ممدوح رزق: قصتي القصيرة “ضد الحكاية”

mamdouh rizk

حوار: د. أحلام محمد*

ممدوح رزق كاتب وناقد ومترجم يمتلك تجربة سردية استثنائية، تنتمي إلى مناطق العمق النفسي والتأمل في المفارقات الإنسانية؛ إذ يُجسّد في قصصه القصيرة عالمًا تتجاور فيه التفاصيل اليومية العادية مع اللمحات الغامضة والاستعارات المحملة بالدلالات. يعتمد في تقنياته القصصية على تكثيف اللحظة، والتركيز على التحولات الداخلية للشخصيات واغترابها الشفيف، مع اعتناء خاص بالبناء السردي والتصوير المشهدي المحكم. أمّا لغته، فتتميز برصانتها وسلاستها في آنٍ واحد؛ لغة خالصة من التزيّد، مشحونة بالإيحاء والمجاز الدقيق، مما يمنح أسلوبه نبرة هادئة ورؤية نقدية تسبق السرد وتتغلغل فيه. عن مختاراته “أطياف العرّاب” الصادرة مؤخرًا كان لنا هذا اللقاء:

*قرأت قصة بين قبرٍ ومقهى” باعتبارها لوحة تشكيلية بالكلمات، تنتمي إلى أدب السيولة الوجودية”، والواقعية النفسية المكثفة. لم تسرد في هذه القصة حدثاً عابراً بقدر ما شرحت “حالة” من الاغتراب الإنساني، والروابط العاطفية المعقدة المشحونة بالرغبات المكبوتة والمخاوف المشتركة. أخبرني عن تفكيرك في التقنيات التي استخدمتها في هذه القصة؟

ـ يشغلني عمومًا التفكير في تقنية المرايا العاكسة والمتاهات السردية، حيث يتداخل الواقع بالاحتمال، وتذوب الحدود بين الشخصيات ليصبح الجميع في النهاية ظلالاً لوعي شبحي واحد.. ثمة مفارقة في أن القصة تقع أحداثها أمام “المستشفى” أو المكان البرزخي بين الحياة والموت، أما الزمن فهو الليل البارد “الشتاء”، وهو ما يعكس الوحدة، والإنهاك الجسدي والنفسي للشخصيتين.

*استخدمت هنا تكنيكاً قصصيًا ذكياً؛ فأنت لم تمنح القارئ يقيناً حول طبيعة العلاقة بين الشاب والفتاة، بل وضعتنا أمام احتمالات عدة؛ بماذا تفسر ذلك؟

ـ هو تأكيد على أن “الهوية” لا تهم؛ فالمرض واحد، ومع ذلك أتفق تمامًا مع التفكير في كونهما أمًا وابنها.

*أم وابنها يمثلان التقاء الموت بالحب (ثنائية الإيروس والثانتوس في علم النفس) حيث الجنس البشري في لحظة الهلع من الموت يبحث عن “الدفء الإنساني الأقصى” كوسيلة وحيدة للمقاومة. أليس الأمر كذلك بالنسبة للرجل الجالس في المقهى الذي اعتبرته شخصياً الراوي الفعلي أو”عين الكاتب”؟

ـ نعم، الرجل ليس مجرد مراقب، بل هو مَن يُعيد صياغة مشهد وقوف الشاب والفتاة من “انتظار لتاكسي” إلى “تفاوض جنائزي مع لقاء لم يحدث أبدًا” كما جاء في القصة.. يُعيد تشكيل الكائنات العالقة في “متاهة” المسافات الفاصلة بين البيوت، المقاهي، والمقابر.

*في قصة “النسيان” أنت لم تكتب قصة عن النسيان بمعناه البسيط “عدم التذكر”، بل كتبت عن “مقاومة الفناء”، و”صدمة الفقد الوجودي” التي يحاول العقل البشري تفاديها عبر نسج السيناريوهات البديلة، ليصطدم في النهاية بيقين مرعب ومباغت. حدثنا عن “الهندسة المكانية” في هذه القصة؟

ـ هي تعتمد بشكل أساسي على ثنائية “الامتداد والانقباض”.. حركة المتسولة العجوز التي تقترب ببطء وسط الزحام، وحركة عناصر سرادق العزاء التي يتم تحميلها فوق عربة الفِراشة مقابل الانطواء التخييلي داخل ذات الراوي، كأنه هروب باللحظة إلى ما تضمره.

*ثمة ميزة أسلوبية في هذه القصة تتجاوز البناء الدائري؛ فالسرادق الذي يُبنى، لا يتعامل معه الراوي بوصفه مكاناً لشخص مات بالفعل، بل يقلب المنطق الزمني: السرادق يُبنى لشخص حي يراقب بناء مأتمه من الشرفة. يبدو الراوي هنا أكثر من مجرد شاهد، هل هذا صحيح؟

ـ هو شاهد يتتبع ولادة غريزة الانتقام في داخله أمام لغز الفناء.. لا يفهم الموت، بل يراه “مكيدة ملغزة دبرها الغرباء”.. يريد “أن يسترد ما حرمته السماء من الجميع، أو أن يعاقبها بضراوة”.

*هذه الجملة مفتاح هام يربط هذه القصة بالقصص السابقة مثل “أطياف العراب”؛ فالكتابة الأدبية بالنسبة لممدوح رزق عمل انتقامي، عقاب يمارسه الطفل الذي كبر ضد السماء التي سلبت منه الأحبة، فيحاول استردادهم بالحكاية. المتسولة / الأم في النهاية تريد “موتها”، وهو طلب صادم.. أليست الأم هنا هي الذاكرة نفسها؟

ـ نعم، هي أيضًا ذاكرة الأم الكامنة في ذاكرة الراوي.. الابن هو المتسول في حقيقة الأمر، ولكنه يُسقط رغبته على الأم.. يريد أن ينسى ولكنه لا يقبل النسيان.. كأن الأم هي مَن تستجدي الخلاص الذي يتمناه من التذكر، ولكن لا يمكنه التصالح مع هذا الخلاص.

*هل يعني ذلك أن يد الأم الممدودة للتسوّل هي يد الراوي في حقيقة الأمر؟

ـ ليس هذا فحسب، بل إنها تقابل اليد المرتكزة على سور الشرفة في خياله.. اليد التي تمزق مشهد تآكل الأحبّة أم أعيننا.. اليد التي تحوّل هذا المشهد إلى قصة ضد الفناء.

*تنتمي قصة “ما لا يتحقق على الإطلاق” إلى الواقعية السحرية والسيكودراما الكابوسية. هل يمكن القول إنها تتعلق بمحو أثر الخطيئة الأولى؟

ـ هذا يتوقف على تعريف “الخطيئة الأولى”؛ فإذا كانت “التكوين القهري للجسد” فهذا صحيح.. القصة تتعلق ببلاغة التفكيك، من منطلق أن الجسد مصدر للأذى.. الطفل لا يتمنى موت أفراد أسرته، وإنما يتمنى “تفكيك أجسادهم”.

*ثمة إزاحة دلالية صادمة في هذه القصة؛ فالطفل يرى هذا المشهد الجماعي من العجز والمرض “فردوساً صغيراً”. القصة تتناول إذاً الاضطراب النفسي الذي يخلفه التعنيف المنزلي؛ حيث يصبح مشهد العائلة المشلولة والعمياء والخرساء أكثر طمأنينة للطفل من مشهدها وهي معافاة وتبطش. هل تتفق معي في أن ذلك ما يقف وراء “الحبكة التناوبية” للقصة؟

ـ الأقرب للقول إن القصة عن “الحتمية غير المحكومة للشر”.. عن السحر الطفولي الذي يتحوّل إلى اعتراف ذاتي، مراوغ، أي كتابة ضد هذه الحتمية.

*بمناسبة الاعتراف الذاتي؛ أرى أنك استخدمت بالفعل النبرة المناسبة لذلك: باردة، حيادية، غير مستجدية، الأمر الذي جعلها مرعبة ومقنعة في آن واحد. حدثني عن تفكيرك في أثر الصدمة وتوارث العنف؟

ـ أفكر في أن الشر لا يمكن بتره حتى لو كان الجسد عاجزًا، وإنما يمكن تحويل اللعنة إلى لعبة هازئة، عنف تهكمي، مضاد لإرادة الجلاد الأصلي، عوضًا عن عدم إمكانية تمريره إلى آلة العذاب الأبدية.

*في مختارات “أطياف العرّاب” ثمة كتابة قصصية تنتمي إلى أدب الفانتازيا السيكولوجية”، وتستخدم أيضاً ثيمة اللعنة الوراثية” أو “التناسخ الجيلي” مثل قصة “كنزة قديمة” حيث يتحول فعل بسيط كارتداء “كنزة صوفية قديمة” إلى طقس عبور مرعب، يتمخض عنه انتقال “عبء الوجود” وجينات الخوف والكتابة من الأب الميت إلى الابن، ثم إلى الحفيدة، في متتالية دائرية لا فكاك منها، كأن هذه الكنزة “جلد الموت”. أرى أنك تعاملت مع قطعة الملابس هذه بوعي أنثروبولوجي ونفسي حاد. هل كان هاجس “التقمص” الطوعي أو القسري يراودك أثناء كتابتها؟

ـ نعم، ولكن القصة تتجاوز الدخول في “فيزياء” الأب النفسية إلى “جوهر” الكابوسية الدائرية التي يتأصل فعل الكتابة في مواجهتها.

*ذكرني مشهد الأب وهو يهز قدميه بجذل كالأطفال في طمأنينة جنونية وهو جالس على حافة الشباك في الطابق السادس بقصة ما لا يتحقق على الإطلاقحيث كان الأب يتحول إلى طفل مسالم حين يخلع أسنانه. الجميل أنك قدمت ترجمة عقلية لفعل الكتابة بواسطة الإشارات الصامتة للأب.. هل هكذا تولد القصص حقاً؟

ـ أعتقد ذلك؛ فالكاتب يستنطق صمت العالم وأسراره المبهمة عبر “حكايات” تخص الكاتب نفسه.. لكنها بالنسبة لي حكايات “ضد الحكاية” أي ضد وهم النجاة “اللغوي” الذي تتوارثه الحكايات.. لو أن قصة “كنزة قديمة” مجرد “حكاية” لتوقفت عند “عقدة الذنب” مثلًا.. لكنها قصة “تحكي” عن المشيئة التي تدفعنا إلى المسارات والحواف الشاهقة ذاتها، التي تجبرنا على مضع نفس الذكريات، لكي يواصل كل عابر منا، حين يبلغ زمنه المؤقت، التلويح صامتًا في فراغ الوجود.

*قصة العمر ليلة تمثل لوحة مزدوجة، تتحرك عبر خطين متوازيين ينصهران في النهاية لتقديم واحدة من أعمق ثيماتك:  الانفصال التام بين عالم “الفرجة والاستهلاك” وعالم “الذاكرة المنسية والمقدسة، وصولاً إلى لحظة الخلاص الأخير عبر التلاشي. في هذه القصة، تنتقل من فضاء المدينة الإقليمية المغلقة إلى فضاء المدينة الساحلية الصغيرة  في الشتاء، وهو اختيار فوتوغرافي وسيكولوجي شديد الذكاء؛ فالمدن الساحلية خارج موسم الصيف تتحول إلى “مقابر مؤقتة للذكريات”، وتصبح بيوتها القديمة أشبه بأجساد هجرها أصحابها. حدثني عن “معمار المفارقة” في هذه القصة: “المدافن” في مواجهة “الكرنفال”، أو البيت القديم في مواجهة المقهى الشاطئي، وكذلك ثلاثية الأطياف: العجوز، البنت، والغريب؟

ـ الأمر يتعلق بطقس الانسحاب وترك الممتلكات.. الرجل الغريب في المقهى يتصرف بآلية رجل اتخذ قراره النهائي.. لقطة “القهوة والسجائر” تتكرر هنا كطقس أخير: “قال لنفسه كتذكير بما تعوّد نسيانه إن عليه تناول ما تبقى من الفنجان برشفات أصغر”.. هذه المحاولة البائسة لتمديد الوقت (عبر تصغير الرشفات) تفشل؛ فالزمن ينفد.. المفتاح الدرامي هنا هو ترك حافظة النقود، علبة السجائر، والولاعة فوق الطاولة..  في عالمي القصصي، ترك هذه الأشياء المادية الملتصقة بالهوية اليومية يعني شيئًا واحدًا: التخلي الكامل عن شروط البقاء في العالم.. البطل يخلع أسلحته اليومية الصغيرة مستعدًا للعبور التام.. على جانب آخر حين تفتح النافذة، يحتشد البشر (العابرون) أمامها.. هنا تظهر ثيمة “العجز الإنساني أمام المعجزة أو الفاجعة”: يتسمر البشر، تتخشب أبدانهم، وتطبق أفواههم.. يتحول الجمهور هنا إلى “جثث مؤقتة” لا تملك سوى النظر.. رقص البنت وعزف الأغنية هما سلطة عليا تمارس سحرًا مُعطّلًا للزمن.. بمجرد إغلاق النافذة (نهاية الأغنية/ نهاية العُمر)، تعود دماء المارة للتجمد ذعرًا، لأنهم أدركوا أنهم شهدوا تجليًا لزمن وجمال لن يقبضوا عليه أبدًا، أو ما أسميه (الحنين كوصفة لتصفية الحساب).

*في القفل السردي، ربطت ببراعة بين جمود المارة أمام البيت، واختفاء الغريب في البحر: الرجل لم يعد إلى “منزل ما”؛ لأن بيته الحقيقي (الغرفة الوردية)، أغلق نافذته وتلاشى. لم يعد له مكان فوق الأرض، فتوجه بخطوات متسارعة نحو الشاطئ وتوغل في الامتداد المعتم لتوحد السماء والبحر حتى اختفى تماماً؛ ماذا تقول عن هذه النهاية؟

ـ هذا الاختفاء ليس انتحارًا بالمعنى التقليدي البائس، بل هو أشبه بـ “خلاص صوفي” واندماج في اللانهائي.. البحر والسماء المعتمان يمثلان “الرحم الأول” أو “العدم المطلق” الذي تبحث عنه شخصياتي دائمًا للتخلص من ثقل “النسخ اللاحقة الهزلية للزمن”.. إن عمر الإنسان الحقيقي ليس سنواته الممتدة، بل هو تلك “الليلة الواحدة” التي يلمع فيها الجمال القديم من نافذة متهالكة،  وعندما تنتهي الأغنية وتُغلق النافذة، لا يتبقى للغريب سوى أن يترك محفظته وسجائره على طاولة العالم، ويمشي حافيًا نحو امتداد البحر المعتم، معلنًا ترفعه التام عن البقاء كـ “فراغ مستعمل”.

*قصة بندقية تشيخوف تمثل مكاشفة سيكولوجية وميتافيزيقية بالغة الخطورة، وتُعد مفتاحاً رئيسياً لفهم “العزلة الكونية” لشخصياتك. أنت لم تستخدم التناص مع مبدأ تشيخوف المسرحي الشهير (إذا ظهرت بندقية في الفصل الأول، فيجب أن تطلق النار في الفصل الأخير) كحيلة تقنية فحسب، بل قلبتها رأساً على عقب لتصنع منه مانيفستو العجز والانتقام السلبي. ماذا عن تفكيرك في الخيانة الإبداعية لهذا المبدأ أثناء كتابة القصة؟

ـ البندقية هنا معلقة على حائط البيت/الوعي، وهي رمز لـ “العنف المؤجل” أو “الرغبة الدفينة في تدمير العالم”.. المفارقة المأساوية أن العالم لا يأبه بهذه البندقية المعلقة، ولن يأتي أحد ليعطلها؛ لأن البطل تلاشت فاعليته وتوقف منذ زمن عن الخروج من بيته.. البندقية هنا رمز للقصة التي لم تُكتب، أو الانتقام الذي لم يتحقق إلا داخل الرأس.

*يتجلى ذكاء القصة في التقاط تفصيلة معاصرة شديدة الدلالة:  الهاتف المحمول الفارغ من شريحة الاتصال. هذا الهاتف هو المعادل البصري لـ “الفراغ المستعمل”؛ إنه جهاز مصمم للاتصال بالخارج، لكنه هنا مقطوع الصلة بالعالم، بلا شبكة، بلا بشر، بلا رسائل. إنه يتحول إلى مجرد “صندوق ذكريات رقمي” أو “متحف شخصي للكوابيس”، لا يحتوي إلا على ثوانٍ معدودة من العنف المديني الموثق، كأن ثمة إرادة لترويض الماضي بالسحر الأسود، أليس كذلك؟

ـ نعم.. المقطع المخزن ليس لقطة سينمائية، بل هو “توثيق لخلخلة طمأنينة المدينة”.. الرجل الذي يطلق النار على المارة بخطوات متمهلة، يخلي الشارع من البشر؛ يصنع “خلاءً ثابتًا”.. هذا الخلاء هو ما يبحث عنه البطل المعزول.. المفاجأة النفسية تكمن في توقيت مشاهدة الفيديو: البطل لا يشاهده بانتظام، بل فقط عند الاستيقاظ من أحلام تعذيبية تخص الماضي في “أصالته السحرية المخبوءة”.. الماضي هنا يعذب البطل لأنه غنيمة مفقودة، لا يمكن استعادته أو تغيير بداياته.. هنا يصبح الفيديو أداة “تطهير وقائي” ؛ مشاهدة رجل يطلق النار على شوارع تلك الذاكرة، ويجبر الوجوه التي توزعت ابتساماتها الغافلة على الفرار، هي بمثابة “تصفية حساب شاملة” أو عقاب رمزي للمدينة التي هجرته (كما ورد في قصة “بانتومايم”).

*ثمة دعابة هازئة حول الغياب في هذه القصة تكمن في السؤال: لماذا ترتسم في روح البطل ابتسامة ممتنة كلما شاهد جسد القناص يسقط وينقض عليه الناس؟

ـ لأنه يرى في القناص “نسخة” أخرى منه.. القناص خرج لينتقم من شوارع المدينة بالرصاص، والبطل ينتقم منها بالانكفاء ونسج الدعابات الهازئة حول غيابها.. الابتسامة هي امتنان للفيديو لأنه يقدم صياغة بصرية للنهاية المحتومة؛ الموت أو البتر.. قصة “بندقية تشيخوف” بالنسبة لي تعميق لثيمة “الانتقام السلبي بالنكوص”.. عندما نعجز عن استحضار وعود الماضي أو إعادة صياغته، نتحول إلى كائنات تتغذى على صور الخراب التي تصيب فضاءات ذلك الماضي.. بندقية تشيخوف المعلقة على الحائط لن تطلق النار في الفصل الأخير؛ لأن البطل اختار أن تكون بندقيته هي “عزلته المنيعة”، وأن يكون إطلاق النار مجرد شاشة هاتف بلا شريحة، تمنحه كل صباح ابتسامة ممتنة وساخرة، تؤجل نهاية العالم وراء نافذته المغلقة.

*تتحرك قصة نافذة البيت.. نافذة القطار” ببنية المتوالية المتناوبة”، حيث يتأرجح البندول بين فضاءين ثابتين في جوهرهما، متطابقين في مصيرهما:  نافذة البيت (الانزواء الساكن/ القبر الرمزي) ونافذة القطار (الحركة اللانهائية دون وصول/ التيه الأزلي). البطل هنا يمر بلحظة الكشف الكبرى عند سن السادسة والأربعين، ليعلن تفكيك “اللا جدوى” التي تحكم كل شيء. في هذه القصة ثمة مفارقة نفسية تتمثل في “الخوف من الفهم”، أو الوضوح الذي يقتل السحر”. حدثني عن هذه الفكرة الفلسفية تحديدًا؟

ـ البطل يعيش على “غنيمة الأضواء الخافتة” المنبعثة من بيوت الآخرين.. إذا تمكن من سماع كلمات واضحة ومفهومة للجيران، يشعر بخسارة خياله.. الكلمات المفهومة تجسّد وجوه المتحدثين رغمًا عنه وتنزع عنهم صفة “الأطياف”.. البطل يبحث عن “الهمهمات” غير المفسرة، لأنه يدرك أن حقيقته تكمن في “ما لا يُرى ولا يُسمع”.. إنه يهرب من صوته ومن تكرار “نسخته الهزلية” عبر الاختباء في غموض أصوات الغرباء.

*وماذا عن القطار؟

ـ القطار “برزخ متحرك” يجسّد عقيدة “عدم الوصول”.. القطار في القصة ليس وسيلة مواصلات، بل هو فضاء وجودي يحمي من فكرة “النهاية” أو “الوصول”.. الوصول يعني الاستقرار، والاستقرار يعني الرضوخ للواقع والإذعان لما أصبحت عليه الذات.. البطل يسخر من الركاب الذين يعرفون من أين أتوا وإلى أين يذهبون، لأنه يرى في السفر المتواصل الطريقة الوحيدة لتعطيل حتمية الزمن وقسوة الوجهات المحددة.

*أرى أن ذلك يتقاطع مع أفكار أخرى تضمنتها القصة مثل التهام الجسد الخفي وعقدة الجوع الميتافيزيقي حيث تدخل القصة في فضاء الكوابيس البيولوجية: (كوب الماء يفرغ بعد رشفة، طبق الطعام بعد الملعقة الأولى): “كأن كائناً آخر خفياً يلتهم طعامه وشرابه.. كأن كائناً آخر خفياً يأكل ويشرب من جسده. صحيح؟

ـ نعم.. هذا التآكل الجسدي السريع هو تعبير عن “النسخة” التي تلتهم صاحبها، أو الموت الذي بدأ يتغذى على الحيّ من الداخل قبل إعلانه جثة.. الجوع والعطش هنا هما “جوع روحي” لعمر يتسرب من بين الأصابع دون قدرة على القبض عليه.

*ثمة لقطة عبقرية في هذه القصة وهي الانتباه إلى أن العصافير في المنور كانت تشاهد ما يحدث لكل فأر”، أقصد الموت المرتعش للفأر في المصيدة التي وضعت الأم السم بداخلها. حدثني عن هذا الالتقاط لثيمة الشهود الصامتين على الفاجعة: العصافير المحلقة رأت المصيدة والقتل المتكرر، والراوي الذي يشبه تلك العصافير، طائر منزلي يقف وراء النافذة ليشهد على مصائده الشخصية، وعلى الموت اليومي الموزع في الشوارع؟

ـ هذه الثيمة ترتبط بـ “انتقام الكلمات الغائبة”.. عند سن السادسة والأربعين (لحظة المراجعة الوحشية)، يكتشف البطل أن شقاءه ليس بسبب ما قاله، بل بسبب “ما لم يتكلم عنه”.. حين يحاول هندسة خياله لاستعادة كلماته الصائبة الأولى التي وُلد بها كطفل، يصطدم باكتشاف مرعب: الكبار (المجتمع، الآخرون) رفضوا كلماته البديهية وأجبروه على استبدالها بكلماتهم المكررة والمبتذلة.. بمرور الزمن، تلاشت الكلمات الأصيلة ونُسيت تمامًا، ليصبح الحكم الختامي: “سر شقاء الماضي يكمن في أن ما كان يجب أن يتحدث به لم يتوقف غيابه عن الانتقام”.

*هذا يفسر لماذا يمارس أبطالك دائماً الأشياء الجميلة كإكراه”: (الكتابة، الاستماع إلى الموسيقى، التذكر، مراقبة المطر)؛ إنهم لا يكتبون أو يتذكرون ترفاً أو متعة، بل يفعلون ذلك تحت وطأة “سوط الانتقام” الذي تجلده بهم الكلمات الضائعة التي عجزوا عن قولها في طفولتهم.

ـ يفسر أيضًا الصدمة الختامية “التابوت والطفل غير المرئي” حين تصل ذروة القصة وراء نافذة البيت إلى تمثيل الجسد كـ “تابوت”: البطل ليس جثة داخل التابوت فحسب، بل هو أيضًا “الطفل غير المرئي الذي يحمل التابوت”..  التابوت لا يحتوي جثة الطفل الطازجة (لأن في ذلك ابتذالًا وسهولة درامية)، بل يحتوي على “ظلال خفية تشابكت وتيبست إلى أن أدركها العفن.. أشلاء وعصارة الميت”.. هذا الوصف يمثل إعلانًا بانتهاء شروط المقاومة الوجدوية؛ فالراوي يحمل موته القديم على كتفيه ويسير به في الشوارع ويجلس في القطارات.

*هذا ما يصيغ سؤال التلاشي النهائي: أيهما نافذة بيته وأيهما نافذة القطار؟

ـ تلاحظين أن الفارق ينهار في النهاية بين الحركة والسكون، بين السفر والانزواء.. النافذتان تتحدان لتصبحا جدارًا واحدًا، ويتحول البطل إلى “عدم تتقاذفه البلادة.. مكوّن من (لا شيء) يحاول معالجة ما أهدره”.. المرايا الطائشة المفتتة لا تعكس وجهًا يمتلك عمرًا، بل تعكس شذرات من الأوهام، والذكريات تُنزع عنها قدسيتها في السطر الأخير لتصبح مجرد “مشاهد اختلقها شيطان مختبئ”، وكان على الراوي سردها بشكل متعجل ومتشظٍ دون أمل في الاستيعاب.

*هذه القصة في رأيي ترفع “اللا جدوى” إلى مصاف الطقس المقدس، هل تتفق معي في ذلك؟

ـ نعم.. هي اعتراف بأن الحياة قد لُعبت بالكلمات الخطأ، وأن السفر أو الانكفاء هما مجرد قناعين لنفس الكائن: (العدم) الذي يجلس وراء زجاج محطم، ليرى وجهه مبعثرًا في شظايا المرايا، مستسلمًا لسرد حكايات متعجلة ألفها شيطان ماكر، قبل أن يسدل الستار الختامي على حركة القطار وسكون البيت.

…………………………………………..

*ناقدة وأكاديمية مصرية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع