لماذا يتحول طه حسين إلى رمز شبه محصَّن لدى قطاع من المثقفين الليبراليين المصريين؟

صالح سليمان عبد العظيم

أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم

لا يمكن تفسير المكانة الاستثنائية التي يحتلها طه حسين لدى قطاع من المثقفين الليبراليين المصريين بقيمته الأدبية وحدها، ولا بشجاعته في بعض معاركه الفكرية أو بدوره في التعليم والجامعة. فقد تجاوز منذ زمن موقع الكاتب الذي تخضع أعماله للمراجعة، وأصبح جزءا من سردية كاملة عن نشأة الحداثة المصرية؛ ابن الريف الكفيف، حافظ القرآن وطالب الأزهر، الذي انتقل إلى الجامعة المصرية، ثم إلى فرنسا والسوربون، وعاد أستاذا وعميدا ووزيرا ومدافعا عن التعليم وحرية البحث. هكذا تحولت السيرة نفسها إلى مصدر للشرعية، حتى أصبح الاسم في بعض الأحيان أكبر من الحجة، وأصبح نقد بعض أفكاره يُستقبل كما لو كان نقدا للتنوير أو العقلانية ذاتها.

لم يبدأ سؤال النهضة بطه حسين؛ فقد سبقه الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم، وكانت النخبة المصرية منذ القرن التاسع عشر منشغلة بسؤال التفوق الأوروبي وكيفية الخروج من التأخر. لكن جيل طه حسين شهد انتقال هذا السؤال إلى الجامعة والدولة والجهاز التعليمي، وهو ما منح تجربته دلالة تتجاوز شخصه. فقد بدت سيرته تجسيدا لمسار رمزي كامل؛ من الأزهر إلى الجامعة، ومن التراث إلى المناهج الحديثة، ومن مصر إلى أوروبا ثم العودة لإعادة تشكيل الثقافة المصرية. ومن هنا أصبح بالنسبة إلى قطاعات ليبرالية لاحقة أبا مؤسسا يمنح الحداثة والعلمانية والاتجاه الأوروبي نسبا مصريا، فلا تبدو مجرد أفكار وافدة، بل امتدادا لمسار خرج من قلب الثقافة المحلية نفسها.

لكن هذا المسار تشكل في مجتمع مختلف جذريا عن الصورة البطولية التي تركز على الفرد. كانت مصر مجتمعا ريفيا فقيرا، واسع الأمية، محدود التعليم الحديث، شديد التفاوت في الثروة وملكية الأرض، ومرتبطا اقتصاديا بالسوق الأوروبية من خلال القطن والتجارة ورأس المال الأجنبي. وفي هذا السياق لم تكن الجامعة أو اللغة الفرنسية أو الدراسة في أوروبا مجرد مؤهلات؛ كانت رأسمالا ثقافيا نادرا يمنح صاحبه سلطة اجتماعية استثنائية. لذلك لا يمكن فصل صعود طه حسين عن ندرة الموقع الذي احتله داخل مجال ثقافي محدود الفاعلين وضعيف المؤسسات المستقلة، حيث يستطيع الفرد أن يتحول بسهولة إلى عنوان لمرحلة كاملة.

وتزداد المفارقة وضوحا إذا وضعناه في سياق الاحتلال البريطاني. فقد كانت أوروبا بالنسبة إلى النخبة المصرية الخصم السياسي والنموذج الحضاري في الوقت نفسه. لم يكن طه حسين مؤيدا للاحتلال، لكن رفض الهيمنة السياسية لا يعني بالضرورة التحرر من هيمنة النموذج المعرفي. ففي بعض كتاباته، ولا سيما “مستقبل الثقافة في مصر”، تتجاوز أوروبا كونها مصدرا للعلوم والمؤسسات لتصبح معيارا تقاس به مصر وطريقها إلى المستقبل. وهنا تظهر المركزية الأوروبية والتبعية المعرفية؛ أن يرى المجتمع نفسه بعيون المركز الأقوى، فيقيس تقدمه بدرجة اقترابه من تجربته. والمفارقة أن طه حسين كان شديد الجرأة في الشك في الموروث المحلي، لكنه لم يمارس الدرجة نفسها من الشك تجاه مسلمات التفوق الأوروبي والشروط الاستعمارية والاقتصادية التي أسهمت في إنتاجه.

وترتبط بذلك نخبوية خاصة في مشروع التحديث. فقد دافع طه حسين عن تعليم الفقراء، لكن ديمقراطية الوصول إلى التعليم لم تكن بالضرورة ديمقراطية في تعريف التقدم. ظلت النخبة الحديثة هي التي تحدد ما التعليم الصحيح وما الثقافة الجديرة وما الطريق إلى الحضارة. ومن هنا يظهر نموذج تحديث رأسي؛ المثقف يعرف، والدولة تنفذ، والمجتمع يتلقى الإصلاح. ليست النخبوية هنا حرمان الجماهير من المعرفة، بل احتفاظ الصفوة بحق تعريف المستقبل نيابة عنها.

وتتضح وظيفة طه حسين الرمزية أكثر في علاقته بالدين. فاختزاله في أنه كان ضد الدين تبسيط؛ لأن الصراع الأعمق كان حول سلطة إنتاج المعرفة؛ هل تخضع دراسة الأدب والتاريخ العربي والإسلامي لحدود المؤسسة الدينية، أم تمتلك الجامعة الحديثة استقلالها المنهجي؟ من هنا أصبح طه حسين رمزا للتيار العلماني؛ لأنه جسد انتقال جزء من السلطة المعرفية من الأزهر إلى الجامعة المدنية.

لكن طه حسين التاريخي أكثر تعقيدا من هذه الصورة. فقد كتب “على هامش السيرة” و”الوعد الحق” و”الفتنة الكبرى” و”مرآة الإسلام” و”الشيخان”، ولذلك لا يمكن اختزال حياته في خصومة متصلة مع الإسلام، كما لا يصح القول في المقابل إنه عاد إلى الدين في أواخر حياته؛ فبعض إسلامياته سابق على “مستقبل الثقافة في مصر”. الأصح أنه جمع بين الإعجاب بالثقافة الأوروبية، والإيمان بمناهج الجامعة الحديثة، ونقد المؤسسة الدينية، والارتباط بالعربية والتاريخ الإسلامي. لكن الصراع الأيديولوجي اللاحق اختزل هذا التعقيد حيث يستدعي الليبرالي صاحب “في الشعر الجاهلي”، ويستدعي المحافظ صاحب “مرآة الإسلام” و”الشيخان”، فيتحول الرجل إلى مادة للصراع الراهن أكثر منه موضوعا لقراءة تاريخية متكاملة.

وكانت أزمة “في الشعر الجاهلي” حاسمة في صناعة صورته. فقد تحول الكتاب من بحث أدبي إلى مواجهة رمزية بين الجامعة وحرية البحث من جهة والمؤسسة الدينية والمحافظة من جهة أخرى. وهكذا اكتسب طه حسين صورة ضحية التنوير، واختلط الدفاع المشروع عن حقه في البحث بالحكم على قوة بحثه نفسه. لكن حرية الباحث لا تجعل فرضيته صحيحة، كما أن تعرضه لهجوم أيديولوجي لا يقوي أدلته. ومع ذلك ظلت ذاكرة المعركة تعمل أحيانا كدرع رمزي؛ فيُعاد تصنيف من ينتقد منهجه اليوم كما لو كان امتدادا لخصومه في عشرينيات القرن الماضي.

وهنا تظهر ضرورة الفصل بين الأثر التاريخي والصرامة المنهجية. فقد كان طه حسين صاحب أسلوب بالغ القوة، لكن البلاغة ليست برهانا، كما أن الريادة لا تمنح النتائج حصانة دائمة. توجد في بعض كتاباته انتقالات من الاحتمال إلى الترجيح ثم إلى لغة شديدة الثقة، وفي “مستقبل الثقافة في مصر” أحكام واسعة عن هوية مصر والشرق والغرب أقرب أحيانا إلى البيان الثقافي منها إلى التحليل الاجتماعي التاريخي الصارم. غير أن لقب “عميد الأدب العربي” وجمال الأسلوب والسيرة الاستثنائية يمكن أن تتحول كلها، بلغة بورديو، إلى رأس مال رمزي يتدخل في تقييم الأفكار ذاتها. ولذلك يبقى الاختبار الأكثر عدلا بسيطا؛ لو حُذف اسم طه حسين من الغلاف، فهل ستظل الحجة بالقوة نفسها؟

لم يبق طه حسين ابن الهامش الذي بدأ منه؛ فقد أصبح أستاذا وعميدا ووزيرا وصاحب نفوذ في الجامعة والصحافة والمؤسسات. وهنا تحول رأس المال الثقافي إلى رأس مال رمزي ومؤسسي. لم يعد الرجل ينتج الأفكار فقط، بل أصبح مشاركا في تحديد شروط إنتاج الثقافة نفسها. وكانت علاقته بالدولة علاقة تبادلية؛ الدولة تحتاج إلى المثقف ليمنح مشروعها الثقافي والتعليمي شرعية، والمثقف يحتاج إلى الدولة لتحويل أفكاره إلى مناهج ومؤسسات وسياسات. ولا يعني ذلك أنه كان خاضعا دائما للسلطة، لكنه رسخ نموذجا للمثقف الذي يجمع بين سلطة المعرفة والموقع الرسمي.

وتكررت هذه البنية لاحقا بصور مختلفة حين تداخلت الجامعة مع وزارة الثقافة والمجالس واللجان الرسمية، كما حدث مع جابر عصفور وغيره. ليست القضية تشابه الأشخاص، بل بنية المجال الثقافي نفسه؛ حين يشارك المثقف في إنتاج المعرفة وفي توزيع الاعتراف في الوقت ذاته، يصبح قريبا من مركز السلطة الثقافية. وكلما ضعفت المؤسسات المستقلة، اتسعت مساحة الفرد حتى يمكن أن تختزل فيه مرحلة كاملة.

لكن المؤسسة لا تصنع الرمز وحدها؛ فهناك أيضا الحواريون، بمعنى الشبكة التي تعيد إنتاج أوصاف ثابتة مثل “عميد الأدب” و”رائد العقلانية” و”ضحية الرجعية”. ومع التكرار تتحول هذه الصفات من أحكام قابلة للمناقشة إلى عناصر في هوية الجماعة. وعندما تصبح مكانة الأب جزءا من شرعية الأبناء، يصبح الاعتراف بأخطائه أكثر كلفة؛ إذ لم يعد النقد يمس الرجل وحده، بل السلسلة الثقافية التي تستمد منه مكانتها.

ولهذا قد تحتاج بعض قطاعات الليبرالية المصرية إلى اسم طه حسين أكثر من حاجتها إلى قراءة طه حسين. فالاسم وحده يستدعي العقل والجامعة والسوربون وحرية البحث والأزهر والتعليم والتنوير. وإذا تبين أن بعض نصوصه أقل صرامة منهجية، أو أكثر مركزية أوروبية أو نخبوية مما رسخ في الذاكرة، فإن الذي يتعرض للاهتزاز ليس كتابا بعينه، بل رواية أوسع تقدم التيار الليبرالي بوصفه الممثل التاريخي للعقل والتقدم. ومن هنا يمكن أن يتحول الدفاع عن طه حسين إلى دفاع عن الذات والهوية والنسب الثقافي.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين تتحول الثقافة التي رفعت شعار نقد المقدس إلى منتج لمقدساتها الرمزية الخاصة. لا يصبح طه حسين مقدسا بالمعنى الديني، لكن الحصانة تتحقق عندما ترتفع كلفة نقده، أو يصبح الاعتراض عليه قرينة على الرجعية، أو يُطلب من ناقده أن يثبت أولا انتماءه إلى التنوير. عندئذ يتحول الأب المؤسس إلى منطقة حساسة، ويصبح التنوير الذي يعجز عن نقد آبائه شكلا جديدا من التقليد.

ومع ذلك لا ينبغي تحويل هذه الظاهرة إلى تفسير جوهراني (essentialist) لليبراليين أو للمصريين؛ فالإسلاميون واليساريون والقوميون والدول يصنعون رموزهم كذلك. الأهم هو تاريخ مركزية الدولة، وضعف المؤسسات المستقلة، وضيق المجال الثقافي، والتفاوت في توزيع المعرفة. في هذه الظروف تصبح شخصنة السلطة أكثر احتمالا؛ يظهر الزعيم في السياسة، والشيخ الكبير في الدين، و”العميد” في الثقافة.

وكان طه حسين مؤهلا بصورة استثنائية لهذه الأسطرة المتمثلة في الريف، والعمى، والقرآن، والأزهر، والجامعة، وفرنسا، والدكتوراه، والمعارك، والوزارة، والدفاع عن التعليم. لكن البطولة الإنسانية ليست معيارا للحقيقة؛ فالتغلب على العمى لا يصحح استدلالا ضعيفا، وجمال النثر لا يعوض نقص الدليل، كما أن الدفاع عن التعليم لا يلغي المركزية الأوروبية في بعض التصورات. وهنا ينبغي الفصل بين قيمة السيرة، والقيمة الأدبية، والقيمة المنهجية.

وهكذا لا تنشأ حصانة طه حسين من سبب واحد، بل من اجتماع السيرة الاستثنائية، والجامعة الحديثة، وهيبة التعليم الأوروبي، والمعركة مع المؤسسة الدينية، والدولة والمناصب، ورأس المال الرمزي، والحواريين، والحاجة المعاصرة إلى أب تاريخي يمنح التيار الليبرالي شرعية. ولذلك فإن نقده لا يمثل عداء للتنوير، بل اختبارا له. فإذا كان التنوير يعني إخضاع السلطات الموروثة للعقل، فلا معنى لمنح آباء الحداثة استثناء من هذا المبدأ.

ولا يكون الإنصاف بتحويل طه حسين إلى “صنم زائف” مقابل الصورة الاحتفائية، بل بإعادته إلى حجمه التاريخي. كاتب بالغ التأثير، متفاوت القيمة، ابن لعصره وموقعه الاجتماعي والمؤسسي وعلاقته بالغرب والدولة، وقد تكون بعض كتبه أهم تاريخيا وأدبيا من قيمتها العلمية الصارمة. وعندئذ يصبح السؤال أوسع من طه حسين نفسه: لماذا تميل الثقافة إلى تحويل الأفكار إلى أشخاص، والأشخاص إلى آباء، والآباء إلى سلطات يصعب نقدها؟ إن تحرير طه حسين من هذه الحصانة لا ينتقص منه، بل يعيده إلى المكان الطبيعي لأي مفكر كبير؛ تحت السؤال، لا فوقه.

…………………………………..

*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع