ثلاث قصص قصيرة

محمد فيض خالد

محمد فيض خالد

عينٌ مبصرة وقلبٌ مظلم

تُنبئ هيئته عن أن لصاحبها زمن شبابه نصيبا من البأس والقوة، فهيكله الضخم، يتفجَّر بالعنفوان والحيوية، حتى وإن بدى محني الظهر، مُقوّس السّاقين، مُهدّم القوى، ما أتعس المرء حين تلعب به السنين، وتنتهبه الأسقام، والغريب في الرجل، أنه بقدرِ عبوسه الطارئ، على قدر ما يلقى جليسه من الحظوة والبشاشة، حين يندفع في حُبٍّ جارف يُوزّع نكاته، خَفيف الظل، حَاضر النُّكتة، يشد من حوله إليه بوثاقٍ متين.

 عَجيب أمره، رويدا تنفك تكشيرته، وتبرق عينه، ويلعلع صوته، وترتجَّ حَنجرته برجعٍ مُحبّب، لتشتبك الضحكات من حوله في صَهللةٍ، تُضيء على إثرها الأصابع بلفائفِ الدخان، وتنهب الأيدي أكواب الشاي المغلي في تَلذذٍ، عبارة واحدة دأب رفاقه إذاعتها :” الفقري”، استأنس الرجل للقبهِ ” رجب الفقري”، فلم ينزعج، لا يخفى على من حوله ماضيه المفعم بالحوادث، عن قلبهِ الميت، عن تهوره الذي لا يخشى معه العواقب، أمّا حكاية عينه المُنطفئة، فهذا ما تبَقى له من صَفحاتِ زمانه الغابر، قيل: كان ” رجب” شابا مُترع الفتوة، قد لعبَ الغرور برأسه، يهوى اقتناء كلَّ نَصلٍ حاد، وفي يوم من الأيام أخذته النَّشوة، فشَرعَ يُلاعب نصله كما تعود، وفي غمرةِ زهوه وافتتانه، انغرسَ في عينِه، لم يصدق المغرور ما جرى، حتى وهو يشاهد عينه تتدحرج على الأرض، والمكان وهو ينشق عن ” ذكر الأوز” يلتقطها ويهرب في لمحِ البصر، قالت ” عائشة الخياطة” :” لقد حُسِد الجدع والعين حق، منذ أن رفع جوال القمح الكبير بيدٍ واحدة “، وتفلسف ” مفتاح الحلاق” أن العين فلقت الحَجر، و” رجب” فتوة القرية وبطلها الذي كَسَر هيبة “الحلب”، وقَطع دابرهم من القرية.

مع تقدم العمر، تَكيَّف الرجلُ مع عاهته، أو هكذا بدا، لتصبح من بعدها مادةً للتَّندرِ، يتلقاه بصدرٍ رحب، ليستغرق في ضحك هستيري، قائلا في ونسٍ:” حلمت ذات مرة أني اطارد ذكر الأوز، ذلك الملعون الذي التقم عيني، وإذ بالأرض تنشق عن جيش من الأوز” هذا ما يبديه للناس من باب التَّصبر، لكنه وفي حقيقة الأمر لم يتلهى عن مُصابهِ، على فتراتٍ يباغته الشرود، تلفحه نيران الجَزع، قبل أن يفيق وهو يحمد الله على فضله.

تقول زوجته:” لقد عهدته صَلب المراس، أكبر من أيّ رزية، لكنه يتوجس في قرارة نفسه خوفا، لا يجد من دونه مصرفا، خاصة بعدما مرضت عينه الوحيدة”، طلبَ منها مُنزعجا أن تأخذه للطبيب، تعصف برأسهِ طواحين الأوهام، وتكوي فكره الوساوس، ولشد ما أعياه ذلك الحديث الباهت الذي يُصبِّر به الناس المُبتلى منهم، حتى وإن كان عَجوزا طاعن السن، لكنه كغيره يكره أن يقع أسير العَجز، قعيدا مُهملا، في أيامه الأخيرة عاودته أحلامه القديمة، عادت أكثر تضبجّحا، ثقيلة يضيق لها صدره، لم يعد الأوز أليفا على عادتهِ، بل تحول لوحشٍ كَاسر، له أنيابٌ ومخالب، وأنفاس كريهة كأنفاسِ الضباع، لا يكف عن مطاردته في دَربٍ مجهول، لم تفلح معه استغاثة، فالمطلوب عينه الأخرى، يفزُّ من نومهِ مَصروعا، يتفصّد جَبينه عَرقا، مسكين!، هَجرَ الرقاد إلا لماما، يغفو جالسا، فما إن استغرقَ في نعاسه، إلا وتحاصره رؤاه.

حتى كانَ صباح، وُجِد صريعا مُنكفئا أمام بيته، قد خُلعت عينه، ويده مُلطَّخة بالدماءِ، قال جيرانه:”إلى الآن لم يكشف الستار عن الحادث، ولم يُعرف السِّر.”.

**

الصعود لأسفل أحيانا

إنه أسبوعه الأول بالعمل، يضجَّ المكان بزبائنه، تخطّفه بهرج المكان، مع كل ساعة يتزايد الزحام، أمواج السيارات الفارهة تتراص أمام المكتبة، تؤرّقه حركات الصغار العشوائية، الأيدي الممتدة تشاكس، تلقي البضائع أرضا، نظرات المشرف الصارمة توبخه في صمت، الرطوبة الخانقة تطبق على أنفاسه، خيوط العرق تنساب، تلدغ جلده الرقيق، قميصه المبتل بالماء، يضيق لكل هذا صدره حرجا، استعاذ بالله من الشيطان، ولكن بلا فائدة، فأعصابه تنفلت مع ذلك الارتجاج السخيف للأرداف الثقيلة، تستفز فحولته، تفجِّر في رأسه فوران الشباب، عاد المشرف يوبخه مجددا بكلامه السخيف، تضيع الكلمات من طرف لسانه فلا يجيبه، قبل أن يستدعيه بالأخير، بجوار الكاشير يستطيع مراقبته، أخذ نفسا عميقا، عبّأ صدره ببرودة الداخل، تحلل قليلا من خجله، جاوب هواجسه، تمشت نظراته المسعورة فوق أجساد النساء، في الأخير بادلهن الابتسام دون تحفظ، اعجبته بوادر النعمة الطافحة من الوجوه، أسر في خاطره، قال هامسا بصوت يقطر مرارة:” ما أتعس نساء قريتنا، عجفاوات، صبت الدنيا شقائها من فوق رؤوسهن صبا” على الفور تذكر والدته على هيئتها يوم رحيله، لم يمهله المشرف طويلا، تسلل كـأنه شبح يسري، عاد لصوابه، لكن عينيه لا تزال في تيه، شعر بالخيبة تملأ نفسه، مع دقات العاشرة يغلق السوق أبوابه، ينفرط عقد الزبائن، يتوجب عليه أن يظل في يقظة حتى السابعة صباحا، انطفأت الأنوار، سال لعاب الظلمة إلا من خيط باهت تسلل من شرفة المسجد القريب.

زفر ليل الصيف أنفاسه، جلس على كرسيه، حاول الفكاك من وطأة الرطوبة، تحرر من حذائه الثقيل، بمجرد أن اسند رأسه للحائط جرفه تيار الحنين، تراءت له والدته والحزن قد تجسد في قسمات وجهها النحيل، أخوته وقد تشبثوا بجلبابها في هزال، انتبه جافلا لصوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر، بعد هنيهة توافد أصحاب السترات الزرق، ألقوا حمولتهم، حزم الصحف والمجلات، دقائق وبزغ نهار يوم جديد، جنينا هزيلا يتخبط في الأفق المترب، جاء عمال النظافة، انتفضت ماكينة الصراف الآلي، غردت يمامة بلحن حزين، يتأفف من طريق العودة، أنياب الشمس الناشبة بقسوة، الوقح الذي تسلط على حصته من الطعام، بعد مجاهدة وضع رأس فوق الوسادة، لطّخت شفتيه ابتسامة خرساء، دقائق وداهمته جيوش النوم فاستسلم هانئا.

رنّ الهاتف انتبه مفزوعا، اسرعت صغيرته قربته إليه في تودد، داعب وجنتيها المكتنزتين في تحبب، عاد الوجه الملائكي من حيث جاء.

***

شَغَفهَا هُيَاماً

كل شيء جرى بينهما كحلم وردي، لم يكن ليخطر على بال الوليفين الهائمين أن يحدث مثل هذا، أن قُرباً لينبت في الجوار شعوراً صادقاً يجري بقلبيهما، يلقي بينهما في منأى عن كل عقل، فلو كان ثمة عقل لما حدث، لكنه الحب، ذلك الأستاذ الذي بسط جناحيه على الحبيبين، وأظلهما بغمامة من نور.

بدأ تعارفهما بشكل طبيعي، يحدث أن يرسل أحدهما يطلب صداقة غيره، انتظر يوماً أو بعض يوم قبل أن يتلقى إشعاراً بالقبول، تراءت له الفرحة حين اهتز قلبه، واضطرب وجدانه بسعادة صامتة، كل ما يشغله بوادر الراحة المتأتية من أعماقه. مبكراً، عذب نفسه بتلك الأسئلة السخيفة التي تجتاح العقل وترهقه، وفي الأخير لم يجد إجابة ناجعة: “لماذا هي دون غيرها في هذا الوسط المزدحم بالشخاص الافتراضية؟!”. نسي أن يكشف لنا عن خبيئة نفسه، حين سمح لنفسه أن يتسور حائطها الافتراضي خلسة، وأن يتجول بشهية في غمرة تفكيره لحظة قرر اكتشاف صاحبته، هذا ما استقر في خاطره.

اشتبكت حواسه مع تلك القوى النابعة من ابتسامتها، صوتها، وحضورها؛ فأدمن بهوس كل شيء فيها، أدق التفاصيل، تلك الطزاجة، والوهج الفريد الذي لم يتوافر لأنثى من بنات حواء. في كل ليلة وقبل أن يأوي إلى فراشه، ينجرف يقلب صورها بحماس، يستمع لصوت إلقائها الناعس وهي تصدح بتلك القصائد في عنفوان جارف، وما تسبغه عليه كلماتها من بريق، وكأنه يسمع ما توحي به نفسها من جمال وعذوبة. أخذه حضورها من مخالب الشقاء، هكذا قال، وهكذا دوّن في مذكرته الشخصية.

ظن لسنوات أنه الأقوى، عصي القلب صلب المشاعر، صاحب تجربة عرك الدنيا وعركته، ومن الصعب أن ينتهي به الحال عاشقا يتعقب حواء في هوس، أو أن يتلصص عليها كمراهق غرير. من فوق فراشه وقبل أن يلتحم جفناه بالنوم، تزاحم رأسه المشتعل بعشرات الأسئلة المستعصية: إلى متى يظل في هذه الأسئلة؟ تلك المنطقة التي لا يبرحها، وكيف يتخلص من جبنه؟ يزفر في توتر مع كلمة “جبن”، يعتدل في جلسته بجوف العتمة، وفي لهفة يتناول هاتفه، يشرع في فرز صفحتها: تدوينة جديدة، صورة جديدة تتوسط مجموعة كبيرة من الأصدقاء، تصطدم عينه بها فقط، يشع وجهها بابتسامة عريضة من وجه مستدير مشرب بحمرة، يناجزه النضج الذي أنضجه العمر، وتلازمها تلك الابتسامة التي تنز من عينين كنبع صافٍ محشو بالحنية، مترع بالعاطفة الساكنة، ويضفي الخال النابت فوق الشفة العليا حسناً أخاذ.

جعل يفكر ويعرك جبينه بيده المعروقة، قبل أن يظهر إعجابه بضغطة زر، أنعش آماله بعد أن كاد يتملكه اليأس، خفق قلبه بشدة كطير صغير يتعلم الطيران، بدأ في كتابة تعليقه الأول ولصقه، كلمات مختصرة من قبيل المجاملة: “كل التوفيق، مبروك”، سريعا أجابته بكلمة موجزة: “شكراً”، عندها شعر وكأن أجنحته قد نبتت له، الآن يستطيع أن يطير، يحلق في الفضاء الواسع الممتد بلا نهاية. أَرَّقَهُ التفكير، فلم ينم من الليل إلا قليلاً، وقبيل الفجر أرسل رسالة قصيرة على الخاص، كتبها بتأنٍّ شديد، أزالها وأعاد صياغتها أكثر من مرة قبل أن يدفع بها، يعاين على فترات وصولها، ويطمئن على استلامها. أجابته بنبرة امتنان، استقبل ردها بلهفة، تناوبت يده على كتابة الرد، لم يكن يخطر بباله أن تجيبه سريعاً، امتدت عيناه دهشة، فمنذ تلك اللحظة لم ينقطع تواصلهما.

انجذب إليها بالكلية، يتردد عليها آناء الليل وأطراف النهار في لهفة لا تقاوم، شعر بارتياح مفرط، شجعته هي بنبرة مهذبة، عكف على ملاحقة ما تنشره والتعليق عليه بـإصرار لا يقاوم. مأخوذ بسحر حديثها، تلك المقاطع القصيرة التي تنشرها بين حين وآخر، فتنه ذلك الشعاع المطل من خرزة بنية تقطر بسحر أخاذ، يعاوده طيفها أكثر، يبعث برسائله الواحدة تلو الأخرى، تأتيه إجابتها، فتحوطه بهالة من السعادة. كان يظن أنه يخادع نفسه، يوهمها أنها نزوة ليس أكثر وأنه ليس كما يتصور، مرت الأيام تتكاثف فيها عواطفه المشبوبة تجاهها، استمر طويلاً على حالته حتى ضاق ذرعاً بتلك الحماسة، تردد ألف مرة في الاستجابة لخاطره المستفز الذي يحاصره ليل نهار.

امتدت يده على الفور للهاتف، طلب منها أن توافيه برقمها الخاص، أرسلته على الفور، فردّ نافد الصبر، اتصل بها على عجل تحركه مشاعر دافئة، في المقابل جاءه صوتها في نغم ساحر لأنثى ناضجة كل النضج، راح صوته يخفت، وجعل يحدق في هاتفه بوجه ممتقع، أكملت هي في تودد حديثها الباسم، تحدثا طويلاً في أمور تافهة، أطال الحديث لينعم بصوتها الرقيق، خرجت كلماتها عذبة كجدول رقراق، هكذا بدت له، لكنه في قرارة نفسه يكاد يذوب وجداً.

عند الصباح اعتاد أن يوافيها برسالة قصيرة، ترد هي على الفور، ليعود طيفها يلوح من حوله، يضيء زوايا عقله، ويخامر قلبه، يشعر في كل مرة وكأن جميع الرغبات التي أوشكت أن تموت بقلبه عادت إليها الحياة منتفضة، تجلت كعرائس تتراقص في وله، تسللت إليه في رشاقة، تخطت كل حدود العقل، إذ كيف لأربعيني مثله أن يتعلق بامرأة مجهولة حد الجنون؟ سريعا أطلعته على تفاصيل حياتها: الأسرة، العمل، الأولاد، تلك الخبايا التي لا يطلع عليها إلا شريك التصق بشريكه، غفل عنه أنه أثر فيها كل هذا التأثير الجميل، سحرها حماسه المتدفق كسيل عفي جرفها نحوه، اقتحم عالمها بكل أريحية، فعل بها ما لا يفعله ألف لقاء، شعرت بالأنس، الحنان، والتوأمة التي قربت المسافات وطوتها كطي السجل للكتب.

تعلقا بخيط رفيع من الحرير، لفهما ضوء خافت، ذلك الذي ينير بصائر الخلق ليروا من وراء حجاب ويتعدوا المكان، أما هي فتبدل حالها إلى غير الحال، ها هي تنتظر حديثه في كل مساء بفارغ الصبر، يستحوذ عليها شغفه اللذيذ، انجرت طوعاً كفتاة عشرينية تتعلق بحديث حبيب شغفها هياماً، بدت كتلة من الرقة، تسكب في سكون نيرانها، ذلك الدبيب المتمشي في الجوانح وبين تلافيف الفؤاد. وكعادة بنات حواء تمنعت عنه أول وهلة، لكن هذه المرة الأولى التي يأخذها فيها مثل هذا السحر، سرت عواطفه، صوته الخلاب، وهمساته الحامية في كل خلجة من خلجاتها، عزفت على أوتار قلبها المشدودة لحناً جميلاً، تصفو روحها كل مساء فوق أمواج بحر متلاطم، يصارعها فيه في استماتة غير معهودة، تقاوم الحرمان، تهرب من التشهي الذي ينهش المرأة، لكنه صرعها في الأخير، ارتمت في أحضان الحب بكليتها وبكامل إرادتها، شعرت بأنه حب عمرها الذي وافاها بعد كل هذه السنين، تستعذب خيالات كثيرة طوف بها في ونس، تناجي طيفه في استسلام، ما أشوقها إلى رؤيته!

تظل على حالتها تلك حتى يختنق صوتها بالبكاء، مسكينة، تشعر في لحظات التجلي بأثر تلك الهمسات الناعمة تدغدغها، أنفاسه الحارة تمتد إليها، تتمشى في خفة بداخلها، تذيب الجليد المتكلس لسنوات، تجلو الصدأ الذي تراكم فوق مهجتها، فتصفو وتلمع، ويعود بهرجها، تستعذب ذلك البراح المتسع الذي تتجول فيه بصحبته، لقد زوق روحها التعلق والحب، دمغ مشاعرها وملأ جوانبها، تتخيل نفسها في مرات كثيرة وحبيبها عروسين فتيين يتمشيان في جنبات حديقة، صُفت على الجانبين شجيرات الورد والريحان، وقد تدلت من فوقهما عناقيد العنب في تعريشة زاهية الألوان، وعيون القمر الساهرة تحرسهما من فوق، تدفع عنهما عيون الأعادي.

“”أحبك”، أسرَّ إليها بها ذات مساء، صمتت طويلاً والكلمات تنعقد فوق لسانها، تيبست شفتان لها، والتهب جبينها في خجل جميل، كيف لها أن تجيبه؟ نعم هي أحبته، لا يغرب عن بالها لحظة، حاولت تغيير الحديث، لكنه تمكن ببراعة من الثبات، انتهى حديثهما المسائي المعتاد وقد رسخ في وجدان صاحبها ما تعانيه الحبيبة من الشوق، وما يشب في قلبها الغض من الوجد. اقتحمها كنغمة عذبة، حاولت أكثر من مرة إخفاء تأثرها، تكلفت في هذا غاية التكلف، فهي تخشى أن يرى من حولها هذا التغيير: فترات الشرود، الوجه الوردي المتوهج بنيران الغرام كمراهقة تذوق الحب لأول وهلة، لكنها في الأخير فشلت، تلطمها أمواج انفعال مكبوت، تنشب فيها فرحة عارمة لحظة اتصاله، تنزوي بعيداً في ركن قصي من أركان البيت لتنشغل في حديث يمتد لساعات.

انتبهت أخيراً لتصرفاتها الطارئة، اضطرابها، وروحها المرحة التي حولتها كعصفور يقفز طرباً، ينفض عنه زغبه ويضرب لأول مرة الهواء بجناحيه، لم تأتِ هذه التصرفات من قبل وهي الرزينة، كيف لها أن تتحول بهذه السرعة لفتاة تحب وتُحَب؟ أن تتعلق بلقاء المحبوب الذي أعطاها من نفسه ما آنست به وحشتها؟ كانت ابتسامتها تغطي قلقها، فيطمئن قلبها الوجل، وتتلاشى رويداً عشرات الأسئلة من رأسها بمجرد سماع صوته، لأول مرة تصارحه في ترفع الأنثى: “إنك مجنون حقاً، وأنا أعشق هذا الجنون، قلبك غيض أخضر يفيض بالبهجة، هذا الشغف يتملكني، صوتك يفيض بالشجن، ينفذ إلى كل عضو فيّ، يستقر في قلبي يؤججه، تلك التنهيدة الحارة تصيبني بالخبل، لكنتك الجنوبية المغرقة بالفحولة تأسرني”.”

أخبرها ذات مرة أنه بمجرد انتهاء حديثهما يشعر بحافز يدفعه للخروج للسير في الشوارع، فلو استطاع لأطلع العالم على تباريح قلبه، ولأخبرهم بهذا الحب. تشعر دونه بوحشة جارفة، فلولا هذا الحبيب ما أدركت وجود حواسها، ولغاب عنها أنها أنثى، ها هي تستكشف أنوثتها ورقتها لأول مرة، استطاع الحبيب إزاحة الركام والسماح للنبع أن يسيل ويمضي في سيلانه. قبل هذا كان الأمر رتيباً، أشياء أملتها عليها المقادير وحكمت بها الضرورة، تلك العادات الموروثة التي تجعل للمرأة زوجاً وحياة، حتى ولو حملتها على كره حتى الممات، تحب زوجها نعم فهذا طبيعي في بيئتنا، هذا ما غرس فيها كغيرها من بنات حواء، تحبه لأجل الاستقرار وانتظام البيت، أما أمور القلب والعاطفة والمشاعر والأحاسيس التي لا حياة بدونها، فهي أمور لا يمكن التفكير فيها.

ماذا تصنع بقلبها، بعقلها المشحون، بجسدها المستجيب في إلحاح لهذا الحبيب؟ في كل مرة يسحرها تعود من جديد أكثر نهماً، لم تذق من قبل أطعم منه، ولم تصادف من هو أصدق عاطفة منه، تجرأت بعد مدة فاحتضنت خياله المتراقص حولها، تتشهى في كل ليلة عناقه، تستنشق رائحته، تغوص في أعماقه حتى النهاية، تصطلي بنيرانه حتى وإن أحرقتهما، ما أشهاه حين يعبر فيها كشهاب يضيء جوانب روحها، يخترق كل الحواجز، ويفترش نوره من حولها في بهرج أخاذ.

أصبح وجوده ضرورة، بل حياة أخرى لم تعرف لها سبيلاً من قبل، عبقريته في الوصول بها لتلك الذروة وهو ينقش حروفه العاشقة على جسدها الطازج في كل لقاء، تغيب عن الوعي، تردد منتشية صوت إجابتها غير المشروطة: “أن أقبل عليّ ولا تخف، مد يدك نحوي، طوقني بين ذراعيك”، يفك الطلاسم، يغرز أصابعه في لحمها، تلمس جسده، يرحمها فيطفئ النيران الكامنة فيها، التي تقدح بعدما ظنت أنها خمدت وبرد أوارها. كان وجهها يتصبب عرقاً، وعيناها تبحثان عنه في الظلام، تنبسط فوق غلالة الحلم الأزرق الرقيقة وهي تسبح في تيار صمت لذيذ لا تسمع غير أنفاسها وهمهمتها، تلك الحروف التي تخرج من شقوق روحها في خفوت ما بين التوجع والنشوة، لِتُضَمَّ جميعها في صرخة تبحث لصاحبتها عن مخرج.

لماذا يتلبسها هذا الإحساس؟ لماذا لا تتوقف عن التفكير في أدق تفاصيله؟ لماذا هذا التوهج في كلماته؟ لماذا تسطع آهاته في أعماقها فتتشربها راضية؟ كيف له أن يتمدد نحو الأعماق؟ لماذا هذا الجنوح الشهي؟ لماذا تسير ثابتة حتى تلقي بنفسها في فوهة البركان؟ لماذا تغوص بلا عودة؟ تلك أسئلة ملحة لا تريد الإجابة عنها، لكن إجابة واحدة ترضيها: أن يظل حبيبها معها، أن تجدد به شباب قلبها، أن تطبق عليه، تخفيه داخل قمقم، ليظلا معا يترعان كؤوس الحب والعشق والجنون، وليذهب المنطق لحال سبيله.

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع