محمد عثمان أبوزيد
تستيقظ في التاسعة، تتمطي فيرتطم ذراعك الطويل بطلاء الجدار البارد. تجلس على حافة الفراش مستقبلاً صباح الجمعة بدوار خفيف، تنقضي دقيقة ينتظم خلالها سريان الدم داخل هيكلك العريض، ذلك الذي يمضي نحو الخمسين بلا كلل.
وتشق طريقك نحو الحمام مترنحاً، تمد بصرك صوب باب الغرفة الموارب لتلمح نوحاً المراهق رائحاً في سبات هادئ، وتُصبِّح على زوجتك ضحى وقد انطوى قدها الرقيق في إسدال داكن.
في الحمام تتبول واقفاً، تُصَفِّر كي لا تنفضح فعلتك المنهي عنها، وأمام المرآة تتوضأ متأملاً شيب لحيتك وانحسار شعر ناصيتك، ثم تخلع فانلتك القطنية عن صدر عريض، تتلمس في رضا جدار بطنك المشدود جراء المثابرة على الرياضة والحمية الغذائية. وطرأت عليك فكرة أنها اللحظة المناسبة لتأريخ التزامك المثمر، تتناول هاتفك المحمول وتلتقط صورة لجسدك عاري الجذع. ويأتيك صوت ضحى من الخارج متسائلاً في ريبة:
“بتصور إيه يا بهاء؟”
“علبة دوا الضغط خلصت وهطلبها ديلفري.”
وأمام الدولاب تتأمل ملابسك، يقع اختيارك على قميص ضيق يُبرز عضلات الصدر، وضحى تسأل مرة أخرى:
“رايح المستشفى؟”
“نبطشي عمليات طوارئ.”
“طب خد نوح في طريقك عنده درس.”
“حاضر.”
“وبعد الصلاة هاتلنا سمك مشوي للغدا.”
ثم بَسطَتْ سجادة الصلاة شارعةً في أداء نوافلها. انقضى من زواجكما عشرون عاماً، فيها تآكلت سجادة صلاتها عند مواضع السجود ونضج نوح عن مراهق وسيم. تتأملها وسط عواميد دخان البخور الملتوية وتشرد في فكرة ضمك لامرأة غيرها إلى صدرك.
وتقود سيارتك تحت سماء فبراير الرمادية، تضم ياقة الجاكيت اتقاءً للبرد، ويسألك نوح مداعباً:
“مش هتزرع شعر يا دكتور؟”
“أخلص أقساط العربية وازرع يا خويا.”
وأمام البناية المقصودة تأملت في امتنان المراهق اللطيف مغادراً السيارة، وهبَّت رياح باردة مبعثرةً أكياساً بلاستيكية جاءت من تل زبالة، ثم أخرجت هاتفك متأملاً صورتك العارية.
بالرغم من أن ضحى تصغرك بعشرة أعوام، إلا أنها فقدت شغفها في الحياة، صارت أميل للزهد؛ عفَّت عن الكلام والفعل والابتسام، بينما أنت تنصهر تحت رغبة التلاحم، ترهقك فتوة جسدك، تشد على لجامه حتى تشققت روحك، ويَرين على صدرك الغم كونك على أعتاب طور الذبول.
ويمضي ذهنك نحو امرأة جريئة وضَّاءة، ينفرج ثغرها عن بسمة مرحبة، فلا تستنكر الفكرة وتقول إن الله لن يحاسبك على قبلة خيالية. ورحت في لحظة صمت، تخللها صفير رياح باردة، وضحكات لفتيات عبرن أمامك وقد غرقن في الهذر.
وقد اعتدت كاستشاري تخدير اتخاذ قرارات مصيرية مفاجئة خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما يفسر قرارك اللحظي بنشر صورتك عارية الجذع على الإنستجرام ملحقاً بها أغنية فرقة كايروكي (أنا نجم بس مفيش سما).
قلت ساعتها إن نشر الصورة هو حق مكتسب بعد أشهر التدريب والحمية، وإن الجسد الأسمر يواجه مواقع التواصل الاجتماعي عارياً للمرة الأولى وهو يشارف الخمسين.
وتنساب سيارتك الأنيقة عبر طرقات المدينة نحو المستشفى الفخم، ثم تعبر قامتك الرشيقة الردهات صوب عمليات الطوارئ، وتتفحص هاتفك فإذا بصورتك الجريئة وقد وُسمت بعدة قلوب حمراء. وهالك أن صاحبة أحد القلوب هي نجلاء السعدني؛ ونجلاء ممرضة تزاملك في ذات القسم، ثلاثينية ملفوفة القوام في غير امتلاء، أو هو نوع من الامتلاء الحميد، والذي لا يفسد القوام بل يؤكد فتنته.
وهي تحترف مشاغبتك، تارة ببسمة عابثة وتارة بلمسة خاطفة، وفي أحايين أخرى بالعبور المتأني غير الضروري أمام نظراتك المتلصصة. وثمة شرخ عريض في غرفة الإفاقة نشأ يوم انفلتت منها ضحكة مجلجلة. وشملتك فرحة قادمة من عهد غابر، وقفزت في حفرة مترعة بالأسئلة؛ تُرى ماذا رأت؟ فيمَ حملقت؟ متى حركت إصبعيها لتكبير جزء من الصورة أثار فضولها الأنثوي؟
وأمام مدخل العمليات ترتسم ذات اللوحة الكئيبة؛ حيث أقارب المصابين مبعثرون فوق مقاعد معدنية يقطرون قلقاً، وتسمع من بينهم من يناديك في تردد. تلتفت نحوه فتعرفه من فورك، وتصيح:
“مش معقول! كابتن توني!”
ليرتمي مدرب الجودو داخل حضنك، وتستشعر أنين أضلعك تحت وطأة العصر، وتقول إن الرياضي الستيني ما زال محتفظاً بمتانة بنيانه، ويأتيك صوته المكتوم الباكي:
“محمود يا دكتور.”
وتتذكر حصص الجودو منذ عشرين عاماً مع الكابتن توني، وقتما اعتاد ابنه المراهق محمود مرافقته أثناء التمرين.
لم تنسَ محمود لما بينكما من تقارب ملحوظ في الملامح والبنيان. كنت كأنما تنظر نحو نسختك الأصغر، ولطالما استُهلكت أحدوثة الشبه بينكما كطرفة لكسر حدة التمارين. ويردف الكابتن توني:
“عمل حادثة في ميكروباص على الدايري، والحمد لله له تأمين خاص واتنقل على هنا.”
“وحد الله، أنا هدخل أشوفه.”
“الله يطمنك، فاكر حودة يا دكتور، كان نسخة منك.”
وتدمع عيناه، وتمضي هنيهات صمت ثم يكمل كأنما يحادث نفسه:
“أنا واثق إن ربنا هينجيه، ده فيه شيء لله.”
ثم يبتسم وسط دموعه مردفاً:
“مرة وهو ابن سابعة كنا قاعدين ناكل بطيخ أنا والحاجة وأخته الكبيرة وهو نايم سطيحه جنبنا، فجأة صحي وهو بيصرخ حاسب حاسب، تخيل يا دكتور مفيش ثانيتين وسمعنا صريخ جاي من بره؛ عربية شالت واحد بيعدي الشارع مكنش واخد باله.”
وتربت على منكبه مؤازراً، وتتبادلان رقميكما مع وعد من جانبك بالمراعاة اللازمة، ثم تطمينه فور انقضاء الجراحة.
وفور دخولك تعرج على طبيب التخدير المقيم، تراه في الردهة منساباً في حوار تافه مع أترابه الجراحين، ويلمحك مقبلاً فيجفل ثم يلقي على سمعك تحياته الحارة.
تسأله عن محمود التوني، يلعق شفته السفلى ويضيق عينيه مجيباً:
“حادثة ميكروباص، نزيف داخلي وكسور.”
تخبره بأنك ستخدره شخصياً، يهرش رأسه المفلفل عارضاً عليك الراحة مع مشروب ساخن وطلب استدعائك إن لزمت الحاجة، ولما تجلى له اهتمامك أذعن لرغبتك ثم ابتسم مداهناً:
“عيني على حضرتك باردة يا باشا.”
ولما قرأ التساؤل في عينيك أردف:
“صورة الإنستجرام، يا ريتني أبقى كده لما أوصل استشاري.”
