علي حسن
عشقت “أبا العلاء المعري” (٣٦٣-٤٤٩هـ/٩٧٣-١٠٥٧م) منذ سافرت مع والدي إلى العراق، وتحديدًا مدينة الموصل الجميلة “أم الربيعين” بداية الثمانينيات، حيث التحقت بالصف الثاني بمدرسة المتوسطة المركزية (الإعدادية)، وحين درست الأدب العربي بشغف، تعرفت إليه عبر لزومياته.
سحرني أسلوبه فملت إلى فلسفته ونظرته المتشائمة إلى البشر والحياة؛ كنت أسابق ذاتي في حفظ أكبر عدد من أشعاره، وما زلت أردد حين أشعر بالضيق: “هذا جناه أبي عليَّ وما جنيت على أحد”، وأنشد معاندًا ذاتي إذا بدأ يومي بما أكره، أو أصابني الضجر وفقدت الأمل:
غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي نَـــوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّــمُ شَـادِ
وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِيــسَ بِصَوْتِ الْبَشِيرِ فِي كُلِّ نَادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الْحَمَامَةُ أَمْ غَنَّــتْ عَلَى فَــرْعِ غُصْنِهَا الْمَيَّادِ
صَاحِ هَذِهْ قُبُورُنَا تَمْلَأُ الرُّحْـبَ فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟
بعد هذه المرحلة انقطعت عن منادمة المعري زمنًا، لكنه ظل كامنًا في مكان حصين مُقدر داخل قلبي ووجداني.
بعد سنوات ينفخ العميد “طه حسين” (١٨٨٩-١٩٧٣) في البوق، فيوقظ أبا العلاء من رقدته، داخل صدري، كما بعثه من جديد في الأدب العربي والعروبة مع بدايات القرن العشرين، تحديدًا في الساعة الخامسة من مساء يوم الثلاثاء، خامس مايو ١٩١٤ حين حصل على درجة الدكتوراه في تاريخ أبي العلاء، مع عِلمين اختارهما، هما الجغرافيا عند العرب، والروح الدينية للخوارج، وفي منتصف الساعة الثامنة أعلنت اللجنة أن الطالب “طه حسين” يستحق درجة جيد جدًا في الرسالة التي قدمها.
هنا عاد أبو العلاء المعري للحياة، وسمع به كل مَن جهله أو غاب عن ذاكرته؛ كان العميد يراه الأديب الخصب، الذي يستطيع المثقف الحديث أن يفرغ له، فيجد عنده غذاء العقل والقلب، يقول: “ومع ذلك فأبو العلاء فذ في الأدب العربي كله، وصل من حقائق الأشياء إلى ما لم يصل إليه أديب عربي قبله أو بعده. ومع ذلك فأبو العلاء فذ يعد من هذه القلة الضئيلة التي يمتاز بها الأدب العالمي الرفيع على اختلاف العصور وتباين أجيال الناس وتفاوت حظوظ هذه الأجيال من الحضارة ورقي الشعور. فإذا فخر الأدب اليوناني القديم بأبيقور وإذا فخر الأدب اللاتيني القديم بلوكريس، وإذا فخرت الحضارة الأوربية الحديثة بأدابائها وفلاسفتها المتشائمين، فمن حق الأدب العربي أن يفخر بأبي العلاء” (صوت أبي العلاء – ص ٦، ط قصور الثقافة ٢٠٢٣).
إن أبا العلاء يتفوق على كثير من الفلاسفة المتشائمين ومفكري الغرب أمثال نيتشه وشوبنهور، وما تراثه إلا صورة فذة يكاد يقترب منها أشد فلاسفة الغرب عبقرية وتشاؤمًا!
احتفى العميد بأبي العلاء شيخ المعرة وفيلسوفها؛ فوضع أكثر من كتاب، “تجديد ذكرى أبي العلاء”، “مع أبي العلاء في سجنه”، “صوت أبي العلاء”. ثم قدم كتاب “تعريف القدماء بأبي العلاء” بعد أن أصدر وزير المعارف “أحمد نجيب الهلالي باشا في ٢٦ فبراير ١٩٤٤ قرارًا بنشر آثار أبي العلاء، وألف لجنة لجمعه وتحقيقه تضم الأساتذة (مصطفى السقا، عبد الرحيم محمود، عبد السلام هارون، إبراهيم الإبياري وحامد عبد المجيد) برئاسة الدكتور طه حسين، كما ذكر العميد في مقدمته لهذا السفر العظيم بتاريخ ٩ أغسطس ١٩٤٤.
لقد اعتبر العميد هذا السفر العظيم ليس إلا مقدمة يسيرة لعمل ضخم، تسعد مصر بتقديمه إلى الذين سيحيون ذكرى أبي العلاء الألف في سوريا، فكان “المؤتمرالألفي لأبي العلاء المعري” الذي نظمه المجمع العلمي العربي السوري في الجامعة السورية بدمشق يوم الاثنين ٨ شوال ١٣٦٣هـ الموافق ٢٥ سبتمبر ١٩٤٤م، وأصدر المجمع كتابًا بهذا العنوان في عام ١٩٤٥، وطبعة ثانية عام ١٩٩٤ يضم كل ما حدث في المؤتمر الذي قال عنه الكاتب والباحث في التراث الدكتور جميل صليبا (١٩٠٢-١٩٧٦): “كان هذا المؤتمر هو أعظم سوق أدبية شهدتها دمشق في تاريخها”. بينما خلد التاريخ كلمة العميد عن أبي العلاء: “أنه أعظم شاعر إنساني أنتجته سورية”.
لكن يجب هنا أن نسجل للأديب العظيم “مصطفى لطفي المنفلوطي” (١٨٧٦-١٩٢٤) أنه حقًا أول من أشار إلى رسالة الغفران” ولخصها وعرضها للقراء في الصحف. إذن مصر هي أول من أحيا تراث أبي العلاء المعري، ومصر هي أكثر الدول العربية احتفاءًا بشيخ المعرة وفيلسوفها، وأكثرهم عناية بتراثه، يوكد ذلك ويثبته، ويؤلم القلب ويحزنه، أن جماعة من أبناء هذه الأمة، متطرفة، تدعي الإسلام (داعش) جاءت فحطمت قبر وتمثال هذا الشاعر الفيلسوف الفذ!
أشعل العميد شهية الأدباء والباحثين لتناول “تراث أبي العلاء” بجِد، فنجد رسالة الدكتوراه للكاتبة عائشة عبد الرحمن” (١٩١٣-١٩٩٨) بعنوان “رسالة الغفران لأبي العلاء” وقد قرأت هذه الرسالة، ثم اقتنيت كل ما كتبته الدكتورة “عائشة عبد الرحمن أو بنت الشاطئ” عن أبي العلاء، فصدمني ما قدمته، إذ اكتشفت أن عطاياها للأدب عن أبي العلاء الذي أحبته، ودافعت عنه، ليس إلا فصولًا مجتزئة من رسالتها المقدمة لنيل درجة الدكتوراه، “الهيئة المصرية العامة للكتاب” لم تزد عليها حرفًا واحدًا! (“أبو العلاء المعري” – أعلام العرب – المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، “الغفران دراسة نقدية” دار المعارف، “مع أبي العلاء في رحلة حياته” دار المعارف.
