ممدوح رزق
يمكن التفكير عند قراءة رواية «بالحبر الطائر» للكاتبة عزة رشاد الصادرة عن «الكتب خان» فى معنى التوثيق عند امرأة يختلف ما عاشته عن كل التجارب التى خاضتها نساء الرواية: ما الذى تريد كتابته حقًا؟ كيف تنظر إلى حياتها حين تدوّنها؟ هل تستوعب أهدافًا محددة وواضحة للكتابة؟
أفكر فى أن هذه المرأة، مهما كانت اليقينيات الراسخة فى وعيها حينئذ، تكتب لتستكشف أسئلتها الأبعد مما يبدو أنها تحاول إثباته أو فهمه حقًا بالكلمات. أنها تريد من قارئ ما، ولو بشكل غير مدرك، أن يجعل هذه الأسئلة معلنة، ساطعة، على النحو الذى يمنحها نوعًا من «الحميمية» الوجودية غير المسبوقة، أى يساعدها على العبور نحو عيش مناقض بطريقة ما لحياتها المحكومة بذلك الشىء الغامض المتسلط الذى يُسمّى «الخبرة».
«لا أعرف كيف خرجت دون أن أراها؟ دون أن أنتبه، خرجت ولم تعد، بحثت عنها حول البيت، وحتى حدود المترو والطريق السريع، ولا أثر لها. انتظرت عودتها، أرهف السمع لكل نأمة تتحرك، وأنتظر خربشتها على باب الشقة، دون جدوى. باختفائها فقد البيت معناه، فهى كانت الشريك الأخير، الذى يمنحه المعنى. فالبيت حسبما أستشعره، ليس مجرد جدران وقطع أثاث، بل نهوض من الفراش، رغم التعب، لإعداد الطعام لشريك ما، أو من أجل رعايته وتقديم نوع من العون أو تلقى العون منه. البيت يعنى المشاركة».
لنفترض أن هذه المرأة لم تتأمل بصورة مباشرة كلمات مثل «الإرث»، «الطمس»، «المصير»، ولكنها استجابت فحسب إلى هذه الرغبة فى أن تكتب نفسها بهدف «تسجيل» ما حدث، كأنها إرادة قائمة على دافع محايد أكثر من كونه ضرورة شخصية؛ هذه المرأة لا تريد فقط أن تتعرّف على أسئلتها بواسطة «الآخر»، المُراقِب والمُهدِد لانسجامها الظاهرى مع «الموت»، وإنما تريده، لا شعوريًا بشكل أساسى، أن يجرّد ـ تأويليًا ـ «الغضب البدائى» المدفون فى ذاكرتها من أقنعته القهرية المتراكمة، التى تحوّلت بمرور الزمن إلى «وجه» استعبادى لـ «حقيقة» تُكذّب كوابيسها لتحافظ على طهارة «الأبوة». ما لم يعد يتطرق إليه فكرها أثناء الخطو اليومى وتبادل المفردات الإجرائية، ولكنها ما زالت تحدس به فى صمت، تشعر بارتباطه المبهم، بما يتجاوز «أنماط» عيشها. تريده أن يحررها من «الإثم»، من «الامتثال» لكل ما يقدّم ذاته كـ «سلطة كونية متعالية» لا تقدر على استيعابها، أن تبدّل موقعها مع القدر، «تُحاكِم» المهزلة المشروطة بالغيب، دون خوف من وعيد أو عقاب، أو حتى اكتراث بمآل.
«ولكن لا؛ فبمجرد أن دخلت الشقة، لم أجد أى رائحة لجثة متعفنة، أو جثة حديثة الوفاة. بل وجدت كل شىء فى مكانه، نظيفا ومرتبا، أكثر من أى مرة، بينما أمى غير موجودة. ربما سافرت لتزور عمتها. لكن إذا كانت ستغيب عدة أيام، أليس من الطبيعى أن تخبرنى؟ أن تفصل الكهرباء عن بعض الأجهزة؟ أن تأخذ معها هذا اللاب توب الوردى اللعين؟ رغم الفوضى؛ أحسست أننى أحب البيت هكذا، خاليا منها ومن قططها».
المسافات الفاصلة بين شخصيات الرواية ليست تباعدًا بين أجساد عالقة فى ورطتها الخاصة بقدر ما هى مساءلة لحتمية الانقطاع عن «الحل السحري» للطفولة. من هنا تبدو المسافة وكأنها «خام» يتم تشكيله وفقًا للرهان اللغوى من أجل استجواب التماهى الغائب مع أصل «الذات» الباحثة عن استعادة الرفقة، واسترداد حكايات الماضى، أو بالأحرى وعوده الضائعة. لسنا هنا إزاء امرأة تجابه «عمومية» مهيمنة فحسب، بل بالأخص تشتبك مع فكرة أبسط وأكثر تلغيزًا: «ما الذى كان يجب أن أكونه؟» فكرة بسيطة لأنها فى هذه اللحظة تحديدًا «الكتابة» هى الأكثر بداهة من التعايش والاندماج أو حتى التبنى والدفاع عن سياقات الحضور المقررة من قبل امتلاك «الصوت» الفردى، كما أن تلغيزها يرجع إلى استحالة العودة إلى ما يسبق البداية. إلى ما يتقدّم على «أنا موجود هنا والآن». التوثيق إذن ليس تأريخًا بالمعنى التقليدى، وإنما هو مقاومة للتاريخ، تضمرها الانحيازات العفوية، التى تؤبد صورة مصطنعة، وملزمة، للأمان وليس الأمان نفسه.
«تلقننى نصيحتها، بضرورة أداء تمارين التذكر وأهمية أن أكتب كل ما يخطر ببالى حتى لا يضيع شىء. لا أقول لها إن الضياع قد حدث بالفعل، مثلما أنظر الآن إلى زوجى. ولا أعرفه. أقف أسفل البيت، أتأمله طويلا غير واثقة أنه بيتى، حتى بعد أن أجد مفتاحه فى حقيبتى. أدور بين حجراته، لا أعرف أيها لى. هل يمكن لإحداكن أن تستغرب ملابسها؟ ملمس نسيجها؟ موديلها؟ الطريقة التى ينزلق بها الثوب بين ثنايا جسدها؟ أن ..».
ما لا تستوعبه المرأة إذن فى تدويناتها ليس النسيان أو الاختفاء بل الفقدان المُكره لذكريات لم تعشها، الحياة التى تم استبدالها ببشرية مؤقتة، احتضار عابر، ما لا تستوعبه هو اختفاؤها الجوهرى من قبل الإذعان لأى يقين جعلها تنطق بلسانه، وتحمى رمزيته، وتستنجد بخلاصه. الكتابة هنا تبحث عن الصدى الكاشف للقمع الاستباقى، للفناء الُمهمل فى قوالب الصراع مع المفاهيم، وكذلك مع الآخرين الذين يدوامون على استعمال «الآخر» فى إثبات صواب معتقداتهم حول «الهوية» و«النجاة».
«صادت كل الجراد المنقض على العشب ثم عادت لدار فكيهة، حمت النهار وغلت الماء وألقت الجراد داخله حتى انطبخ. غرفته فى «سلطانية» كبيرة وعميقة ثم قدمته لفكيهة ـ التى كانت صائمة منذ أيام من شدة الألم، لهذا نزلت عليه «حتتك بتتك» لكنها سرعان ما ندمت، لأن فكيهة قطعت النفس مع آخر جرادة، وغابت كأنها ذهبت إلى الموت، ثلاثة أيام بلياليهم لم ينقطع البكاء عليها، ثم فجأة؛ نهضت والناس نيام فاندفعت طبيعتها دفعا عظيمًا. لم ينقطع إلا بعدما انقطعت العلة. إذن فقد برأت فكيهة.. شالت وحطت، حلبت وخبزت، واستيقظت البلدة على روائح الحياة خارجة من دار المسخوط. أصغى متحيرة إن كان ما تذكره وقائع عاشتها؟ أم خرافات بلغتها؟».
أعادت رواية «بالحبر الطائر» تذكيرى بـ «دورا» بطلة قصة «لا تجعليهم يجدونك» للكاتبة الإيطالية أنجلا ديانا دى فرنشيسكا، وكذلك «كيت براون» بطلة رواية «الصيف قبل الظلام» لـ «دوريس ليسنج»، وأيضًا «فرنشيسكا» التى جسدتها «ميريل ستريب» فى فيلم «جسور مقاطعة ماديسون». لا أتذكر هنا حوافز التمرد لدى ربة منزل أهلكتها حياة مظلمة، وإنما أتذكر التمرد نفسه كحافز للالتفات الشاحب إلى ما وراء الأفق، نحو الموقع المجهول الذى انتُزعت منه هذه المرأة لتكون ربة منزل. ما تريد هذه المرأة من قارئها، بعد لحظات أو قبل نهاية عمرها، أن يعيدها إليه. أزليتها المفقودة، كمالها المحصّن، ما كانت فى طفولتها تتصوّر، بإيمان جذرى، أن بوسعها اللحاق به واعتبار كل ما حدث مجرد «خطأ بسيط فى برمجة السعادة».
«فى كل صباح أراجع دفترى فيفاجئنى كم الكتابة التى اقترفتها أثناء الليل. ألقى بالقلم وأنظر فى المرآة وأتساءل: أهذه أنا؟
أحدق، فأرانى صغيرة تقف بين أندادها من أطفال العائلة، بينما يظهر بين الذراعين الضامرين لكل منهم منخل كبير، يغربلون فيه الحب. فيما تستحثهم سندس على الإسراع».
كعادة كتابات عزة رشاد؛ ثمة تحريض على أن تفطن المرأة إلى ما توطد فى أعماقها بسطوة البلاغة فأصبح جلّادها. إلى ما أُجبرت على الاعتقاد بأنه غير قابل للمراجعة أو حتى الشك، أى أن تفكك المعرفة التى أبقتها خارج الحماية أو التعويض. أن تسرد، كما لو أنها تمزق دون أن تدرى، حكايتها «العادية» كى تتخطاها فتصبح جسرًا نحو ثأرها من النقصان، من الزوال المقترن بلحظة ميلادها، حتى وإن تشبثت فى مرآتها بما تتوهم أنه لا غنى عنه.