يتورد وجهك بينما تتظاهر بعدم المبالاة، تمسك بملف محمود التوني مراجعاً تاريخه المرضي في تركيز، تطلب فنجان قهوة لشحذ حواسك، وكعادتك تغيب عن الدنيا فلم تعد ترى فيها سوى مريضك وبياناته.
ثم تظهر نجلاء السعدني، تتهادى على مهل، تتفانى جسدياً مع كل رفعة قدم، تطأ الأرض معبرةً عن كونها ذات وزن محتسب. وتراك فترفع حاجبين مندهشين، وتهديك نظرة تنضح جرأةً وتسألك:
“نازل اللستة بنفسك؟!”
تجيب ووجهك غائص في الأوراق:
“الحالة تخصني.”
تلوك علكة بطعم الكرز الاصطناعي، تقترب منك حتى تلتقط شذاها:
“إيه الصورة الجامدة دي؟”
“مين الجراح النهاردة؟”
فتخوض في حديثها كأن لم تسمعك:
“والصورة دي بأه من غير فلتر؟”
تزفر في ضيق زائف ناظراً إلى ما خلف كتفيها:
“من غير فلتر طبعاً، فين الدكتور شادي؟”
تبطئ من مضغ العلكة، تلصق نظرتها الدسمة بصفحة وجهك سابرةً أغوارك، تلمح اختلاجة خانتك قامت على يسار ثغرك فتضحك بلا صوت، ثم تمرر أناملها في خفة فوق ظهر يدك المعروقة، فتتذكر أنت أهمية العوازل الكهربائية، وتوليك ظهرها وتسمعها تهمس:
“هكلمك العصرية أطمنك على الحالة اللي تخصك.”
تنقضي عمليات الطوارئ ظهراً، ثم يتوجب عليك المرور على مرضاك ليلاً. والتزامات الجمعة تبرك فوقك كجمل؛ زيارة السوق وشواء السمك، وثرثرة ما بعد الصلاة مع جيرانك عن سوء الصرف وتراكم الزبالة، وتحلق في السماء فترى نفسك مع نجلاء أو غيرها، تفترشان سجاداً فارسياً مزركشاً، تتناولان فوقه مقالي ومشويات دسمة، توطئةً لحرقها منغمسَين معاً في بحر من ماء الورد.
وتُشرف على إعداد غرفة العمليات، ثم توافيك نجلاء وطبيب التخدير المقيم وأطباء الجراحة وعلى رأسهم شادي المنياوي استشاري الأوعية الدموية السمج.
ويأتي عم سعد كث الشارب قتيل الروح بمحمود التوني، ويتعاون شباب الأطباء في نقله إلى سرير العمليات، وتفحص جسده في إشفاق؛ كسور طرفية، وحركة صدر شاذة تشي بتحطم الأضلع، وثمة ثقب دميم في جدار البطن ينز دماً داكناً بلا توقف، وتسمع من يتكلم في احترافية:
“الكسور اتثبتت مبدئي، ودكتور شادي هيعمل استكشاف عشان النزيف.”
وتقول أنت:
“وضعه مستقر، جسمه رياضي وصغير في السن.”
وتسمع محمود المسطح أسفل الأنوف يئن هامساً:
“أنا بلعب جودو يا دكتور.”
وتأملت ملياً صفحة وجهه المرقطة بالكدمات فآنست ما بينكما من تطابق، حتى انحسار شعر الرأس، هو ما مررت به منذ عشرة أعوام، وغشيتك هبَّة هواء دافئ مفعم برائحة كرز اصطناعية ونجلاء تهمس في أذنك:
“سبحان الله، شبهك الخالق الناطق.”
تنفض عن رأسك رائحة الكرز، وتحقن محمود متمتماً بآيات قرآنية فيروح في سبات، وتعمل أنامل شادي المنياوي السمج في براعة لا يمكن إنكارها، واستأثرت هيبة الفعل الجراحي بالحواس، فانْشَدَّت الأعين نحو حرفة يديه، وشملت الأنوف رائحة دم وكواء، واهتز جسد محمود هزات خفيفة والتطابق بينكما لا ينكره إلا كذاب، وعضلات جدار البطن تتمزق تحت مشرط الجراح السمج، حتى البطن يشبه بطنك وقتما مارست نفس الرياضة، ترنو نحو خيط دم ثقيل ينز من مسار المشرط فتستشعر الألم يرتد في جدار بطنك أنت، وتُخرجك همسة نجلاء من شرودك:
“الضغط يا دكتور بهاء.”