كذلك قدم الدكتور “لويس عوض” (١٩١٥-١٩٩٠) كتابه “على هامش الغفران” (سلسلة كتاب الهلال – أبريل ١٩٦٦)، هذا الكتاب سبب للدكتور لويس الكثير من المتاعب والمشكلات! وبين عامي ١٩٣٧-١٩٣٨ قدم الأستاذ “عباس محمود العقاد” (١٨٨٩-١٩٦٤) مجموعة مقالات في جريدة البلاغ عن أبي العلاء، ثم جمع هذه الفصول في كتاب بعنوان “أبو العلاء” عام ١٩٣٩، وصدر من مطبعة نهضة مصر بعنوان “رجعة أبي العلاء”. هذا الكتاب كان صدمة كبرى لي، إذ لم أستطع تخيل العقاد بكل ما لديه من جبروت وثقافة أن يضع كتابًا بهذا الضعف، كما أنه لم يقدم لنا شيئًا عن شيخ المعرة، بل قدم نفسه، وبالغ في التقديم، ربما لكي يطول قامة العميد، لكنه فشل فشلًا يحزن تلاميذه وأتباعه من العقاديين! ولأن العميد يلتزم الحيطة عندما يتحدث عن كتابات الأستاذ العقاد، فقد تناول هذا الكتاب في “فصول من الأدب والنقد” بشئ من الدهاء، إذ بدأ بمدح الكتاب وثماره الحلوة ومتاعه القيّم، ثم عرض رأيه في العقاد واثاره الأدبية والفلسفية المعروفة، وأنه من الكتاب القليلين الذين لا يقرءون إلا لالتماس الفائدة، واكتساب العلم واجتلاب المتعة، وعدد وأفاض ثم مدح جهد العقاد في هذا الكتاب تحديدًا، جهد البحث والدرس والمراجعة والاستقصاء، ثم جهد التروية والتفكير والقياس والاستنتاج. وبعد هذه المقدمة السخية الجذابة، يضرب العميد فيؤلم، ويلدغ فيوجع ويدمي، يقول:
“فالأستاذ العقاد ليس مؤرِّخًا في هذا الكتاب، ولكنه … مؤرخ ومتنبئ وواصف محقق أيضًا، يتحدث إلينا عمَّا كان، ويتحدث إلينا عمَّا هو كائن، ويتحدث إلينا عمَّا سيكون، أو عما يقدر أنه سيكون. لم يُرِدْ أن يصور لنا أبا العلاء فحسب، أو قل لم يُرِدْ أن يصور لنا أبا العلاء كما كان، وإنما أراد أن يصوره كما يمكن أن يكون لو أن الله أنشره وردَّه إلى الحياة. والله وحده هو القادر على أن ينشر أبا العلاء، ….، فأما نحن فمتكلِّفون حين نحاول ما لا طاقة لنا به …. ومن التكلُّف ما ينتهي بأصحابه إلى الإخفاق، ويضطرهم إلى الإحالة، ويدفعهم إلى ألوان من السُّخْف، ومن التكلُّف أيضًا ما يخطئ بأصحابه ما أرادوا، ولكنه ينتهي بهم إلى خير ممَّا أرادوا، ويتيح لهم إمتاع قُرَّائهم بلون من ألوان الأدب طريف، …، فقد أراد أن يعطينا صورةً من أبي العلاء لو عاش في هذا العصر، فأعطانا صورةً من الأستاذ العقاد الذي يعيش في هذا العصر، وما أحسبنا قد خسرنا شيئًا؛ بل أعتقد أننا قد ربحنا كثيرًا.
أراد الأستاذ العقاد أن يرُد أبا العلاء إلى الحياة فلم يصنع شيئًا، وإنما أحيا لنا من أبي العلاء ذلك الشخص المعروف أو الذي لا نعرف من أمره كل شيء، ولعلنا نجهل من أمره أكثر ممَّا نعرف، وليس على الأستاذ العقاد بأس من ذلك؛ فقد حاول شيئًا لا سبيل إليه، وحاوله وهو يعلم أن لا سبيل إليه.
أراد الدعابة والمزاح فلا ينبغي أن يُحمل عليه الجِدَّ والتحقيق، وأظرف من هذا أن الأستاذ العقاد أراد أن يرتحل بأبي العلاء بعد أن بعثه بعثًا جديدًا، وأن يطوف به في أقطار الأرض فلم يصنع شيئًا، وإنما ارتحل به في طائفة من الكتب التي قرأها، وفي ألوان من العلم الذي أحاط به، وفي فنون من الآراء التي أتقنها واستقصاها؛ ذلك لأن الأستاذ العقاد نفسه لم يرتحل ولم يُطوِّف في أقطار الأرض، وإنما ارتحل وهو مقيم، وطَوَّف وهو مستقر، وعرف الدنيا وهو لم يتجاوز حدود مصر. وهذه مزية من مزايا الأستاذ وفضيلة من فضائله، ولكن الله لا يكلف الناس فوق ما يطيقون، وبائعة السجائر مهما تكن جميلةً لا تستطيع أن تعطيك إلا ما عندها كما يقول الفرنسيون.
… كذلك أصبح أبو العلاء صورةً للأستاذ العقاد، ولم يصبح الأستاذ العقاد صورةً لأبي العلاء، والمسألة التي تحتاج إلى جواب، ولكنا لم نظفر بهذا الجواب هي هذه: أيرضى أبو العلاء عن هذه الصورة التي فرضها عليه الأستاذ العقاد لو أنه عَرَفها أم يسخط عليها؟ أما الأستاذ العقاد نفسه فيجيبنا بأن أبا العلاء لا يرضى عن هذه الصورة؛ لأن أبا العلاء لا يريد أن يكون شيئًا غير أبي العلاء. ففِيمَ إعطاؤنا هذه الصورة؟ وفيم عرضها علينا؟ وفيم إزعاج الشيخ عن مرقده؟ وفيم تكليفُه السفر في الطائرات والقطارات والسفن، وتكليفه ما لا يطيق وما لا يحب؟ في شيء واحد هو هذا العبث الخصب، وهذا اللعب الممتع، ….، فلنحمد للأستاذ العقاد جهده، ولنشكر له محاولته، ولنسجل له كثيرًا من التوفيق في تصوير أبي العلاء القديم، وإن كنا نظن أنه قد أخطأ من صورة الشيخ بعض ملامحها، وذهب في تفسير بعض شعره مذاهب ما أظنه كان يرضاها وما أظنها تلائم الحق من أمره، …، وهناك هناة كنت أحب أن يبرأ منها الكتاب… وقد جرى على لسان التلميذ وعلى لسان الشيخ كلام أهمل فيه النحو بعض الإهمال. وما أظن أن أبا العلاء كان ينصب أو يجر حيث يجب الرفع، وما أظن أنه كان يقبل من تلميذه أن يضع «مَن» مكان «ما». وما أشك في أن هذا من خطأ المطبعة، ولكنه خليق أن ينبه إليه.” (فصول في الأدب والنقد، الهيئة العامة لقصور الثقافة ط ٢٠٢٣، ص ٣٣-٤٢).
قدم أيضًا العلامة الدكتور “السعيد السيد عبادة” (١٩٣٤-٢٠٢٣) كتابه القيم “أبو العلاء الناقد الأدبي” دار المعارف طبعة ١٩٨٧، الكتاب رسالة نال بها درجة الدكتوراه (العالمية) مع مرتبة الشرف الأولى من كلية اللغة العربية عام ١٩٧٣. يتناول الكتاب جانبًا واحدًا من جوانب شخصية المعري الضخمة، وهو الجانب الناقد فيه، ناقدًا ليس للشعر والأدب فقط، وإنما نقده لغيره من أقوال المجتمع وعقائده ومعارفه وأفعاله، شارحًا العوامل التي تأثر بها أبو العلاء، فتكونت بها ذائقته وفلسفته.
كذلك شرح وحقق الدكتور علي شلش (١٩٣٥-١٩٩٣) “رسالة الغفران” في كتاب صدر عن دار القلم – بيروت ط ١٩٧٥، كما حقق الدكتور حامد عبد المجيد وقدم لكتاب “شرح المختار من كتاب اللزوميات لأبي العلاء” لـ “أبي محمد عبد الله البطليوسي” (٤٤٤-٥٢١) إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة ١٩٩١.
لكني أعتقد أن أفضل الكتابات عن أبي العلاء بعد العميد هو كتاب الشيخ العلامة “أمين الخولي” (١٨٩٥-١٩٦٦) “رأي في أبي العلاء” الصادر ضمن مطبوعات “جماعة الكُتاب” عام ١٩٤٥، حيث يتعمق في شخصية شيخ المعرة من خلال أشعاره. هذا الكتاب بالغ الأهمية، صادم، عميق إلى حد بعيد، يعتمد على المنهج النفسي في تحليل شخصية الأديب من خلال أدبه، يقرأ القصيدة ويدرس بنائها، ثم يغوص في روحها، يتمعن كيف شيدها أبو العلاء، كيف نفخ فيها من روحه، فجعلها تمثله لحمًا ودمًا، وتعبر عن مكنون روحه وقلبه. يرى الشيخ أمين الخولي أن أبا العلاء ليس بالفيلسوف الذي تُفسر حياته وأقواله تفسيرًا عمليًا عقلي المنطق، بل يراه أديبًا فنانًا، ينبغي أن تُفسر ظواهر حياته بمنطق العاطفة ووحي الشعور أولًا. من شعر المعري ونثره الغزير الذي لا يقل روعة أو وفرة عن أشعاره، يبدو أبو العلاء متناقضًا، مترددًا في مشاعره، ورغباته، ليس لشيء إلا لتبدل عواطفه ورقة مشاعره، واضطراب نفسه وانغماسها في الألم.
