سمير محمود
ثمة أعمال أدبية تولد في هدوء، فلا تحاصرها الدعاية، ولا تتقدمها جوقة من المديح، ولا تجد طريقها بسهولة إلى واجهات المشهد الثقافي. وربما كان هذا هو المصير الذي يهدد كثيرًا من الأعمال الجادة في زمن انحسرت فيه حركة النقد الحقيقي، وأصبح الاحتفاء الأدبي في أحيان كثيرة أسيرًا للدوائر والأسماء والجماعات.
غير أن الأدب الجيد يملك فضيلة نادرة: أنه يستطيع أن ينتظر. ينتظر قارئًا حقيقيًا، ونقدًا أكثر إنصافًا، وزمنًا قادرًا على فرز ما يبقى مما يزول.
من هذا الباب يمكن النظر إلى رواية «عودة قرطبة» الصادرة عن دار صفصافة للكاتب محمد بريشة؛ فهي رواية تتخذ من الأندلس، وخصوصًا قرطبة، فضاءً حكائيًا، لكنها لا تقع في فخ الحنين الساذج إلى ماضٍ ذهبي، ولا تتعامل مع التاريخ بوصفه متحفًا مغلقًا للبكاء على ما مضى. إنها تستدعي التاريخ لكي تسأل الحاضر عن نفسه.
فقرطبة هنا ليست مجرد مدينة أندلسية تستعاد من الكتب، ولا مجرد ذاكرة تستدر الدموع على زمن مضى. إنها استعارة واسعة للإنسان العربي وهو يقف بين ماضٍ يقدسه، وحاضرٍ يعجز عن تفسيره، ومستقبلٍ لا يعرف كيف يصنعه.
منذ العنوان يبدأ السؤال: أي قرطبة ستعود؟
قرطبة المدينة؟ أم قرطبة الحضارة؟ أم قرطبة التي كانت ذات يوم مساحةً يتجاور فيها المسلم والمسيحي واليهودي، ويتلاقى فيها العلم والفلسفة والأدب والفن؟
ربما تكمن براعة الرواية في أنها لا تمنحنا إجابة واحدة.
إنها قرطبة التي لا تسأل القادم إليها عن هويته قبل أن تفتح له الباب.
فقرطبة لم تختفِ تمامًا. ما زالت شوارعها، وعمارتها، وتراثها، ومسجدها الجامع شاهدًا على زمن مضى. الذي غاب هو شيء أكثر تجريدًا وأشد أهمية: القيمة التي جعلت من المكان مركزًا للحضارة.
ولعل أكثر أسئلة الرواية استفزازًا هو السؤال الذي يختبئ في عنوانها: هل ضاعت قرطبة حتى تعود؟
يبدو السؤال للوهلة الأولى تاريخيًا، لكنه سرعان ما يتحول إلى سؤال حضاري. فقرطبة لم تختفِ تمامًا؛ بقيت شواهدها، وبقي مسجدها، وبقي تراثها، وبقيت ذاكرتها حاضرة في الكتب والعمارة والوعي الإنساني. الذي ضاع، كما توحي الرواية، ليس المكان وحده، وإنما الروح التي صنعت المكان.
وهنا تتحرر الرواية من أسر الحنين، لتضع أمام القارئ سؤالًا أكثر إيلامًا: إذا كانت قرطبة قد بقيت مدينةً وآثارًا، فأين ذهبت القيم التي جعلتها يومًا مركزًا للعلم والمعرفة والتعدد الحضاري؟
في هذا السياق تصبح قرطبة في الرواية كائنًا حيًا، لا مجرد جغرافيا. وتأتي شخصية «ديسبينا» لتعمّق هذا المعنى؛ فهي، في إحدى قراءات الرواية الممكنة، قرطبة نفسها: جميلة ولكنها آتية من عصر آخر، أسيرة ولكنها حرة، كثيرة الأبناء بالتبني، لأنها تحمل في داخلها آثار حضارات وثقافات وأديان اجتمعت على أرض واحدة.
ومن أجمل ما يفعله بريشة أنه لا يجعل التاريخ حكرًا على المنتصرين، ولا يمنح القارئ أحكامًا جاهزة. فالرواية، كما أشار الدكتور أشرف جلال عميد كلية الإعلام جامعة السويس، في مناقشتها، تتجرد من التعصب لأي دين أو فكر أو انتماء، وتترك للقارئ مساحة للتأمل والحوار.
غير أن «عودة قرطبة» تذهب أبعد من سؤال التعايش؛ إذ تضع الإنسان في مواجهة سؤال القدر.