تلمح الأرقام فوق الشاشة فتصنع سحرك. والجراح يزيح الأمعاء مطارداً مصدر النزيف، ترى هل تشبه أعضاؤه أعضاءك؟ هل هكذا يبدو كبدك؟ وأخيراً يصل شادي إلى الوعاء الدموي المنشود فيرتق تمزقه في براعة، ثم بعد عدة اختبارات يتيقن دقة صنعته، ليبدأ معاونوه في إعادة الأعضاء إلى موضعها.
ومع انسحاب الأدرينالين يولد الملل، والجراح الشاب يصعد أخيراً نحو طبقات الجلد، ولا تملك سوى الانبهار بمهارة شادي السمج فتقول:
“تسلم إيدك.”
لتتكرر ذات الإشادة على الألسنة، حتى يكسر أحدهم النمط فيقول:
“حالة صعبة وسنه صغير.”
ويقول آخر:
“حادثة بشعة.”
وثالث متثائباً:
“فيديو الحادثة نزل على اليوتيوب.”
وكان المتثائب قد تحرر من تعقيمه، فالتقط هاتفه وبسطه فوق راحته العريضة، ونقلت الشاشة فيديو مهتزاً لأناس تركض في عشوائية، وسحابة دخان أسود شريرة، وعويل نساء، وحوقلة البعض، وصياح آخرين. وتشاهد من يجرجر جسد محمود من ميكروباص مقلوب، وتموضع أطرافه يشي بالكسور، لكن عينك المتمرسة لاحظت سلامة جدار البطن، وبمتابعة الفيديو تدرك أن ثقب البطن أحدثته شهامة رجل متحمس شرع في سحب جسم محمود بقوة من بين معجون الصاج.
ونجلاء تشهق:
“الحادثة دي ناحية بيت البت سحر.”
ولنجلاء ابنة خالة تدعى سحر، وُهبت ذات القالب، وقد لمحت مرة صورتها مع أتراب من عائلتها، فأدركت أنهن جميعاً أتين من ذات المصنع؛ في البدء يُنتجن من لادن مصهور، ثم يصببن في قوالب متقنة المنحنيات، ثم يتركن ليبردن سبعة أيام، بعدها يخرجن إلى الحياة لِبَث القلق بين الرجال.
وتميل نجلاء الواقفة خلفك طمعاً في رؤية أفضل، فتنضغط فيك برفق خبيث وتستشعر خدراً، لتسحب نفسك وتخرج مسرعاً، وأول ما ترى هو لهفة الكابتن توني:
“طمني يا دكتور.”
“النزيف وقف.”
ليحمد الله ثم يبدأ في ممارسة فن التلعثم، وتحت وطأة الانفعال يتناثر اللعاب، ومن خلفه تتأود نجلاء، ويصفر هاتفك عن تنبيه لرسالة صوتية من زوجتك ضحى، تقرب الهاتف من أذنك لتسمع وصاياها عن فن اختيار السمك، ثم تُباغَت برسالة نصية من نجلاء تحوي فيديو عن كيفية أداء تمارين عضلات البطن، مصحوباً بوجه استحالت عيناه إلى قلبين نابضين. وتلمحها في آخر الردهة متلكئة، ووسط دعوات الكابتن توني بسترك دنيا وآخرة تراسلها بأنك وبكل تأكيد ستتواصل معها ليلاً للاطمئنان على حالة محمود. ويرفع عامل ثلاجة الموتى ومؤذن المستشفى الأذان منادياً لصلاة الجمعة بصوت متحشرج تصحبه سعلة، فتلتمس من الكابتن توني الانصراف، وتعتزم نفض أفكارك المتقافزة والمعبقة برائحة الكرز الاصطناعية حتى حين ليس ببعيد.
