أماني عباهرة
يهرب الكاتب من لحظة ولادة نصه إلى ممارسة نشاط بدني يحاول من خلاله ترتيب أفكاره، ورسم الخرائط الذهنية لمولوده الجديد. تأملت موقع مكتبتي في الصالون وقررت تحريكها مسافة متر إلى اليسار. أجبرتني مسافة المتر على إعادة ترتيب الكتب وفرزها لمدة تجاوزت الثلاث ساعات، وفي لحظة إدراك وجدت نفسي في ورطة مع الكتب، وفي ذات الوقت كان عليّ أن أكتب.
مقالة
مع بدء موسم معارض الكتب في الدول العربية نشر الكاتب والصحفي هاني نديم مقالة بعنوان “موسم معارض الكتب.. حصادٌ وزرعٌ وقمحٌ وبيدر”، وعلى طريقته الإبداعية تحدث عن المعارض ومواسم انعقادها في الدول العربية، وعن الكتاب الورقي الذي لم يَمُت رغم التنبؤ المستمر بموته. ذكرنا هاني في مقالته بقوة صناعة الكتاب وأهمية استمرار المعارض والتنافسية التي تحافظ على بقاء الكتاب الورقي والحركة الثقافية. بخفة ورزانة يعرفها كل من يقرأ لهاني، ختم المقالة بالحديث عن الكتاب الرقمي ونموه بالتوازي مع استمرار الطلب على النسخ الورقية، ووصفه للكتاب الورقي بأنه وسيلة نقل للذاكرة الإنسانية ذاتها، الذاكرة التي لا تموت إنما تغيّر شكل الوعاء الذي تُحفظ فيه.
قبل أيام، أغلق معرض أبوظبي الدولي للكتاب أبوابه، ليفتح معرض عمان الدولي للكتاب أبوابه في العاصمة الأردنية. أحالتني مقالة هاني نديم إلى ذكريات كثيرة مرتبطة بالكتابة والكتاب ومعارض الكتب وبهِ شخصيًا، أردت كتابة تعليق مختصر على المقالة، فتفلت المشاهد من الذاكرة الشخصية إلى مساحة أوسع عبر الكتابة، وتحول إلى نص ذاتي ضاقت عليه مساحة التعليق.
حقيبة
سألت نفسي: كيف تكون القراءة طقسًا، إن لم أحمل الكتاب بين يدي؟ – كما أشار هاني نديم في نهاية مقالته. لديّ إشكالية مع الكتاب الإلكتروني، وأنحاز إلى القراءة من الكتب الورقية؛ فالقراءة، بالنسبة لي، تحتاج إلى طقوس، وروتين، وأدوات، أيضًا. لذلك ابتدعت ما أسميه “حقيبة القراءة”: حقيبة أنيقة ألوانها مبهجة، مرسوم عليها بطاقة بريدية؛ أضع فيها الكتاب الذي أقرؤه، وأقلامًا ملونة للتظليل، وأقلامًا للكتابة على الحواشي والهوامش، وملصقاتٍ كبيرة لتدوين الملاحظات، وملصقات أصغر لوضع علامة على صفحات أعجبتني فيها فقرة وأريد اقتباسها في نص أكتبه أو حكاية أحكيها، هذا غيرُ فواصل الكتب الكرتونية أو الخشبية أو القماشية المطرزة أو التي تحمل صورة لمؤلف الكتاب. لا أستغني عن هذه الحقيبة في البيت أضعها على رف المكتبة أمامي، على مرمى نظري، وإذا خرجت، وضعتها في السيارة لاحتمال توافر وقت للقراءة.
سعادة
يُنَظّم معرض عمّان الدولي للكتاب كل عام في مول تجاري ضخم في العاصمة، والوصول إليه يحتاج إلى قيادة السيارة لمدة 45 دقيقة على أكثر الطرق ازدحامًا في عمان مما يضاعف زمن الوصول إلى الموقع الذي يعتبر بالنسبة لمكان سكني، في آخر ما عمّر الله.
قبل عامين، كنت أبحث عن مجموعة “معجم الصحافة” لهاني نديم، فقررت زيارة المعرض للحصول عليها. وصلت إلى الموقع، ولم أجد مكانا لركن السيارة، فتركتها لزوجي -هو وحظه- في العثور على موقف. دخلت البهو، ورحت أبحث عمّن يوزع خارطة المعرض. سألت المارّة: فأعطاني أحدهم خارطة وقائمة بدور النشر المشاركة. بحثت في القائمة عن الدار التي صدر عنها الكتاب، فلم أجدها ضمن المشاركين.
قلت لنفسي: “أسير بين أروقة المعرض، لعل كتابًا يناديني، فلا أعود خالية الوفاض من مشواري”. تأملت الكتب المصفوفة على الطاولات؛ مئات الكتب لمئات الأسماء. شعرت بغمامة خوف تظلّل رأسي، ثم هطلت الأسئلة: هل سيُكتب اسمي على غلاف كتاب يومًا ما؟ هل سأنهي كتابي قبل المعرض القادم؟ هل سأترك لدار النشر اختيار تصميم الغلاف؟ وقبل كل ذلك، هل سأجد وقتًا لاستئناف الكتابة وسط هذا الجدول المزدحم بالواجبات والمهام؟
ضاق صدري بالأسئلة، وأردت أن أعود أدراجي لولا نداء رجل كبير في السن كان يبحث عن رواية – نسيت اسمها – ثم قال: “ممكن تساعديني؟” نظرت إلى وجهه، وتمعنت في ملامحه؛ رجل سبعيني يتكئ على عكازٍ خشبيٍ قديم، ويضم تحت ذراعه كتابًا. تأملت زرقة عينيه الواسعة كالسماء وابتسمت. تبددت الغمامة فوق رأسي، واستعدت حماسي من جديد. أجبته: “طبعا”.
بحثت عن الرواية في Google، فوجدت أن حقوقها تعود إلى دار نشر غير معروفة وغير مشاركة في المعرض، لكن الرواية متاحة مجانًا على الإنترنت. أخبرت الرجل؛ فأمطرني بالدعوات من فرط سعادته. في هذه اللحظة، وسط آلاف الكتب الورقية في أكبر معرض كتاب يُنظَّم في العاصمة، أنقذنا كتاب إلكتروني؛ وكان سببًا لسعادة الرجل، وخلاصه من حرج عجزه عن شراء كتاب بسعر باهظ.
نظر إليّ بابتسامة رضا وقال: “الأسعار هنا مرتفعة. تخيلي، سعر هذا الكتاب – وأشار إلى الكتاب تحت ذراعه- ستة دنانير، بينما يُباع على بسطة في وسط البلد بثلاثة.”
ودّعت الرجل بعد إرشاده إلى كيفية فتح الكتاب على هاتفه، ووضع علامة يعود إليها لمتابعة القراءة، وتكبير الخط إن احتاج إلى ذلك.
وفي أحد الأروقة، وأنا في طريق عودتي، أوقفني غلاف كتاب “خيمة الرب / رثاء الآباء / نصوص من العالم” لهاني نديم، معروضًا على واجهة إحدى دور نشر المشاركة في المعرض. أخذت الكتاب وعدت أدراجي، أحمل معي مرثيات الشعراء لآبائهم التي جمعها هاني، وقدمها بحب كبير لمحبي آبائهم، متقربًا بها إلى الآباء الصالحين، وإلى العاطفة الأجمل التي تجمع بين كائنين.
جاء الكتاب مثل رضى الوالدين، في لحظة سعادة صنعتها لنفسي قبل أن أصنعها للرجل.
رقمنة
الحلول الرقمية تشبه البشر؛ لها وجه آخر، ولا يمكن أن تبقى طيبة إلى الأبد.
في مساء شتوي هادئ، هبطت عليّ فكرة كتابة رواية. مرّت أحداثها وشخصياتها وحبكتها وعقدتها أمام عينيّ كأنها وحي. قفزت من مكاني، وفتحت حاسوبي المحمول، وبدأت الكتابة مخافة أن تتفلت مني الأفكار. في أعلى الصفحة الأولى كتبت العنوان، ثم رحت أكتب: الحدث الأساسي، والشخصيات الرئيسية والثانوية، وصفاتها وملامحها، وما تقوله وما تخفيه، وتسلسل الأحداث، وخط سير القصة من البداية إلى النهاية، حتى فرّغت كل ما دار في رأسي من أفكار.
خصصت وقتًا يوميا للكتابة، وحددت مقياسا للإنجاز: 2500 كلمة يوميًا؛ أتجاوزها أحيانا، ولا أصل إلى ربعها في أحيان أخرى. وفي تلك الفترة، كنت أتشارك سحابة إلكترونية مع أخي وأحفظ عليها كل ملفات عملي اليومي.
وفي ليلة “ما فيها ضو قمر”، تعرضت السحابة لعملية قرصنة أسفرت عن ضياع كل الملفات، بما فيها ملفات الرواية. في لحظة ظهر الوجه الآخر للحلول الرقمية، وفقدت كل ما كتبت كأنني لم أكتب حرفًا. وباءت كل محاولات استرداد الملفات بالفشل، في وقت لم يكن مفهوم الأمن السيبراني شائعا كما هو اليوم.