فشفيق، بطل الرواية، لا يعبر الأزمنة بحثًا عن قرطبة فحسب، وإنما يعبرها بحثًا عن إجابة لسؤال قديم قدم الإنسان: هل نستطيع أن نغير ما كُتب لنا؟
تتردد في الرواية أصوات تقول: «لا أحد يغيّر القدر»، لكن السرد لا يكتفي بتقرير هذه الحكمة، بل يضعها تحت الاختبار. فإذا استطاع الإنسان أن يعود إلى الماضي، فهل يستطيع أن يصحح أخطاءه؟ وإذا غيّر الماضي، فهل يضمن أن يكون المستقبل أفضل؟ أم أن محاولة الفرار من قدرٍ مؤلم قد تقود إلى قدر أكثر قسوة؟
وتبلغ الفكرة ذروتها في العبارة التي تبدو مفتاحًا فلسفيًا للرواية:
«نحن لا نغيّر القدر… نحن فقط نجتهد في تجنّب ما لا نريده.»
هنا تتجاوز الرواية فكرة الارتحال عبر الزمن، لتصبح تأملًا في مسؤولية الإنسان عن اختياراته، وفي الحدود الملتبسة بين الإرادة والمصير.
ولعل اختيار قرطبة تحديدًا ليس مصادفة؛ فدمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة كانت، في مراحل مختلفة، مراكز كبرى للعلم والحضارة والتأثير. وإذا بقيت ثلاث منها في المجال الإسلامي، فإن قرطبة خرجت منه منذ قرون. لكن السؤال الذي تطرحه الرواية أكثر قسوة من سؤال الاسترداد: ماذا فعلنا بالروح الحضارية في المدن التي بقيت لنا؟
إن قيمة «عودة قرطبة» لا تكمن في أنها تعيدنا إلى الأندلس، وإنما في أنها تجعل الأندلس تعود إلينا كسؤال.
ولذلك لا تبدو الرسالة التي تحملها الرواية إلى بابا الفاتيكان، مطالبةً بالسماح للمسلمين ولكل من يعبد الله من أتباع الديانات الأخرى بالصلاة في المسجد الجامع بقرطبة، فكرةً منفصلة عن البناء الروائي، وإنما تبدو امتدادًا طبيعيًا لفلسفة العمل: أن يتحول المكان الذي كان شاهدًا على التعدد إلى شاهد جديد على إمكانية التعايش.
لكن الرواية لا تكتفي بالتاريخ والدين والحضارة؛ إنها تضع القارئ في مواجهة السؤال الأصعب: هل يستطيع الإنسان أن يغير قدره؟
وهنا يصبح الزمن في «عودة قرطبة» أكثر من مجرد إطار للأحداث. إنه مختبر فلسفي لإرادة الإنسان.
يعود شفيق من المستقبل حاملًا أكثر من صورة للمصير، فيكتشف أن العبث بالماضي ليس بالضرورة طريقًا إلى مستقبل أفضل. وكلما حاول أن يفهم ما يمكن تغييره، لاحقته العبارة: «لا أحد يغيّر القدر».
لكن الرواية لا تستسلم لهذه العبارة استسلامًا كاملًا؛ بل تنتهي إلى منطقة أكثر إنسانية ومرونة:
«نحن لا نغيّر القدر… نحن فقط نجتهد في تجنّب ما لا نريده.»
وهنا تحديدًا تتحول الرواية من حكاية عن قرطبة إلى حكاية عن الإنسان نفسه؛ عن خوفه من الماضي، وعن رغبته في إصلاح أخطائه، وعن وهمه القديم بأن معرفة المستقبل تمنحه القدرة على التحكم فيه.
ولعل أجمل ما في «عودة قرطبة» أنها لا تقدم الماضي بوصفه جنة مفقودة ينبغي العودة إليها، ولا الحاضر بوصفه قدرًا محتومًا، وإنما تضع الاثنين أمام مرآة واحدة.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف تعود قرطبة؟
بل: ماذا ينبغي أن يعود فينا حتى تستحق قرطبة أن تعود؟
فإذا كانت قرطبة قد فقدت سلطانها، وبقيت حضارتها، فإن مدنًا كثيرة قد تحتفظ بأسمائها وسلطانها، بينما تفقد شيئًا من روحها.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل الرواية جديرة بالقراءة: فقرطبة ليست هي التي تحتاج إلى العودة؛ ربما نحن الذين نحتاج إلى أن نعود إلى قرطبة، أن نعود إلى العلم لا إلى الأسطورة، وإلى التعايش لا إلى الصراع، وإلى الإنسان قبل الانتماء، وإلى الحضارة بوصفها سلوكًا حيًا لا أطلالًا جميلة.
لكن السؤال الأهم: هل نستطيع أن نستعيد قرطبة دون أن نستعيد أخطاء الذين أضاعوها؟










