًا من فوق منضدة تتوسط الغرفة، وأخذ يمرّر إبهامه على حافة أوراقه. سأل:
ــ هنا إذن طبختَ مشروعك السردي؟
ــ هل زال انبهارك به أخيرًا؟
ــ بصراحة، رغم إيماني بموهبتك، لم أتصوّر أنك ستنسج عالمًا روائيًا بذلك العمق.
ــ على أي حال، تسعدني شهادة كاتب مرموق مثلك، ردّ توفيق وهو يملأ مرشّة الري من صنبور السطح.
*
محسن
كانت أمي، كعادتها، على وشك العودة من عملها في مصنع النسيج. تقدّمتُ خطوتين إلى الخارج ثم عدت. ألقيت نظرة أخيرة على ما ألفته ـــ البساط المزركش بالألوان، والمائدة القائمة في الوسط، والخزانة، والصور المعلّقة على الجدار، والمرآة الصغيرة ذات الحواف الحمراء. شددت حزامَي حقيبتي. أغلقت الباب. مضيت.
ما إن صرت خارج بيتنا حتى استبدت بي أفكار مضنية. كنت مدركًا أن الأمر يقتضي وقتًا وتفكيرًا عميقًا، إلا أن هذا الإدراك نفسه هو الذي نسف كل تفكيري طوال الأسبوع. ربما كان حميد مصيبًا حين شرح لي ليلتها أن الأمر كله قرار.
كان ما يزال أمامي نحو أربع ساعات. وكانت الشمس على أهبة المغيب، والسماء رمادية. ولاح لي كثير من الملابس المعلّقة على أسلاك الغسيل تتمايل مع هبوب الريح الخفيفة. وعندما بلغت نهاية حينا، قرب مقهى بّا عبد السلام، لوّح لي بيده. رددتُ عليه بالإشارة ذاتها. ولم أدرِ لماذا لم ألحظ من قبل مقدار الفرح الذي كان يملأ وجهه. ثم وجدت حميدًا جالسًا رفقة بعض الرجال، وما إن لمحني حتى نهض مسرعًا نحوي، وهمس في أذني: «لا تقلق، كل شيء على ما يرام. الرايس موحا هو من سيتولى قيادة القارب. كل خرجاته كانت ناجحة، كما تعرف. هذه فرصتك إذن. وكما سبق أن قلت لك، لن تدفع درهمًا واحدًا».
دعا لي بالتوفيق. ودّعنا بعضنا، وانصرفت.
مررت في طريقي بدكّان العيّاشي لأشتري سجائر وعلبة كبريت، وقد فاجأتني هيئة معاذ، بالوزرة الزرقاء والطاقية الزيتية، فخلته للوهلة الأولى العيّاشي نفسه، إذ لم أكن أعلم أنه عاد من المدينة ليلة أمس. قلت: «هل كان لا بد أن تحوز الدكتوراه حتى تعود للعمل في حانوت والدك؟» عقّبت والدته وهي تشيح ستارة عريضة تفصل جهة الدكان عن باقي البيت: «حرفة بوك لا يغلبوك»، ثم سألتني عن حالي وحال أمي، وعما إذا كنت قد وجدت عملًا… وقلت، دونما تفكير، مخاطبًا معاذاً: «ألم تفكر، بعد كل هذا الوقت، أن تغادر من هذا… » أحسست كلامي ينفلت من فمي كأغراض غرقى لفظها البحر إلى الشاطئ بغتة. تراجعت قليلًا، مفسحًا المجال لامرأة برفقة طفلين، سمعتها تقول لأم معاذ: «حان دورنا إذن! لقد شرعوا في إحصاء براريك “الجهة خمسين” سيهدمون مساكننا عما قريب كما فعلوا ببيوت الصيادين في شق مرير الجديدة».
قفز حولي صبية يطاردون بعضهم بعضًا. نظر إلي واحد منهم وقد ندّت عنه ابتسامة. بادلته إياها. سحقتُ عقب سيجارتي، وانطلقت، مشوّش الذهن، أكثر من ذي قبل. فلم يكن يتردد في أذنيّ وقتها سوى صدى كلام معاذ.
تقع «عين منصور»، المكان الذي سنجتمع عنده، بمحاذاة البحر، على بعد ثلاثة كيلومترات تقريبًا من «شق مرير»، القفر الذي نبتت فيه بيوتنا في أحياء الصفيح. قطعت المسافة مشيًا، وقد تكدّست في دواخلي مشاعر غامضة.. الأمر الوحيد الذي أحسسته عندئذ بوضوح هو رغبة عقيمة في أن يحدث خطب ما تستحيل معه الرحلة بكاملها.
عبرت إلى الجهة المقابلة من شارع «31 ديسمبر»، الذي يفصل بين شق مرير وساحل البحر ويمتد إلى المدينة. كانت الساعة تقارب التاسعة مساءً. جلست قرب منحدر صخري، ووضعت حقيبتي إلى جانبي. كانت كتفاي تؤلمانني. أخرجتُ سيجارة من جيبي، ونظرت صوب البحر. كان هادئًا، جميلاً، وغامضًا كوجه أمي، تتهادى أمواجه متلألئة تحت ضوء القمر، وكان الهواء باردًا، فملأ صدري نسيم ارتعش له جسمي. كأني في حلم، كأني ما أزال مضطجعًا في ركني، وقد استقر الضوء المنبثق من الكوّة على وجهي: «ماذا لو مت؟ كيف سيكون شكل أمي وهي تنتظر حافلة نقل العمال في الفجر؟ البحر خطر، لكن البقاء أيضًا خطر. وماذا لو بقيت هنا غارسًا أسناني في الأرض إلى حد انتزاع فرصتي، أستكون أمي فخورة بي؟ وإذا نجوت ونلت فرصتي هناك؟ وإذا نجوت وهلكت هناك قبل أن أبلغ ما أطمح إليه؟» أسئلة مبهمة لا تنتهي تلاطمت في رأسي مع حفيف الموج… وفي الحقيقة، كلام معاذ بدا لي مقنعًا إلى حد كبير، أو ربما كلامه أماط فقط الغشاوة التي كانت تستحوذ على عقلي وتشوّش عليّ أفكاري طوال الأسبوع، منذ أن فاجأني حميد تلك الليلة، وسألني إن كنت أرغب في أن أقطع البحر، لا سيما أنه يستطيع، من خلال معارفه، تدبير الأمر من دون أن أؤدي المبلغ المطلوب…
* * *
«في هذا الوقت ستكون أمي، على عادتها، قد حضرت القهوة بالحليب. أحب القهوة بالحليب. سأرتشفها وأنا أنظر إلى السماء من خلال الكوّة».
*
معاذ
بعد أن أحصل على الدكتوراه، سأجتاز مباراة توظيف الأساتذة الباحثين في الجامعة، وألتحق بهيئة التدريس. سأبدأ بتدريس الطلبة وتأطيرهم، وأواصل مساري الأكاديمي إلى أن أصبح أستاذًا للتعليم العالي، ثم أتزوج حبيبتي حورية، وأحضر والديّ لنعيش معًا في المدينة.
لكن شيئًا مما حلمت به لاحقًا لم يحدث. فبعدما أخذت كرتونة الدكتوراه، بقيت عاطلًا سنتين، ثم سيقَ بي إلى السجن، حيث قضيت سبعة أشهر، بسبب توزيعي منشورات تدعو العاطلين إلى تنظيم وقفات احتجاجية في عدد من الشوارع. ثم مات أبي. وحورية تزوجت. قالت: «تقدم لخطبتي رجل يعمل في الخارج». قلت: «تزوجيه». فعدت إلى بيتنا في «شق مرير» لأحل محل والدي في الدكان، فلم يكن لأمي من بعده غيري.
«لا بأس.. سأبدأ من جديد»، أجبتُ محسنًا، ثم انحنيت لأخرج من تحت الكاونتر. كان شاحب الوجه، باديًا عليه القلق، وكلامه غير مترابط. ومن هيئته وحقيبة ظهره، لم يصعب علي أن أدرك أنه متوجه إلى البحر، ليلقي بنفسه في أحد القوارب.
ابتعدنا قليلا عن الدكان، وأشعلت سيجارة. ربتُّ على كتفه وقلت: «أصغ إلي. لا أخفيك أني فكرت، جديًا، مراتٍ عديدة، أن أهاجر إلى هناك لأنال فرصتي وأحصل على ما أستحق، لا سيما قبل وفاة أبي. لكن، حتمًا، ليس عن طريق البحر. أجل، يا محسن، خفت أن أقضي غرقًا، كما حصل مع ابن خالتي عدنان وزوجته، كما تعرف».
قلت له إن الحياة تُعاش مرة واحدة.. أنقامر بها بين السماء والماء؟ «انظر إلى الأطفال، إلى الرجل على دراجته، وإلى الجرافة الرابضة… أنسلّم المكان لأولئك الأوغاد؟ ثم أنسيت…»
لحظتها، هرعت لأساعد أحد أولاد الجيران الذي سقط والتوى كاحله. بعدئذ التفت إلى حيث كان محسن واقفًا، فلم أجده. نظرت حولي، لكنني لم أجد له أثرًا.
*
توفيق وياسين
نزلا من الحافلة، ياسين وتوفيق، وسلكا طريقًا مختصرًا بين أزقة متربة متشابكة كأغصان الشجر، يقودهما إلى الشارع «31 ديسمبر» حيث سينتظران خطّافاً ما.
كان الظلام قد هبط، وبدت، من بعيد وعلى مدّ البصر، أضواء أعمدة الكهرباء معلقة في الأفق. نحا توفيق إلى جانب منزل، محتميًا من الريح ليشعل سيجارة، وقد كان ممتعضًا من البذلة والحذاء الجديدين. اجتازا زقاقًا أضيق لا ينيره سوى ضوء النوافذ، ثم عبرا شارع «31 ديسمبر» إلى طرفه الآخر. تقرفص ياسين على الرصيف من شدة التعب، وظل توفيق عند حافة الطريق، رافعًا إبهامه، على أمل أن يلمحه أحد الخطّافين، فيقلهما إلى حيث ستقام السهرة الأدبية، كما حدث معه في المرة الماضية. أما ياسين، فقد وصل يومها إلى السهرة في سيارة برفقة آخرين.
كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف. لم يكن يُسمع سوى هدير السيارات وصفير الريح ونباح الكلاب. فجأة، قفز أحدهم من الظلام المحيط بياسين وفي يده سكين. صاح ياسين: «توفيق»، فسمعه توفيق وهرع نحوهما، ووقف بينهما وقال: «اهدأ». رفع الشخص سكينه قائلًا: «اطرح الحقيبة أرضًا وسلّمني كل ما بحوزتكما». أخرج توفيق علبة السجائر، وانتزع منها ثلاثًا، ومدها إليه قائلًا: «خذ هذه، ودعنا وشأننا». نظر إليهما من أعلى إلى أسفل، وقال: «يبدو أنكما لا تعرفان أين أنتما». ابتسم توفيق، ورد عليه: «تراب هذه الأرض لا يزال عالقًا بين أظافري»، وأردف: «إلى جانبك بالضبط، فوق تلك الأرض المتوارية في الظلمة، كانت أكواخ الصيادين متناثرة. لا تغرنك هذه البذلة. نحن أبناء شق مرير القديمة». اندفع الشخص. دفعه توفيق، فلمعت السكين وأصابت ذراعه. تراجع ونظر إلى الجرح، فإذا به سطحي، وفي اللحظة نفسها باغته ياسين بلكمة أسقطته. انقض توفيق عليه وانهال باللكمات حتى أدمى وجهه. «توفيق، كفى!»، أمسكه ياسين وجذبه عنه، ثم ركضا نحو الأضواء البعيدة في ذلك الشارع الممتد.
قال توفيق بأنفاس متقطعة:
ــ ياسين، توقف.. لقد بلغنا عين منصور.
ــ أجل! لكن ما الخطب هناك؟
على بعد خطوات، كانت أضواء سيارة الإسعاف الحمراء تدور على الإسفلت وعلى صفحة البحر، فيما وقف عجوز ورجلان من الإسعاف متحلقين حول شاب ممدد في دمه. تقدم توفيق وسأل العجوز:
ــ ماذا يحدث هنا؟
قال العجوز:
ــ شاب دهسته سيارة وهو يعبر الطريق.
وأردف:
ــ كنت قد التقيت به قبل لحظات. سألني إن كان معي عود كبريت. أشعل سيجارته، ثم مضى ليقطع الشارع. فجأة، صدمته سيارة.
سكت العجوز قليلًا ثم أضاف: «كان يبدو سعيدًا»
……………………….
*كاتب من المغرب