لم أكن أعرف بروتوكولات تخزين الملفات الرقمية واستعادتها 3-2-1. الاحتفاظ بثلاث نسخ من الملفات:
1. نسخة على السحابة.
2. نسخة ثانية على وحدة تخزين خارجية في مكان.
3. نسخة ثالثة على جهاز خارج المكان الذي تتواجد فيه السحابة.
لم أفقد الرواية فقط؛ فقدت معها الدافع، وروتين الكتابة اليومي لأكثر من خمس سنوات. واستعدته لاحقًا، في اللحظة التي أمسكت فيها كتاب المتواليات القصصية الذي شاركت فيه بمتوالية قصصية مع 11 كاتبة في نهاية عام 2025 تحت عنوان، “لنذهب معًا إلى النهر”. تزامن نشر المجموعة مع معرض القاهرة الدولي للكتاب، فقررت السفر لتوقيعها في المعرض. حجزت تذكرة، جمعت حقيبتي، وسافرت لأول مرة وحدي على متن الطائرة؛ لأذهب حقًا إلى النهر.
رحلة
أنقذني الكتاب من فقدان الدافع، ومنحني السفر إلى معرض القاهرة أملًا في الكتابة من جديد. أنقّب اليوم عن الكلمات والأفكار بفأس صغير ورثته من والديّ؛ نصله اللغة العربية التي درّسها أبي لطلابه، وذراعه مكتبة أمي في بيتنا القديم. لا أتخيل الحياة من دون كتب مطبوعة، وأحاول اقتناءها بعناية. لا أخطط لزيارة المعارض أو حضور جلساتها، وأترك ذلك للصدف والدعوات المفاجئة من الأصدقاء والمقربين. ورزقني الله بصديقة تعشق الكتب، ولا تدّخر مالًا أو جهدًا لاقتنائها؛ كلما أعجبها كتاب أو عنوان، اشترت نسخة إضافية من أجلي، حتّى شكّلت مختاراتها جزءًا كبيرا من مكتبتي. وصديقتي نفسها كانت السبب في اقتنائي “معجم الصحافة” لاحقًا من معرض الشارقة، وصادف يومها أن تكون آخر نسخة في المعرض، انتقلت المجموعة في رحلة طويلة من الشارقة إلى دبي، ثم إلى أبوظبي، ثم إلى عمان، لتصل أخيرًا إلى مكتبتي.
هدية
أحاول الحفاظ على شعوري الحياديّ تجاه معارض الكتاب؛ فأنا من جماعة الرجل السبعيني: أفضّل شراء الكتب من بسطات وسط البلد بأسعار معقولة. ولا أذهب إلى المعارض إلا مرغمة بحثًا عن كتاب لم أجده في المكتبات أو على بسطات الكتب. تسألني ابنتي، التي تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا: “هل ستذهبين إلى معرض عمان؟” أجيبها: “لا أعرف. لماذا؟” فتخرج قائمة بالكتب التي تريد شراءها، وتبتسم ابتسامة ماكرة وتقول:” يبدأ المعرض يوم الخميس 24 سبتمبر في الـ week end، خلينا نروح”.
لم تعد زيارة المعرض تقتصر على رغبتي الشخصية، بل أصبحت طلبًا مُلحًّا من ابنتي، بعدما تنازلت عن هدية عيد ميلادها مقابل أن أشتري لها قائمة كتبها المفضلة، دون أن أفرض عليها عددًا محدودًا منها. ومع أن الهدية ستكون أوفر بكثير من قائمة كتبها، إلا أني وجدت نفسي أوافق على طلبها. بعد مفاوضات الكتب وهدية عيد الميلاد، نظرت إلى أكوام الكتب التي لم أُعِدها بعد إلى رفوف المكتبة؛ كتب وصلتني هدايا من أصدقاء ومقرّبين يعرفون جيدًا أنني فكرت في شرائها. دفع أصدقائي معظم فواتير كتبي، وأدفع اليوم ثمن كل كتب أولادي الذين أبعدتهم، قدر الإمكان، عن الشاشات، فباتت القراءة الإلكترونية خيارًا غير مفضّل لديهم، وصار لزامًا عليَّ أن أزور المعرض.
رفعت مجموعة من الكتب عن الأرض، ووضعتها على المكتب. أخذت أول كتاب، ونظرت إلى غلافه “شربة قَطا” لهاني نديم. فتحت صفحة الأولى:
“إهداء
إلى رائحة الحبْر في المطابع
إلى الطبعة الأولى، والطبعة الأخيرة، وما بينهما من أخطاء وكوارث…”
