كره المرأة كما كره الحياة:
– ألا إن النساء حبال غي بهن يُضَّع الشرف التليد
– ودفن الغانيات لهن أوفى من الكلل المنيعة والخدور
كما كره الزواج والنسل وأمر بتركه:
– دع النسل إن النسل عقباه ميتة ويُهجَر طيب الراح خوفًا من السكر
– أرى النسل ذنبًا للفتى لا يقاله فلا تنكحن الدهر غير عقيم
– إذا شئت يومًا وصلة بقرينة فخير نساء العالمين عقيمها
وعشق الوحدة وطلبها في الحياة وعند الدفن ويوم الحشر!
– فالرأي هجرانك الدنيا وساكنها فأنت من جود هذي النفس منجود
– إذا حان يومي فلأوَّسد بموضع من الأرض لم يحفر به أحد قبرًا
– يا جدثي حسبك من رتبة أنك من أجداثهم معزولًا
لكنه في وضع آخر يصرح بأن الشهوات تصارعه، يهفو لها فؤاده
– تنازعني إلى الشهوات نفسي فلا أنا مُنجِح أبدًا ولا هي
إن أبا العلاء اجتهد لينال حظه من الدنيا، لكنه لم يُصب، ولم يستطع الفوز بها، وعجز عن الاستمتاع، لكنه ظل آملًا فيها، يرغبها أحيانًا، لكن آلته تخزيه، فلا تمنحه ما يصبو إليه. إنه يشتهي المرأة لكنه لا يملك أدوات الارتواء، يقول: “أحب الدنيا وآلتها ليست فيَّ، وقد يئست من بلوغها واليأس مريح، فإلام التشوف إلى الضلال؟ لو كنت مؤديًا -كامل الأداة- لها لثقل عليَّ أمرها! (رأي ص ٨١)
وكما يشير شيخنا الجليل “أمين الخولي”: “ما أصرحه بعد ذلك حين يفسر ما يمكن أن يكون منه زهدًا، ويبين سببه النفسي في شجاعة، فيقول إنه لا يؤثر خمود مصباحه ولكن خانه الزيت، ولم يُطَّلق الدنيا بل هي التي طلقته، وما أعرض عن اللذات إلا لأن أطايبها مالت عنه، ونبل فلم يصب فمن له بالسهام الصائبات:
– ولم أوثر لمصباحي خمودًا ولكن خان موقدَهُ السليط
– فما طلَّقتُ هي بل طلَّقتْ ولست بأول مَن طُلِقا
– ولم أعرض عن اللذات إلا لأن خيارها عني خسْنَه
– حابي كثير وما نبلي بصائبة وكيف لي في مراميهن بالحابي
ويكمل التفسير حين يقول: إن الناس أرخصوه فأغلى قدره بالصبر، ويتظاهر بالنسك، وما هو إلا نُسك لبعد الهمم! (رأي ص ٨٢-٨٣).
– لما رأيت سجايا العصر تُرَخِصني ردَدتُ قدري إلى صبري فأغلى بي
– إني أواري خِلتي فأُرِيهموا رِيًا وفي سر الفؤاد أوار
هذا هو أبو العلاء الفيلسوف، يخشى الموت ويؤلمه أن يفارق الحياة قبل أن يرتوي من لذاتها.
تضاعف همي أن أتتني منيتي ولم تُقض حاجتي بالمطايا الرواقص
وما عالمي إن عشت فيه بزائد ومــــــــا هو إن ألقيــــــت مــــنه بناقـــــــــــص
وهذا الذي رأى المرأة شر وأذى على المرء أن يتقيه ويحذره يقول:
وجنَّتك الأولى عَروسك وافقت رضاك فإن أجنتك فاجن ثمارها
هو أبو العلاء صاحب المتناقضات، ويأتي أستاذنا الشيخ “أمين الخولي” ليضع قنبلة تنفجر في الوجوه، جاعلًا هذا الإنفجار مقيدًا بكلمة هو قائلها “رأي” في أبي العلاء:
“صاحبنا.. له الكثير الجم من التشهي لا نستوفيه هنا ولا يسمح المقام به، وحسبنا من ذلك كلمة متحرقة في الفصول (٣١٦) إذ يقول: “إنما أنا كرجل بُليَّ بالصدى (العطش)، لا يجد وردًا ولا موردًا، فهو ظمآن أبدًا، إن ورد عزوفًا (بئر يؤخذ منه باليد) وجده مضفوفًا (كثر وارده) وإن صادف نزوعًا (بئر تنتزع منها الماء، أعوَذته الآلة والمعين”. ثم يقول العلامة الشيخ أمين الخولي (رأي ص ١٠٤):
“وحسبنا من قوله عن المرأة قولته المكشوفة التي يقر فيها أن:
أركان دنيــانا غرائــز أربع جعلت لمن هو فوقنا أركانا
والمرء ليس بذاهد في غادة لـــــــــكنه يتـــرقـــــــــــب الإمــــــــكانا
كما قدمت لنا الدكتورة “منى طلبة” كتابها القيم “أبو العلاء وبراندان” دراسة مقارنة لأدب الرحلة في العالم الآخر”، إصدار هيئة قصور الثقافة، ط ٢٠٢٢)، محاولة حل شفرة “رسالة الغفران” وما المعنى والمغزى الحقيقي لهذا النص الفذ، متعدد الأوجه؟ وماذا أراد أبو العلاء من رسالته؟
هذا غير الكثير من الكتب المترجمة عن أثر “رسالة الغفران” على شاعر إيطاليا الخالد “دانتي أليجيري” (١٢٦٥-١٣٢١) في “الكوميديا الإلهية”، مثل “دانتي والشرق” لبريندا دين شيلديجن، إصدار المركز القومي للترجمة، “أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية” تأليف ميجيل أسين، إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب.
لم يكن كل ما سبق إلا لنؤكد على عظمة تأثير هذا الشاعر الفيلسوف على الثقافة المصرية، وأن عالمه الخصب سحر عقولهم وتفاعلوا معه، وأن فلسفته فتحت شهيتهم للبحث والتنقيب عن تراثه، وتحقيقه ودراسته، لأنه في عيونهم أحد أعظم شعراء العربية بلا منازع، وربما يكون أعظمهم، إلا أنه يدين للشاعر الفذ “أبو الطيب المتنبي” (٣٠٣-٣٥٤هـ/٩١٥-٩٦٥م) بالعبقرية، وشرح ديوانه في أربعة أجزاء سماها “معجز أحمد”.
أما أنا فقد قرأت ما وصل إلينا من تراث فيلسوف العرب؛ درست بنهم أغلب ما كُتب عنه في عصرنا، وهضمت “تعريف القدماء بأبي العلاء”، ومن تراثه تجسدت لي شخصيته الفذة، وشاهدت حياته المؤلمة، كيف تخفى عن عيون البشر، كيف كره الشهرة، وحلم ألا يشيد الناس بعلمه وشعره، رغم أنه جدير بهما كفء؟
لكن حين أضع الأوراق وأمسك بالقلم، تفلت الأفكار من يدي، وتفر من مخيلتي عوالم هذا الشاعر الفيلسوف! تتجمد الصور ويتسمر القلم، يصيبني بالخزيان، ولا ينطلق الخيال محلقًا في حيوات رهين المحابس الثلاثة ” فقدان بصره وبيته وجسده الذي هو سجن لروحه”:
أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث
كان أبو العلاء أكبر مني دائمًا حين أشرع في الكتابة عنه؛ لم أستطع احتواءه مرة، ليس لضعف مني، وإنما لجبروته، عبقريته، فلسفته، لغته الشامخة الراسخة، شخصيته النادرة، بصيرته الفذة. كنت دائمًا أنتظره، يحضر، مرة نتآلف ونتواءم، فيجود عليَّ بما يريده، ومرات ينصرف سريعًا، رافضًا الإندماج والإنصار، ربما أجد في العميد علة أو تكئة أتوكأ عليها، نخطو نحوه على مهل، فيشفع لي رفيق دربه وصديقه، فيجود بما أحب، وأكتب ما يرضيه!