وتفر نحو سيارتك متعددة السرعات كثيرة الأقساط، تقودها تحت الغيوم الرمادية المنذرة بالمطر حيث نوح، وتراه مقبلاً نحوك في صحبة فتاة رقيقة، تبلغ كتفه طولاً، ترتدي الجينز وشعرها أسود متموج تهفه الرياح. يفترقان عند سيارتك ثم تلوح لك بيديها في رقة وعذوبة، تترجل ملقياً عليهما التحية ثم تلقي بسجادة الصلاة بين يدي نوح:
“هنصلي في الزاوية دي عشان مفيش وقت.”
وبينما تتحسس موطئ قدمك بين المتربعين فوق الأسفلت البارد تسأله:
“مين البنوتة دي؟”
“لجين.”
ينطق باسمها كأنما عرفها دهراً، ولا يسعفك الوقت للمزيد من الأسئلة، فقد وصلت إلى بقعة خالية من مفاصل الركب وأصابع الأقدام، تفترش سجادتك وتشير إلى نوح كي يحذو حذوك.
وترنو نحو الخطيب فوق المنبر المرتجل، طويلِ القامة مشدودِ العود رغم شيخوخته، قابعاً في جلباب رمادي من الصوف، تفترش لحيته البيضاء أعلى صدره وتسمعه يحدثكم عن درء الشهوات.
وتقول أنت:
“درأتها يا شيخنا فأبت، وما زالت تطفح في العروق وتجأر.”
ويقول الشيخ:
“وعليكم بالزواج، عليكم بالعفيفات بنات الناس.”
وقد عففت نفسك بالزواج شاباً، من بنت ناس كما يوصي الخطيب، كانت ضحى خجولة حتى الملل، بركة راكدة من حسن الخلق، حريصة على تمتمة أذكار ما قبل اللقاء، وسماع الأذكار في تلك اللحظة يصيبك بالارتباك والبرود، وشعور بذنب لم ترتكبه ولا تستطيع حتى تحديد مصدره. ويتطرق الشيخ إلى سيرة الأولين ومآثرهم، وتتمنى لو عشت في زمن الأولين، ولو كان لك من الجواري أربعون، كنت ستعيش محارباً لا طبيب تخدير، مقاتلاً مقامراً فإما النصر والغنائم أو الهزيمة وما يتبعها من خزي. وفي الغنائم ما يسر المحارب، لن تقضي نصف يومك في السيارة رائحاً أو راجعاً، لن تقضي ربع يومك متلصصاً على نجلاء. وأنت تقبل بالمخاطرة، تقبل باحتمالية الوقوع أسيراً أو الموت مصلوباً ما دامت تكافئها احتمالية الانغماس كلياً في متع الحياة. ويتطاير الذباب فوق جنة من الأقدام المتشققة، وتكمل خطبة الجمعة فالصلاة بلا مزيد من الأفكار، بلا مزيد من المعارك الخيالية أو الجواري الساهرات.
وبعد نصف الساعة تكون قد وصلت السوق. وأمام الشواية تختلط روائح السمك والشواء والسجائر والأسفلت المبتل بالماء الزفر، وتتلبد السماء بالغيوم وتطفر رذاذاً بارداً. وبجوار الشواية متجر لبيع الحيوانات المنزلية، بالغ صاحبه في عمله حتى أنه عرض فيما عرض قرداً نشطاً أرعنَ، أسكنه قفصاً حديدياً وعلقه وسط المكان. وترى أفراد الجمبري وقد اصطفوا كرجال هزيلي الأجساد عظيمي الشوارب معدومي الحيلة باهظي الأثمان. وترعد السماء وتبرق وتسطع نجلاء في مخيلتك، وتطلب من البائع أن يزن لك مقدار كيلوجرامٍ من الجمبري. لا بأس من وجبة جمبري، فقد تحدث في الأمور أمور، أو لربما قمت أنت بتصعيد الأمور، أو لربما قام الجمبري شخصياً بتصعيد الأمور، وتخرج هاتفك متطلعاً إلى صورتك مرة أخرى وتستبشر بزيادة عدد القلوب، ثم يتكلم نوح وهو يزج بأنفه أعلى هاتفك:
“حلوة الصورة يا بابا.”
“بجد يا نوح؟”
“آه والله.”
“يعني مش عيب؟”
فيضحك مستنكراً سؤالك، ويخرج هاتفه موسِماً صورتك بقلب وإعجاب. تبتسم فرحاً، وتقرر أن تحدثه وبصراحة في أمور ما، أنت لا تعرف كنهها لكن تغمرك الحاجة إلى هذا الفعل، وتهم بالكلام فقط ليرن هاتفك، واسم نجلاء يضيء ويطفئ ككارثة موشكة الوقوع، تعتذر منه وتتنحى جانباً ليأتيك صوتها:
“عامل إيه؟”
وكيف لها بإيصال كل هذا الغنج في كلمتين، بلاغتها في الإغواء مصدرها الإيجاز دون الإخلال بالمعنى. وتقول إنك إذا حللت دماءها لوجدت هرمونات الأنوثة لديها محققة أرقاماً فلكية. وتسألها عن حالة محمود، فتنقل لك موجز تحاليله ثم بعد لحظة صمت مربكة تسألك:
“مش هتمر على الحالات؟”
“بالليل.”
“ولحد بالليل؟”
تصمت هنيهة، ترمم جدران دفاعاتك المعطبة:
“مع نوح وهروح أتغدى في البيت.”
“وبعد الغدا؟”
تهاجم بلا هوادة، وقوانين العدل الدولية تتيح لك المطالبة بهدنة، لكن لا عدل هنا ولا تكافؤ، وترى القرد جامحاً في القفص، يتقافز ضارباً قضبانه الحديدية في رعونة، ناثراً غباراً وتفالة أكل وبقايا فضلات فوق مصطبة السمك، ويسعل زبون فوق الجمبري فيترحم عليه الباقون، ويبتسم نوح مخاطباً لجين في الهاتف، وتشاهد حائط صدك ينهار أسفل كرات لهب ألقاها منجنيق له رائحة الكرز الاصطناعية وتجيبها:
“بعد الغدا فاضي.”
تنقض مستفسرة بلا دلال كأنما تعقد صفقة:
“نتقابل فين؟”
“هعدي عليكي ونلف بالعربية.”
تمصمص شفتيها مستنكرة:
“شايفني بتاعة عربيات؟ الله يسامحك.”
وترى الجمبري يرتص في استسلام داخل صينية معدنية صدئة، يذب البائع عنها الذباب ثم يلقفها فرناً امتلأ بالسخام، ويطول صمتكما فتقول أنت:
“خلاص لما آجي بالليل نتفق.”
وتنصاع لرغبتك مكرهة، وتسمع من يسب القرد المزعج، ثم نوح يشير لك بتمام عملية الشواء.
وفي البيت تطل عليك ضحى في إسدالها الوقور، تستمهلك ثوانٍ لالتقاط الأنفاس ثم تلومك على إسرافك في شراء الجمبري، وأركان البيت معبقة بسحب البخور، أسرفت أنت في الجمبري وأسرفت هي في حرق البخور، وبعد الغدوة الدسمة ارتفع حجابك الحاجز جهة صدرك فانكبست أنفاسك، وتتسلل نحو غرفة النوم وفي ظلمتها تستطلع صورتك، وفجأة تجد ضحى خلفك ولما أجفلت سألتك:
“اتخضيت ليه؟”
“مفيش.”
“كنت بتشوف إيه على الموبايل؟”
“بتابع النبطشية.”
“ولا بتشوف كام لايك اتحط على صورتك؟”
وتصغي لقطرات المطر وهي تضرب خصاص النافذة الموارب.
تسألها:
“عجبتك؟”
تجيبك مستنكرة:
“يصح كده؟ مش سنك ولا مركزك يا بهاء.”
وتتجسد تدريجياً صورتك في الغرفة المظلمة كفأر دميم، ممدود الجسد عظيم الهيكل، وبرعونة ترفع فانلتك كاشفاً عن بطنك وتقول:
“عورة الرجل من السرة للركبة.”
“في حاجة اسمها الأصول.”
“دي عجبت نوح.”
“واد بايظ وأنا ليا كلام معاه.”
ترمقها في صمت ثم تشرع في استبدال ملابسك فالتطيب بعطر ثمين:
“رايح فين؟”
لا ترد وتمضي خارجاً من الغرفة متجنباً لمسها، لاصقاً ظهرك بالجدار، وتحت المطر التصق ما تبقى من شعرك المهوش الخفيف بفروة رأسك، وانحلت صبغة الشعر السوداء من فوديك منسابةً فوق خديك فلم تنتبه لها، وقلت إن قروناً من العفاف أصابتك بالسأم، وإنه لو عظمت ذنوب العبد فالله غفور رحيم، وإن صورتك كشيخ نادم على ما فاته من فتن وشهوات أقسى من صورتك كشيخ يستغفر ربه على ما اقترف من المعاصي.
وفي الردهة الموصلة للعمليات ترى الكابتن توني منكفئاً فوق مصحف صغير مجعد الأركان. ولما يراك يشكرك على تفانيك في العمل داعياً لك بالستر، وأن تصيبك نفحات ابنه محمود بالخير وجميل الحال.
وتهم منصرفاً فتسمعه يقول:
“حلمت بيك.”
وتلتفت نحوه مستفهماً فيردف:
“وأنا بقرا قرآن غفلت وحلمت بيك.”
“اللهم اجعله خير.”
يبتسم:
“والله خير، حلمت إنك في مكان عالي وكل الناس شايفاك ومحمود ابني شايلك على اكتافه وبيدعيلك.”
“ربنا يطمنك عليه.”
“والله الواد محمود ده مبروك وهيقوم منها بإذن الله والبركة فيك يا دكتور.”
وتستشعر الحموضة جراء أكلة الجمبري، ونجلاء تتصل.
وفور دخولك غرفة الإفاقة تتلقفك هي بعينين عسليتين. ثم جاء الطبيب الشاب مستعرضاً عليك حالات القسم، أنت وهو وثالثتكم نجلاء. ولما وصلتم إلى سرير محمود قال لك:
“لسه ما فاقش.”
“غريبة!!”
وتأملت محمود؛ أنفاسه منتظمة في إيقاع مطمئن، وبطنه مضمَّد بلفافات نظيفة بيضاء. ويستأذنك الطبيب الشاب الانصراف لأمر طارئ، وتبقى أنت خلف الستائر مع نجلاء وأمام محمود الغائب عن الوعي. ويسود صمت طويل تقطعه الأجهزة المتصلة بجسد الشاب، وتقول هي:
“وبعدين معاك؟”
“قصدِك إيه؟”
“آخرتها إيه بقى؟”
وتتعالى ضربات قلبك، وترتفع عصارة معدتك حتى تصل إلى قفاك خارقةً ما تمر به من أنسجة، وتتذكر معلومة عابرة هي أن تكلفة زراعة الشعر في تركيا تكافئ مصاريف شهرين فقط في تعليم نوح، ويستقبل أنفك رائحة الكرز الاصطناعية قادمةً من بوابة هي شفتان مكتنزتان، وتكتشف للمرة الأولى أن لجسد نجلاء خاصية عجيبة، فهو بلا بداية أو نهاية، ثم لم تدر بنفسك إلا وأنت تنقض عليها بغتة فانتفضت هي متراجعة، فقط لترتطم عجيزتها بسرير محمود وترجه في عنف، ويتراجع السرير بدوره فوق عجلاته مرتطماً بالجدار، حدث كل هذا في ثوانٍ معدودة، فيها قام محمود من سباته قياماً مباغتاً، فجأة اعتدل جالساً فوق سريره، ولهنيهة حملق في وجهك، تغيرت ملامحه تدريجياً فانتقلت من عدم الفهم إلى الاستغراب ثم الغضب، الغضب الذي أعقبه بصرخة سافرة وهو يشير نحو صدرك:
“حراااام.. عاوز يبوسهااا حرااام.”
وتجلى الرجاء في عينيك كي لا يفضحك، إلا أن حماسه لم يفتر بل ازداد، وما زال يشير نحو صدرك في غل وغيظ وصراخ حتى نز الدم من جرح بطنه، فافترشت اللفافاتِ الطبيةَ بقعٌ حمراء داكنة ما لبثت أن اتسعت في بطء، وأخفت نجلاء وجهها بكفيها ثم بكت، ثم التفتت نحوك ببطء وصرخت:
“حرام عليك.. حرام عليك.”
لتركض مبتعدةً، قاطعةً ردهة طويلة، تضيئها مصابيح صفراء باهتة، من جانبها تطل رؤوس المرضى، تلك الغارقة في الضمادات واللفافات الطبية.








