صلاة عالقة في مسجد صبيحة

رحاب الخضري

رحاب الخضري

تجمّع أهل القرية أمام المسجد الجديد، نساء ورجال وأطفال، وجوههم متجهمة، تربصت عيونهم، كأنهم على وشك الحرب. كان المشهد فوضويًا، ابتلع هدوء الأرياف.

 من وسط جُرن القرية؛ تصاعد الغبار حول الأقدام المتشبثة بالأرض. هتفت الحناجر، الملامح عكست الحيرة والغضب. تدافعوا حول باب المسجد؛ نصفهم يحاول الدخول بالقوة، لأداء صلاة الجمعة، بينما النصف الآخر يطردهم للخارج بشراسة.

بعض الرجال، الأقوى بنيانًا، والأشد بأسًا، حملوا عصيًّا خشبية؛ تبادلوا الاتهامات وتوعدوا. على الجانب الآخر، اندلعت جدالات حادة حول الإيمان والشرعية. فيما أقسم البعض أن المكان «تلوث» ويجب أن يُهدم فورًا.

جثم الشيخ وسط ساحة المسجد، ضاربًا بقبضة يده الأرض، كما لو كان يستنطقها: «يا عالم، إنه بيت الله، لا شأن له بأموالكم وأفعالكم!» التفت إلى الحشود، وقال بحزم: «من أراد الصلاة، فليتفضل. ومن شاء الهدم، فليقفز في الرشّاح ويسكُت!» هز أتباعه رؤوسهم باقتناع عميق، رغم أنهم تجنبوا النظر إلى الباب، كأن المسجد نفسه أصبح موضعًا للريبة.

تجمهرت النسوة، في زاوية بعيدة من الساحة، زهت أثوابهن الملونة تحت شمس الظهيرة. همسن لبعضهن عن صلاة الجمعة الماضية، قالت إحداهن: «نصف القرية صلّى في الداخل، والنصف الآخر في الساحة. كيف تقبل صلاة على نصفين؟ أم علقت كلها في السماء؟».

ضحكت ضحكة خافتة، لكن جارتها بجديّة قالت: «وما أدراكِ؟ ربما عُلِّقَت صلاتنا حقًا بين السماء والأرض… يا حزن الحزن!»

اتخذ الأطفال الفوضى ملعبًا، تسلق بعضهم جدران المسجد، ألقوا نظرة على الكبار، تراهنوا فيما بينهم أن المئذنة ستنطق. قال أحدهم: «لو نطقت، قُبلت الصلاة»، راقبوها منتظرين أن تهمس لهم بشيء. بينما بقيت المئذنة صامتة، شامخة، كما لو كانت شاهدًا لا ينحاز إلى أحد.

فجأة، انطلقت صفارة الشرطة. سيارة دورية قديمة اخترقت الحشود، توقفت أمام باب المسجد. ترجل منها ضابط بقسمات مرهَقة، ألقى على الحشود نظرة صارمة، ثم صاح بصوت مزلزل: «تفرقوا! هذا ليس مكانًا للعراك!».

صمت الجميع ونظروا إليه، ثم رمقوا المسجد بعين الشك. صاح شاب: «لا بد أن نهدم هذا المسجد، يا باشا!» فانقض عليه الضابط: «تهدم بيت الله؟! ومن تعبد إذن؟». تدخل الشيخ مسرعًا، مستسمحًا الضابط، أخبره أن الشاب مندفع، طيش شباب، وهو سيد العارفين. تقبل الضابط اعتذاره وأفلت الشاب من يده.

أفسح الضابط المجال للشيخ، وقال: «تعال يا بركة، احكِ أنت، ماذا حدث هنا؟» ما إن نطق الشيخ «هذا مسجد الحاج عبد الجواد…» حتى رنت ضحكة خليعة من «صبيحة»، تردد صداها في آذان الجميع، ثم هتفت: «شيء لله يا حاج!».

وقفت تتحدى الجميع، بجرأة، واضعة يدها في خصرها، لاتخفِي عباءتها السوداء، على وسعها، تفجر أنوثتها. ارتجاج نهديها النافرين، وأردافها المستديرة، ذكروا الضابط بتلك الليلة، حين دخلت نقطة الشرطة، جريحة، تلون بياضها ببقع داكنة زادت جمالها، أججت شعورًا غامضًا بداخله.

شكت له صبيحة ليلتها من أهل القرية، تآمروا لطردها، لم يقبلوا اتهاماتها لعجوة صنمهم، شككوا في سلوكها، وهي وحيدة تربي أيتامًا. لم يكن الضابط بحاجة إلى إقناع طويل حينها، وقف بجانب صبيحة، وهدد من يتعرض لها بأنه سيلقنه درسًا لن ينساه، حتى لو علقه بيده «ملط» على شجرة الكافور العتيقة، خارج القرية.

اعتمل الشعور ذاته في بدن الضابط اليوم، لكنه صاح وسط ساحة المسجد «اثبتي يا امرأة، ولا تنطقِي». رفعت صبيحة رأسها إلى أعلى، نظرت إلى المئذنة وقالت: «أوامر الحكومة». أشار الضابط إلى الشيخ ليكمل حديثه…

روى الشيخ: «في ظهيرة يوم جمعة قائظ، دخل غريبٌ إلى المسجد القديم، لم يعرفه أحد، لكن سكونه وهيبته لفتا الأنظار. جلس في الصف الخلفي بهدوء. يومها ألقى الإمام خطبة الجمعة عن التكافل الاجتماعي، وفضل مساعدة المحتاجين.

وقف الإمام بعد ختم الصلاة، ليعلن حاجة المسجد الجديد للتبرعات، تحدث عن ضيق المسجد القديم، وازدياد عدد الأهالي. تكلفة البناء مائتي وخمس وعشرون ألفًا. رفع الإمام صندوق التبرعات، الذي بالكاد حوى خلال عامين، ثلاثة آلاف جنيه، عملات معدنية. مر به على المصلين، لم يزيدوه شيئًا، عيونهم يكسوها الحرج.

ثم تقدم الغريب من بين الصفوف بخطى ثابتة. أخرج من جيبه شيكًا بالمبلغ كاملًا، قدمه بلا تردد. ذهل الجميع؛ همهمات غير مصدقة، ثم عمّت التكبيرات المسجد. لم يكن كرم الغريب ما أثار دهشتهم فحسب، بل هالة أحاطت به، كما لو كان بطلًا شعبيًا خرج لتوه من حكاية قديمة.

صار «الحاج عبد الجواد» منذ تلك الصلاة، محور حديث القرية، كلما احتاج أحدهم شيئًا، ظهر فجأة ليقدم المساعدة، ركنًا لا يمكن الاستغناء عنه في حياة الأهالي. مر الحاج على الأرامل بالنفحات، عالج المرضى على نفقته، مد الفلاحين بوسائل الإنتاج، وفي الصلاة الجمعة هو أول الحاضرين، يجلس في صف خلفي كعادته، لا يتقدم ولا يتأخر.

في كل مناسبة ظهر كظل مضيء، يتبسم بوقار، يرفع من شأن المحتاج دون أن ينتظر مقابلًا، أو حتى كلمة شكر.

اختفى «عصفور» القهوجي في ظروف غامضة، حتى أمه لم تعرف له طريق جُرة! وبعد شهرين من اختفائه، ظهر أثر النعمة على السِت أم عصفور، ثم أخبرت نسوة القرية بعزمها على الانتقال إلى القاهرة، فقد صار لها شقةٌ مطلّة على النيل، تشرح القلب! عصفور مرزق من يومه، وُفِّق في إيجاد عقد عمل، عن طريق الحاج عبد الجواد في بلاد الخواجات، فتحها الله لهمن وسع، والعقبى عند الأحباب.

لم ينم رجل في القرية ليلتها، مشهد السيارة الفارهة التي وقفت أمام بيت السِت أم عصفور، لم يغب عن الأذهان، للحظة. في الجمعة التالية، انطلقت وفود الرجال إلى الحاج، توسلونه أن يفتح لهم أبواب الرزق كما فتحت لعصفور. رفض في بادىء الأمر، نصحهم بأن أرضهم أولى بسواعدهم، وحينما أصروا، وافق.

استخرجوا جوازات السفر، وذهب مندوب عنهم لشركة الحاج عبد الجواد في القاهرة، سلم الأوراق إليه، في مكتبه. بعد أسبوعين دفعوا تكاليف الفيزا والتذاكر، وعمولة مكتب التوظيف في إيطاليا، والشهادة لله، رفض الحاج أخذ العمولة الخاصة بشركته، فالله يعلم أنهم مثل أهله، وأغلى.

 ثم بدأ الانتظار… وطال، تبخر حلم السفر. واختفى الحاج عبد الجواد كما ظهر. شركته في القاهرة، انشقت الأرض وابتلعتها، كما ابتلعت السِت أم عصفور.

صاحت صبيحة: «حرّموا جنيهاتهم على المسجد، فأخذها عبد الجواد ملايينًا وطار. ملاعين، لم يصدقوني حين حذرتهم من ذاك النجس، أقسمت لهم أنه اعتدى عليّ، يوم أتى لبيتي حاملًا نفحة الأيتام، ضربوني وكادوا يطردونني من بيتي، لولا الحكومة، إلهي يعمر بيتها».

تجمّع الرجال حول الضابط، يشتكون بأصوات خافتة، فالعمدة أقسم بطلاق زوجاته الثلاث، إن تجرأ أحد منهم على الشكوى للحكومة، سيُغرمه فدانًا من الأرض الطارحة، لأنهم أتوا بغريب وأركبوه فوقهم برضاهم، قال الشيخ للضابط: «فقرر بعض الرجال هدم المسجد، لأنه من مالٍ حرام».

صاحت صبيحة أمام باب المسجد: «على جثتي! لقد تبرعت لبناءه بثلاثة آلاف جنيهًا، من لحمي الحي، رحمة ونورا على روح أبي العيال. هم كل ما كانوا بالصندوق يوم أن منحهم النجس شيكه».

قال الضابط للشيخ بنفاد صبرٍ: «أعطوني بيانات الشيك، ومن أي مصرف صرفتموه». أطرق الشيخ، وأخبره أنهم لم يصرفوا الشيك، ولا يحزنون، فقد أرسل مدير أعماله صباح يوم السبت بالمبلغ نقدًا، حتى لا يشق على الأهالي بالسفر.

ابتسم الضابط ساخرًا. فجأة، تعلقت الأعين كلها بالمئذنة، بعد أن صدح طفل في مكبر الصوت المثبت أعلاها: «إس إس إس، واحد، اثنان، ثلاثة… مسجد الحاج عبد الجواد يرحب بكم، ويتمنى لكم صلاة مقبولة».

انفجر الضابط في نوبة ضحك هستيرية، وسعل، حتى أفرغ صدره، ثم قال للشيخ بعد أن هدأ: «المسجد لن يُهدم، هي ليست زريبة. من شاء فليصل، ومن لم يشأ فليذهب. وإن كان على اسمه، غيروه، فليكن مسجد صبيحة!».

خيم الصمت على الساحة. خطت صبيحة خطوات واثقة إلى داخل الباب، تراقصت عباءتها على إثرها، وضعت يدها على جدران المسجد، وهتفت: «بيت الله.. يبقى بيت الله».

تبادل الناس النظرات فيما بينهم، ورحل الضابط، فقد سمع أن رجلا يشبه الحاج عبد الجواد، شوهد في قرية قريبة منذ عدة أشهر، يوزع العطايا والوعود ذاتها، بملابسه الفاخرة، وهالته المهيبة. فقال الشيخ: «فرع جديد لمسجد صبيحة».

………………………

*قصة من مجموعة قصصية للكاتبة تحمل الاسم نفسه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع