عبدالله السلايمة
لم تكن سيناء بالنسبة إليّ مكانًا وُلدت فيه فحسب، بل كانت، منذ طفولتي الأولى، عالمًا كاملًا من الحكايات والأسئلة. كانت الحكاية حاضرة في حياتي قبل أن أعرف الكتاب، وكانت الرغبة في السرد تتشكل في داخلي قبل أن أعرف ماذا يعني أن يكون المرء كاتبًا.
كبرتُ في بيئة بدوية تزخر بالحكايات والأساطير والسير الشعبية، وكانت مدرستي الأولى في السرد. كنت أجلس إلى الشيوخ في ديوان العائلة، وأنصت إلى حكاياتهم عن مجد قديم، ورجال مضوا، وأيام تبدلت، وأستمع إلى الجدات في الأمسيات القمرية وهن يستعدن من الذاكرة حكايات الماضي، بما فيها من أفراح وأحزان ومواقف ظلت عالقة في الوجدان.
في تلك المسافة بين الحقيقة والحكاية، بدأ يتشكل وعيي وتتخلق أسئلتي الأولى. كنت أتعرف إلى الناس من خلال ما يُروى عنهم، وإلى المكان من خلال ما تحفظه الذاكرة عنه، وأكتشف، دون أن أدرك ذلك وقتها، أن الحكاية ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل طريقة لفهم العالم والاحتفاظ بما يمكن أن يضيع منه.
كنت مأخوذًا بما في تلك الحكايات من خوف وانتظار ومفاجأة، وبقدرتها على أن تجعلني أعيش حياة شخص آخر. وربما لم أدرك إلا بعد سنوات أن تلك الحكايات البعيدة كانت تضع، في هدوء، اللبنات الأولى لعلاقتي بالسرد.
كبرتُ وفي داخلي ميل إلى السؤال: لماذا يموت الإنسان؟ لماذا يظلم بعض الناس بعضًا؟ لماذا يفرض العرف سلطته على الفرد؟ ولماذا تبدو بعض الأشياء التي اعتدناها كأنها حقائق لا يجوز الاقتراب منها؟
لم أجد في طفولتي من يجيب عن هذه الأسئلة. وكانت غلظة أبي تحول بيني وبين أن ألجأ إليه، فظلت الأسئلة الشائكة تكبر معي.
ثم جاءت القراءة.
كانت نافذة أطل منها على عالم أوسع من العالم الذي أعرفه، وأكتشف من خلالها أن ما أظنه مشكلة شخصية قد يكون جزءًا من سؤال إنساني أوسع. قرأت الشعر في المرحلة الإعدادية، والقصة والرواية في الثانوية، ثم اتسعت دائرة القراءة في المرحلة الجامعية لتشمل الآداب العالمية، خاصة الرواية. وبدأت أكتشف أن الجغرافيا، مهما بدت فاصلة بين البشر، لا تلغي اشتراكهم في الخوف والحب والفقد والرغبة في الحرية والبحث عن معنى للحياة.
وكان لفقدان أمي، قبل بلوغي الثالثة، أثر لا أستطيع فصله عن تكويني النفسي والإنساني. لا أملك تفاصيل ذلك الفقد، لكنني أعرف أن غياب الأم في تلك السن يترك أثرًا عميقًا في علاقة الطفل بالعالم. وربما جعلني ذلك الفقد أكثر حساسية تجاه الألم الإنساني، وتجاه المرأة، خصوصًا المرأة البدوية، وتجاه أولئك الذين يعيشون في الهامش ولا تجد أصواتهم دائمًا طريقها إلى الضوء.
ولم يكن التعليم منفصلًا عن هذا التحول. فقد منحني مسافة أستطيع من خلالها أن أنظر إلى البيئة التي نشأت فيها بعين أكثر تأملًا. لكنه لم يخرجني منها بقدر ما أعادني إليها بعين مختلفة.
ومن هنا أخذ انتمائي إلى المكان معنى آخر. لم تعد البيئة مجرد عالم أنتمي إليه، ولا عالمًا أريد التمرد عليه، بل عالمًا أحاول فهمه؛ أرى فيه الجمال والقسوة، والقيم التي تستحق الاحتفاظ بها، والمظاهر التي تحتاج إلى مراجعة. ولهذا لم تكن علاقتي بما حولي قائمة على الصمت، بل على النظر والتأمل وطرح الأسئلة.
بدايات الكتابة واشتباكاتها
في مطلع التسعينيات بدأت علاقتي بالكتابة تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا. كنت قارئًا قبل أن أكون كاتبًا، وكانت القراءة قد راكمت في داخلي شيئًا لا أعرف له اسمًا. ثم جاء انضمامي إلى نادي رفح الأدبي عام 1994 ليمنح ذلك الشيء فرصة للظهور.
التقيت في النادي بمبدعين أسهموا، كل بطريقته، في توسيع أفق تجربتي. واكتشفت أن الإبداع، وإن كان فعلًا فرديًا، لا ينمو في عزلة كاملة؛ فهو يحتاج إلى الحوار والاختلاف وإلى آخرين يقرأون النص ويجادلون صاحبه فيه.
بدأت خطواتي الأولى في النشر بخواطر شعرية في صحيفة «سيناء المستقبل». وكانت تلك المحاولات، بما لها وما عليها، خطوة أولى لاكتشاف صوتي وتجربة الكتابة والنشر. ومع الوقت، وجدت نفسي أكثر ميلًا إلى القصة والرواية، فبدأت أقترب منهما تدريجيًا، وأبحث فيهما عن المساحة التي يمكن أن أقول فيها ما أريد.
كانت القصة والرواية تمنحانني مساحة أوسع لوضع الإنسان في مواجهة المكان، واختبار أثر الماضي في الحاضر، ومتابعة التفاصيل الصغيرة التي تتكون منها الحياة.
ولأنني من سيناء، كان من الطبيعي أن تحضر في أعمالي. لم أرد أن أكتب عنها بوصفها ملفًا سياسيًا أو أمنيًا، ولا باعتبارها خلفية تضيف لونًا محليًا إلى الحكاية. أردت أن أكتب الإنسان الذي يعيش فيها، وأن أقترب من تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات والذاكرة والخوف والأحلام، وما يتركه المكان في أهله، كما يتركون هم أثرهم فيه.
لهذا ظلت سيناء حاضرة في مشروعي الروائي والقصصي، لا باعتبارها جغرافيا فحسب، بل باعتبارها جزءًا من تكويني وطريقة في رؤية العالم.
ومنذ البداية كنت مدركًا أن الاقتراب من المناطق الحساسة في المجتمع، وطرح الأسئلة التي يفضل الآخرون تجاهلها، قد يواجه بالرفض أو سوء الفهم. لكنني لم أنظر إلى ذلك بوصفه خصومة مع المجتمع. فالنقد الصادق ليس عداءً، والمساءلة ليست خيانة، والكشف عن مواطن الخلل لا يعني التنكر للجذور.
لهذا كتبت عن المكان كما رأيته؛ عن الإنسان السيناوي بما له وما عليه، وعن المرأة البدوية التي حملت أعباء مضاعفة عبر أجيال، وعن المهمشين الذين لا تصل أصواتهم غالبًا إلى دوائر الضوء والاهتمام.
لم يكن الأمر يتعلق بأن أقول ما يريد الآخرون سماعه، بقدر ما كان محاولة لأن أكون وفيًّا لما رأيته وعشته.
اتساع المكان والرؤية
كانت رفح فضاء البدايات، وفيها تشكلت علاقتي الأولى بالكتابة والنشر. لكنني كنت أرى أن العريش، بوصفها عاصمة محافظة شمال سيناء ومركز حركتها الثقافية، يمكن أن تفتح أمامي مجالًا أوسع للقاء والتفاعل والمشاركة. لذلك اتخذت قرار الانتقال إليها عام 2004، لا باعتباره قطيعة مع رفح، بل خطوة في طريق اتساع التجربة.
انتقلت من فضاء البادية الذي تشكلت فيه بداياتي إلى حياة المدينة بما لها من إيقاع مختلف ومساحات أوسع للحركة والتفاعل. ولم يكن الانتقال مجرد تغير جغرافي؛ لقد كان توسيعًا للرؤية، وإتاحة لأن أرى المكان الذي أنتمي إليه من زاوية أخرى. اكتشفت أن سيناء ليست صورة واحدة، وأن الإنسان فيها ليس نموذجًا واحدًا، وأن الاقتراب من المكان يكشف دائمًا ما لا تراه الصور الجاهزة.
وفي هذه المرحلة اتسعت علاقتي بالعمل الثقافي العام. شاركت في مؤتمرات وفعاليات ثقافية، وتوليت عددًا من المهام، لكن العمل الثقافي لم يكن بديلًا عن الكتابة. ظل هناك فرق واضح بين الكاتب الذي يواجه النص وأسئلته، والمثقف الذي يواجه الناس والمؤسسات والواقع بتعقيداته اليومية. أضاف هذا الاحتكاك إلى تجربتي فهمًا أوسع للمشهد الثقافي، دون أن يجعلني أتخلى عن عزلتي الضرورية مع النص.
وخلال هذه الرحلة أصدرت عددًا من الروايات والمجموعات القصصية، إلى جانب كتب ارتبطت بالشأن الثقافي في سيناء. لكنني لا أتعامل مع عدد الكتب باعتباره دليلًا على قيمة التجربة؛ فالمهم في النهاية هو ما يبقى من النص بعد أن يهدأ كل شيء حوله.
ما يعنيني أكثر أن بعض أعمالي وجدت طريقها إلى الدراسات الأكاديمية. فقد نوقشت ثلاث من رواياتي، في ثلاث رسائل ماجستير بجامعة حرم الوافي الإسلامية في ولاية كيرالا بالهند، كما تُرجمت الروايات الثلاث إلى اللغة المليبارية المستخدمة في ولاية كيرالا.
ثم امتد الاهتمام إلى جامعة العريش. ففي مطلع مايو 2026 تواصلت معي باحثة بشأن إعداد رسالة ماجستير تتناول أعمالي، وحصلت على أعمالي للاطلاع عليها ودراستها، ثم تواصلت معي في شهر أغسطس باحثة أخرى بشأن إعداد أطروحة دكتوراه عن أعمالي في الجامعة نفسها. وما تزال الدراستان في مرحلة الإعداد.
وكان لتواصل الباحثة الأخيرة وقع خاص في نفسي؛ فهي من رفح، مدينتي التي خرجت منها بدايات رحلتي. شعرت أن ما بدأ هناك، في المكان الذي تشكلت فيه ذاكرتي الأولى، يعود إليّ من جديد، ولكن هذه المرة في صورة بحث يحاول أن يقرأ ما كتبت من زاوية أخرى.
لا أتعامل مع هذا الاهتمام الأكاديمي باعتباره شهادة نهائية على قيمة ما كتبت؛ فالعمل الأدبي أوسع من أي شهادة، وحياته لا تتوقف عند حكم واحد. لكنني أراه شكلًا من أشكال امتداد النص. فالكاتب يترك أعماله للقراء والزمن، ولا يعرف أين ستصل، ولا من سيتوقف عندها، ولا ما الذي يمكن أن يراه قارئ فيها ولم ينتبه إليه هو نفسه.
أما التكريمات التي حظيت بها، فأعتز بها، لكنها ليست خاتمة الطريق. في النهاية يبقى النص؛ يبقى ما كتبناه، وما ظل قادرًا على أن يعيش بعد أن يهدأ التصفيق وتنتهي المناسبة.
ما الذي بقي؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود من الكتابة، لا أشعر أنني وصلت إلى مكان يمكن أن أسميه نهاية الطريق. ما زالت لدي روايات وقصص أريد أن أكتبها، وشخصيات لم تجد طريقها إلى الورق، وأسئلة لم أجد لها إجابة.
وحين أنظر إلى هذه الرحلة، أكتشف أن الأشياء التي صنعت الكاتب في داخلي لم تكن منفصلة بعضها عن بعض. لقد منحتني الصحراء شيئًا من قدرتها على الاحتمال، ومنحتني الحكايات الأولى شغفي بالسرد، ومنحتني القراءة اتساع العالم، ومنحتني السنوات القدرة على النظر إلى الأشياء من أكثر من زاوية.
ولم تكن الرحلة كلها انتصارات. كان فيها خذلان، وأبواب أُغلقت في وجهي، وأخرى فُتحت في الوقت المناسب. وكان فيها أيضًا أصدقاء وقرّاء ومبدعون جعلوا الطريق أقل وحشة.
لكنني لا أريد أن أختصر تجربتي في الخسارات أو المكاسب.
ما أستطيع قوله الآن إنني حاولت أن أكون وفيًّا لما رأيته، وأن أكتب عن المكان الذي أعرفه دون أن أحوّله إلى أسطورة، وأن أقترب من الإنسان دون أن أضعه في صورة مسبقة، وأن أترك للنص مساحة كافية لكي يختلف معي أيضًا.
ولعل هذا هو الاختبار الأصعب في الكتابة: أن تمنح النص صوتك، ثم تترك له حريته.
لهذا لم أستطع أن أكتب بعيدًا عن سيناء، حتى حين حاولت أن أكتب عن أشياء تتجاوزها. اكتشفت أن المكان لا يغادرنا بسهولة، وأن الإنسان يحمل جغرافيته في داخله حتى حين يبتعد عنها.
لكن الانتماء إلى المكان لا يعني البقاء أسيرًا له. فالكاتب يبدأ من جغرافيته، ثم يحاول أن يتجاوزها إلى الإنسان؛ إلى ما هو مشترك في الخوف والحب والفقد والرغبة والأمل، وفي تلك الأسئلة التي لا تعترف بالحدود.
وحين أنظر الآن إلى البدايات، أجد أن سيناء التي عرفتها طفلًا ليست هي سيناء التي أراها اليوم، وأن شيئًا من ذلك الطفل الذي كنته ظل معي؛ ربما هو الذي ما زال يصغي إلى الحكاية، ويصدّقها مرة، ويشك فيها مرة، ويسأل عمّا وراءها مرات.
لم تكن الكتابة عندي بحثًا عن خلاص شخصي، ولا عن اعتراف نهائي. كانت، وما تزال، محاولة لفهم ما عشته، والإصغاء إلى ما يختبئ خلف الأشياء، والاحتفاظ بما أخشى أن يضيع في زحام الأيام.
ولهذا لا أظن أنني أكتب لكي أقول ما أعرفه، بقدر ما أكتب لأعرف ما لا أعرفه.
لهذا ما زلت أكتب.





















