القس عيد صلاح
لا يُكتب الأدب الرفيع لمجرد التسلية وقضاء الوقت، بل ينهض بدوره حين يوازن بين المتعة الفكرية وحبكة السرد المتشابكة، مراهنًا على ذكاء القارئ في التقاط ما يُقال بين الكلمات وما يختبئ بين السطور. ومن هذا المنظر الفلسفي، تأتي رواية “نقطة النور” للكاتب بهاء طاهر صدرت في دور النشر الآتية: دار الهلال 2001م، دار الآداب 2001، الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة القراءة للجميع 2005م، ثم دار الشروق 2017م؛ لتكون وثيقة اجتماعية وثقافية تشريحية ترصد تحولات المجتمع المصري في مرحلة ما بعد حرب 1973م، ودخول البلاد عصر الانفتاح الاقتصادي وما صاحبه من تغيرات بنيوية حادة أثرت على المجتمع عامة وعلى بنية الأسرة المصرية بصفة خاصة (أسرة سالم، وأسرة لبنى) كنموذجين لهذا التحول.
تتحرك الرواية في سياق اجتماعي وتاريخي مهم من تاريخ مصر، هو السياق الذي أعقب حرب أكتوبر ودخول البلاد مرحلة الانفتاح الاقتصادي، وما صاحب ذلك من تغيرات في أنماط الحياة والقيم والعلاقات. ولا يقدم بهاء طاهر هذه التحولات من خلال خطاب سياسي مباشر، وإنما يجعلها تظهر في حياة الشخصيات وتفاصيلها اليومية. فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية لا تبقى خارج البيت، وإنما تدخل إليه وتعيد تشكيل علاقات أفراده وطريقة تفكيرهم ومواقفهم. ومن هنا تصبح الرواية، إلى جانب قيمتها الأدبية، وثيقة اجتماعية وثقافية ترصد جانبًا من صورة المجتمع المصري في تلك المرحلة.
تنقسم الرواية إلى ثلاث شخصيات كبرى: سالم، لبنى، الباشكاتب. وتتداخل الأحداث مع كل قسم من أقسام الرواية. تتجلى قوة العمل في قدرته على تشريح النفس البشرية برسم دقيق للشخصيات في ظاهرها وما هو خفي فيها. ونلمس ذلك في التباين الفكري والسلوكي داخل الرواية كذلك تعبر الرواية عن أن كل شخصية لها أزمة معينة وتختلف عن الأخرى ولكن ترتب بالسياق العام كسبب رئيسي لهذه الأزمات.
يرصد النص التفكك الأسري بوصفه عرضًا قاسيًا لهذا التحول، حيث يدفع الأبناء الثمن الأكبر، وتبرز شخصية “لبنى” كنموذج صارخ لضحايا هذا الانهيار الأسري والاجتماعي. كما تجسد الرواية حالة الانحرافات الأخلاقية والعلاقات المضطربة كنوع من الاحتجاج الضمني وغير الواعي على الواقع السياسي والاجتماعي المحتقن.
تدور أحداث الرواية في حي “السيدة زينب” بالقاهرة في السبعينيات من القرن الماضي، وتركز على ثلاث شخصيات رئيسية من أسرة واحدة تنتمي لثلاثة أجيال مختلفة: الجد (البشاكات توفيق)، هو جل عجوز طيب يفيض بالحكمة والمحبة الصوفية. تأثر في شبابه بالشيخ الصالح “أبو خطوة” (الباشمحضر السيد السنانيري) الذي كشف له عن أن محبة الناس والندم والتوبة الصادقة هي أبواب الوصول إلى السلام النفسي والنور. يعيش توفيق ذاكرًا لزوجته الراحلة “سمية” ومحاولًا غرس المحبة فيمن حوله. وبالرغم من ذلك يعيش في ازدواجية حيث يتزوج نازلي هانم عرفيًا وفي السر، وهي أيضًا تعيش كهانم ولكن معه كجارية، مما يعبر عن ازدواج الشخصية لديها أيضًا. ثم الابن شعبان والد سالم وفوزية، إنسان انطوائي، قاسي الطبع، مهزوم داخليًا. فشل في دراسته وتجارته، وشعر بالدونية والعجز مقارنة بوالده، مما جعله يعامل ابنته وابنه بصرامة وجفاف عاطفي. وصولاً إلى الحفيد سالم، وهو شاب خجول وهادئ، يعاني من كبت عاطفي وضغوط نفسية نتيجة فقدان أمه في طفولته وصرامة أبيه. يتجلى هذا الكبت في نوبات صرع نفسي أو كوابيس وهذيان تتفجر فيها شتائم وبذاءات جنسية لا يعيها بعد استيقاظه. يجد سالم في جده المأوى والحنان، وترافقه أخته “فوزية” بحب وعطف كأم ثانية.
في مقابل هذه الأسرة أسرة الدكتور شوكت وهو طبيب كان يساريًا انغمس في عمله كطبيب وطلق زوجته صفاء على أثر علاقة مع صدقي بك، لتصبح الابنة لبنى وحيدة تعاني من الخوف ويجري لها ما جرى.
يستعرض الكاتب تخبط الشخصيات ومحاولاتها للبحث عن ذاتها، سالم في خجله وتخوفه من العلاقات وتطلعاته المستقبلية، والجد في مراجعته لطريق حياته وانتظار “لحظة الفرج والكشف”. تتداخل في الرواية عوالم الروح والعالم المادي، وتتجلى حكمة الشيخ “أبو خطوة” في حكايات الجد لسالم.
تتجسد تحولات المجتمع المصري في شخصيات الرواية، إذ يبدو توفيق الباشكاتب الرجل الحكيم الذي صنعته خبرة الحياة والقراءة والثقافة، والشاهد على تحولات مجتمع بأكمله من خلال عمله وخبرته وحكايته وقراءاته؛ فهو يتزوج عرفيًا من نازلي هانم حتى لا يرث أحدهما الآخر، ثم يلوذ بعالم الصوفية والفكر الباطني محاولًا أن يفهم واقعًا مضطربًا ويجد تفسيرًا لأحداثه. وفي المقابل يأتي د. شوكت نموذجًا للإنسان الذي انغمس في العمل والسعي المادي على حساب أسرته ورعايتها، بعد أن كان في شبابه ثائرًا يساريًا، وكأن التحول الذي أصاب المجتمع قد أصابه هو أيضًا. أما د. صفاء فتترك زوجها وتتزوج صدقي بك، في محاولة لأن تؤول حضانة لبنى إلى زوجها د. شوكت، لتكشف بذلك عن تعقيدات العلاقات الأسرية وما يترتب عليها من آثار في الأبناء. ويظهر فرج بوصفه نموذجًا لشخص تحطمت أحلامه وطموحاته، بينما يمثل في الوقت نفسه القشرة الظاهرية للتدين الشكلي الذي تجسده اللحية ومظاهر التدين المرتبطة بموجة العائدين من دول الخليج. وتأتي فوزية، التي لم تستكمل تعليمها وتزوجت فرج، لتعيش تحت وطأة المشكلات والضائقة المادية، حيث لا يكفي دخل زوجها لتلبية احتياجات المعيشة، فتقدم الرواية من خلالها صورة للجانب الاجتماعي والاقتصادي من التحولات الجديدة. وعلى الجانب الآخر يظهر الشباب والطلاب بوصفهم الذروة الحية للرفض والمقاومة، من خلال الاحتجاجات وتوزيع المنشورات في الجامعة، بما يعكس حالة التوتر السياسي التي عاشها جيل كامل. أما سالم، فتظل معاناته الجسدية بلا تفسير طبي حاسم داخل الرواية، الأمر الذي يسمح بقراءتها رمزيًا بوصفها تعبيرًا عن اعتلال أعمق، نفسي ووجودي، لجيل يعيش تحت ضغط عصر مأزوم. وتبقى لبنى من أكثر الشخصيات مأساوية؛ فهي ضحية أسرة مفككة، وضحية علاقة لم تكتمل مع سالم الذي أحبته، كما أنها تدفع ثمن مشاركتها السياسية حين يُلقى القبض عليها ضمن الطلاب الثائرين، ثم يسعى والدها إلى إبعادها عن العمل السياسي بإرسالها إلى إيطاليا.
وهكذا لا تبدو شخصيات نقطة النور مجرد أفراد تتحرك داخل أحداث الرواية، وإنما تتحول في مجموعها إلى مرايا متعددة لمجتمع تتنازعه تحولات اقتصادية وسياسية ودينية وأسرية ونفسية، بحيث يصبح كل شخص فيها وجهًا من وجوه الأزمة العامة التي تبحث الرواية في خضمها عن نقطة النور.
أمام هذا الانسداد، يلجأ الباشكاتب إلى التصوف كملاذ روحي يتقي به جفاف العصر. غير أن الرواية لا تُغلق أبوابها على العدمية، بل تختتم صفحاتها بكلمة واحدة ذات ثقل مفاهيمي هائل: “الحب”. تأتي هذه الكلمة الأخيرة لتعلن أن الحب هو “نقطة النور” الحقيقية، والبلسم الوحيد القادر على مداواة جراح النفوس وإعادة ترميم الإنسان والمجتمع من ركامهما.
وهكذا تبدو نقطة النور رواية عن مجتمع يبحث عن نفسه بقدر ما هي رواية عن أشخاص يبحث كل منهم عن خلاصه الخاص. إنها ترصد التحولات التي أصابت مصر، لكنها في العمق تسأل عن أثر هذه التحولات في الإنسان: ماذا يحدث له حين يتفكك البيت، وتضطرب القيم، وتتراجع مساحات الأمان؟ وفي المقابل، ماذا يمكن أن يحدث حين يجد الإنسان من جديد معنى للحب والانتماء؟ لذلك لا تكمن قيمة الرواية في أنها ترسم عالمًا مظلمًا فحسب، وإنما في أنها، وسط هذا الظلام، تترك لنا خيطًا من الرجاء. فربما لا يحتاج العالم إلى ضوء يبدد كل الظلمة دفعة واحدة، وإنما يحتاج أولًا إلى نقطة نور صغيرة يبدأ منها طريق الخلاص.
عنوان “نقطة النور” مرتبط ارتباطًا وثيقًا وعميقًا ببنية الرواية وفلسفتها الصوفية والإنسانية فهي تمثل النور الداخلي للروح، في الفلسفة الصوفية التي تقوم عليها الرواية، تُمثّل “نقطة النور” الفطرة الإنسانية النقية والشعاع الإلهي المودع داخل كل إنسان مهما تلوثت نفسه بالخطايا أو أثقلته هموم الحياة ومآسيها. وتكون نقطة النور هي الخلاص والتنوير النفس، كل شخصية في الرواية تبحث عن “نقطة النور” الخاصة بها لتبدد ظلام روحها، الجد توفيق يرى النور في المحبة الصافية والرضا وقبول الآخر والاقتراب من الخالق. يبحث سالم عن نقطة النور الخالية من الكبت الخوف والاضطراب النفسي ليحقق الطمأنينة والتواصل مع الآخرين. شعبان غارق في الظلام، لكن وجود الحب والرحمة في بيته يمثل محاولة لإبقاء هذا الشعاع حيًا. نقطة النور التي تبحث عنها لبنى تكمن في الحصول على الحب الخالص والأمان الروحي الذي يحررها من مخاوفها وعقدها الدفينة. ولدى فوزية “نقطة النور” الخاصة بها من خلال كونها أمًا ثانية لأخيها سالم، تمنحه العطف والإنصات وتحميه من شطحات قسوة الأب ومن نوبات اضطرابه النفسي. وقد وجدت خلاصها ونورها في تكوين أسرة قائمة على التفاهم والمودة، مقتدية بالحكمة والمحبة التي استمدتها من جدها توفيق. نقطة النور لدى فراج تكمن في الأمل، والعمل الصادق، والاستقرار الأسري والروحي. يمثل فراج نقطة الضوء للواقع التجريبي الصعب؛ فهو يعتقد أن الإرادة الطيبة والاجتهاد والتمسك ببساطة الإيمان والدفء الإنساني قادرة على هزم الضغوط المعيشية والبيئية المتردية. ومضة الأمل وسط ظلام الواقع. ولذلك تجري الأحداث في عالم مشحون بالصعوبات المادية والتحولات الاجتماعية، وتأتي “نقطة النور” لتعبر عن الهداية التي تنقذ الإنسان من اليأس والهياج الداخلي.
وتبدو شروخ بيت “توفيق الباشكاتب” في الرواية كمعادل موضوعي وشديد الدقة لشروخ الوطن نفسه؛ وطنٌ يتداعى تحت وطأة الانفتاح والمادية، ولا تجدي معه عمليات الترميم أو الحلول الترقيعية المؤقتة، بل يحتاج إلى بناء جديد وولادة ثانية. تُعد الشروخ والتصدعات في بيت الجد توفيق في رواية نقطة النور رمزًا دراميًا وفلسفيًا محوريًا يُوظّفه بهاء طاهر ليعكس أكثر من بعد، حثي تشير إلى التفكك الأسري والانقسام الداخلي، فالشروخ المادية في جدران المنزل ترمز بوضوح إلى الشروخ النفسية والعاطفية بين أفراد الأسرة. فالبيت الذي يجمع الجد توفيق والابن (شعبان) والحفيد (سالم) ليس متماسكًا؛ بل تسوده القسوة والانعزال والجفاء من قِبل شعبان، مما جعل أركان البيت آيلة للانهيار معنويًا قبل أن تكون مادية.
قد ترمز الشروخ إلى التدهور الاجتماعي والقيمي، فيشير تهالك البيت وتشفي الشروخ فيه إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التافهة التي طرأت على المجتمع؛ حيث تتآكل قيم التضامن والدفء القديمة لحساب عالم يسوده الجشع والنفعية والانفتاح المادي، ليصبح البيت رمزًا لعصر قديم يندثر ويتداعى أمام قسوة الواقع الجديد. ثم التداعي الجسدي أمام بقاء الروح، فالبيت المتردّي بشروخه يمثل البناء المادي والجسدي الهشّ. وكما أن الجسد البشري يضعف ويبلى ويتعرض للزلل والأخطاء (كما حدث في تجارب الأب والجد)، فإن الروح الحية الصافية هي الوحيدة التي تسعى للخلاص والبحث عن “نقطة النور” لتجاوز هذا التهالك والخراب المادي. وصولًا إلى الخوف من الانهيار والبحث عن السكينة، تولّد الشروخ لدى قاطني البيت حسًّا مستمرًا بالخطر وعدم الأمان الإنساني، مما يدفع الحفيد “سالم” للبحث عن ملجأ روحي ونفسي خارج جدران هذا البيت المتصدع، فيجده في حكمة جده وتجاربه، وفي حبه للبنى.
وتتعدد في الرواية العلامات التي تكشف عن هذا التحول الاجتماعي والثقافي؛ فهناك العمل الذي يأتي أحيانًا على حساب الأسرة، كما يظهر في شخصية د. شوكت، وهناك مظاهر التدين الجديدة لدى فرج وإطلاق اللحية، وهناك تأثير العاملين العائدين من دول الخليج وما يحملونه معهم من أفكار وأنماط ثقافية وسلوكية، في حين يتجه الباشكاتب إلى التصوف بحثًا عن معنى مختلف للحياة. وفي الجامعة تظهر الاحتجاجات وتوزيع المنشورات، بما يكشف عن جيل شاب مأزوم يبحث عن موقعه في مجتمع سريع التغير. وهكذا لا ترصد الرواية تحولًا واحدًا، وإنما تقدم لوحة متعددة الألوان لمجتمع تتصارع داخله أنماط مختلفة من التفكير والتدين والسلوك.
ولعل الأسرة هي المجال الأوضح الذي تظهر فيه آثار هذه التحولات. فبيت توفيق الباشكاتب لا يبدو مجرد مكان تجري فيه أحداث الرواية، وإنما يتحول إلى صورة رمزية للبيت المصري، بل للمجتمع نفسه. فالشروخ التي تصيب العلاقات داخل هذا البيت تتجاوز حدود الخلافات العائلية لتصبح تعبيرًا عن شروخ أعمق أصابت المجتمع. وكما أن بعض الشروخ لا يكفي معها الترميم السطحي، فإن ما أصاب هذا البيت لا يبدو أنه يحتاج إلى إعادة الأشياء إلى صورتها القديمة بقدر ما يحتاج إلى بداية جديدة، وبناء جديد، ونقطة ضوء جديدة.
ويأتي التفكك الأسري في الرواية شديد القسوة في آثاره، لأنه لا يتوقف عند الزوجين، وإنما يمتد إلى الأبناء الذين يدفعون ثمن صراعات الكبار. وتصبح لبنى نموذجًا واضحًا لهذا الأثر؛ فهي لا تعيش التفكك باعتباره حدثًا عابرًا، وإنما باعتباره تجربة تترك بصمتها في تكوينها النفسي والإنساني. وهنا تكشف الرواية عن واحدة من أخطر نتائج انهيار الأسرة: أن الجرح الذي يبدأ بين الكبار قد يستقر في أعماق الأبناء، وأن الطفل قد يحمل آثار أزمة لم يكن طرفًا في صنعها.
ولا تقف الرواية عند رصد الواقع الخارجي، وإنما تتجه أيضًا إلى الداخل الإنساني. فبهاء طاهر يميل إلى تشريح النفس من خلال توصيف دقيق للشخصيات، فلا يكتفي بما هو ظاهر منها، وإنما يحاول الاقتراب مما هو خفي: دوافعها، ومخاوفها، ورغباتها، وتناقضاتها، وما تخفيه خلف سلوكها الظاهر. ولذلك تبدو الشخصيات في الرواية كائنات إنسانية مركبة، لا يمكن اختزالها بسهولة في ثنائية الخير والشر. ومع ذلك، تظل بعض المناطق بحاجة إلى مزيد من الإضاءة، ومن بينها معاناة سالم الصحية، التي لا تقدم الرواية تفسيرًا كافيًا لها، وهو ما يترك أمام القارئ سؤالًا مفتوحًا حول دلالتها النفسية والرمزية.
وتسجل الرواية كذلك عددًا من العلاقات المضطربة والانحرافات الأخلاقية، لكن أهميتها لا تكمن في مجرد عرضها أو إصدار حكم أخلاقي عليها، وإنما في إمكانية قراءتها باعتبارها أعراضًا لأزمة أعمق يعيشها الإنسان والمجتمع. فحين تتراجع قدرة الأسرة على منح الأمان، وحين تضطرب منظومة القيم، وحين يشعر الإنسان بالغربة والوحدة، قد يبحث عن بدائل مضطربة لإشباع حاجته إلى الحب والانتماء والأمان. ومن هنا تصبح العلاقات المختلة في الرواية جزءًا من صورة اجتماعية ونفسية أوسع، وليست مجرد حكايات هامشية داخل البناء الروائي.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها نقدًا اجتماعيًا لمرحلة السبعينيات وما شهدته مصر من تحولات مرتبطة بالانفتاح الاقتصادي، والهجرة، وتغير أنماط التدين، والحراك الطلابي، وصعود التيارات الدينية، وما صاحب ذلك من توترات اجتماعية وأخلاقية. لكن قوة بهاء طاهر أنه لا يحول الرواية إلى بيان سياسي أو خطاب أيديولوجي؛ فالنقد يأتي من داخل الحياة نفسها. إننا لا نقرأ عن التحولات الكبرى فقط، وإنما نراها وهي تنعكس على البيوت والأشخاص والعلاقات، فتتحول السياسة والاقتصاد والمجتمع من مفاهيم مجردة إلى تجارب إنسانية حية.
ومع كل هذا الظلام، لا تنتهي الرواية إلى اليأس. وهنا تكمن أهمية عنوانها “نقطة النور” فالنور لا يلغي الظلام كله، ولا يعني أن المشكلات قد انتهت، وإنما يعني وجود إمكانية للخروج منه. فوسط الخراب يبقى شيء ما قادرًا على المقاومة، ووسط الانكسار تظل هناك إمكانية للترميم، ووسط الوحدة يبقى البحث عن الآخر ممكنًا. ومن هنا يمكن أن نفهم «النور» بوصفه رجاءً لا ينكر الواقع، لكنه يرفض أن يكون الواقع المظلم هو الكلمة الأخيرة.
في النهاية، لا تبدو “نقطة النور” رواية عن الظلام بقدر ما تبدو رواية عن البحث عن النور داخل الظلام. فقد رصد بهاء طاهر مجتمعًا تتغير ملامحه، وأسرة تتشقق جدرانها، وأفرادًا يحمل كل منهم جرحه الخاص، لكنه لم يترك شخصياته أسيرة اليأس. فوسط التفكك والاضطراب والبحث المضطرب عن المعنى، تظل هناك إمكانية لاستعادة الإنسان لنفسه ولعلاقته بالآخر. ولعل اختيار “الحب” في الكلمة الأخيرة من الرواية ليس مصادفة؛ فالحب هنا لا يبدو مجرد علاقة عاطفية، وإنما قوة قادرة على ترميم ما أفسدته القسوة والعزلة والانقسام. وإذا كانت شروخ بيت توفيق تعكس شروخ مجتمع بأكمله، فإن نقطة النور تشير إلى أن المجتمعات، مثل الإنسان، لا تحتاج دائمًا إلى ترميم ما تهدم فحسب، بل تحتاج إلى بداية جديدة، وإلى معنى جديد، وإلى علاقة إنسانية تعيد إليها قدرتها على الحياة. وهكذا يتحول عنوان الرواية من مجرد اسم إلى سؤال: وسط كل هذا الظلام، هل نملك القدرة على أن نرى نقطة النور؟









