الغائب الحاضر: ما وراء أزمة جوائز الدولة

صالح سليمان عبد العظيم

أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم

ربما يكون أسوأ ما تفعله بنا أزمة ثقافية صاخبة أنها تجعلنا نرى ما هو ظاهر وننسى ما هو أكثر رسوخا. فالوقائع المباشرة سهلة الالتقاط: جائزة تثار حولها أسئلة، ترشيح يحتاج إلى تفسير، اسم يتردد، ورد يصدر، ثم تنقسم الساحة بين من يريد الإدانة ومن يريد التبرئة. لكن السلطة الثقافية لا تعمل في معظم الوقت بهذه الصورة المكشوفة. إنها أكثر هدوءا وأقل قابلية للإمساك، لأنها لا تحتاج دائما إلى قرار صريح أو مخالفة واضحة. تعمل من خلال المكانة، وشبكات العلاقات، والحضور المتراكم، والقدرة على المنح والمنع من دون أن يبدو أن أحدا منح أو منع.

لهذا لا ينبغي اختزال أزمة جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية في سؤال ضيق من نوع: هل تدخل مسؤول بعينه في منح الجائزة أم لم يتدخل؟ السؤال مشروع، لكنه أصغر من المشكلة. وقد جاء الرد المنشور في «المصري اليوم» مؤكدا عدم التدخل في لجنة الترشيحات والابتعاد عن لجان التحكيم تجنبا للحكم على من أسهمت المؤسسة في ترشيحهم. وهذه أقوال يجب تسجيلها كما هي، لكنها لا تكفي لتكون شهادة براءة شاملة لبنية أوسع من النفوذ. فقد يكون الشخص غائبا عن القرار المباشر، لكنه حاضرا في شروط إنتاج القرار.

صاحب النفوذ لا يحتاج دائما إلى الجلوس إلى الطاولة لكي يكون حاضرا فيها، ولا إلى رفع الهاتف لكي يمارس أثرا. أحيانا يكون تراكم المكانة والمواقع والعلاقات والاعتراف السابق أكثر فاعلية من الأمر المباشر. يصبح الاسم معروفا، والتقدير مفترضا، والمكانة سابقة على النقاش، وتتشابك حوله دوائر مهنية وأكاديمية وثقافية واسعة. عند هذه النقطة يصبح من السذاجة اختزال المسألة في البحث عن مكالمة هاتفية أو توقيع. أخطر أشكال القوة هو ذلك الذي لا يضطر صاحبه إلى إظهاره.

ومن هذه الزاوية يصبح تعدد مواقع الحضور المؤسسي موضوعا مشروعا للتحليل، لا اتهاما أخلاقيا. فالأستاذ الذي يجمع بين المكانة الأكاديمية وإدارة مؤسسة ثقافية كبرى والحضور في مجالس ولجان ودوائر ثقافية متعددة لا يعود مجرد باحث يعمل في مكتبه، بل يصبح فاعلا مؤسسيا راكم رأسمالا رمزيا وعلاقات وقدرة على الوصول إلى دوائر صناعة الاعتراف. وهذا لا يثبت إساءة استخدام النفوذ، لكنه يمنعنا أيضا من التعامل مع هذا النفوذ كما لو كان غير موجود.

وتبدو عبارة «الوسط الثقافي والأكاديمي يعرفني جيدا» شديدة الدلالة. فقد قيلت دفاعا عن النزاهة، لكنها تكشف في الوقت نفسه طبيعة الوسط الذي نتحدث عنه: وسط يعرف بعضه بعضا جيدا بالفعل؛ أسماء تتكرر، وسير تتقاطع، وعلاقات تمتد بين الجامعات والمجالس والمؤسسات واللجان والمؤتمرات. ومن هنا يصبح السؤال: هل المعرفة المتبادلة قرينة كافية على النزاهة، أم أنها نفسها جزء من شبكة القوة التي ينبغي مساءلتها؟

فالقول إن «الناس تعرفني» ليس جوابا مؤسسيا، والثقة في «التاريخ الناصع» ليست بديلا عن كشف المعايير والإجراءات. النزاهة ليست صفة يمنحها المرء لنفسه، ولا شهادة تمنحها جماعته له، ولا حصانة يكتسبها بطول الحضور. النزاهة المؤسسية شيء آخر: قواعد يمكن فحصها، ومعايير معلنة، وفصل واضح بين الترشيح والتقييم، وآليات لتعارض المصالح، ووثائق يستطيع الاطلاع عليها حتى من لا يعرف المسؤول ولا يثق فيه.

ولهذا فإن الحديث عن «الشرف الشخصي» مفهوم على المستوى الإنساني، لكنه يظل قاصرا بوصفه جوابا عن سؤال السلطة. المشكلة ليست في إثبات أن شخصا غير شريف، وإنما في رفض أن يتحول الشرف الشخصي إلى أداة لإغلاق المساءلة. وحين تتراكم حول بعض الشخصيات المناصب والمكانة والاعترافات، قد يتحول التاريخ ذاته إلى درع رمزي: يصبح نقدها تجنيا، والسؤال عنها سوء تقدير، والاقتراب من مناطق نفوذها تجاوزا لحدود «الاحترام الواجب». عندها لا يحتاج صاحب المكانة إلى إسكات أحد؛ يقوم رأس المال الرمزي بالمهمة.

هذه هي السلطة الثقافية الناعمة في إحدى صورها. لا تحتاج إلى تهديد؛ يكفي أن يعرف الجميع من هو «الكبير». ولا تحتاج إلى قرار منع؛ يكفي أن يعرف الفاعلون كيف تعمل الدائرة. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «الغائب المهيمن الحاضر»: شخص يصعب أن تنسب إليه فعلا مباشرا لأنك قد لا تجد ورقة بتوقيعه أو أمرا مكتوبا باسمه، لكنه حاضر في شبكة واسعة من المؤسسات والمواقع والعلاقات. يسهل أحيانا مساءلة الموظف الصغير أو عضو اللجنة الظاهر، بينما يكون النفوذ الأوسع موزعا على نحو يجعل الإمساك به أصعب.

ولا يعني هذا أن أحدا «يدير كل شيء». تلك عبارة لا نملك عليها دليلا وتحول التحليل إلى تبسيط مخل. لكن هناك فارقا بين الزعم بأن شخصا يصدر الأوامر من خلف الستار، وبين القول إن موقعه داخل بنية القوة يجعله جزءا لا يمكن تجاهله من السؤال عن توزيع الفرص والشرعية. الأولى اتهام يحتاج إلى إثبات، والثانية تحليل لطبيعة النفوذ. والمشكلة أننا كثيرا ما نبحث عن الأولى ونهرب من الثانية: ننتظر مكالمة أو توصية أو مخالفة واضحة، فإذا لم نجدها اعتبرنا النظام سليما، مع أن الهيمنة ربما كانت تعمل بصورة أكثر نعومة وكفاءة.

فالسلطة الثقافية تبدأ قبل الجوائز بكثير. تبدأ بمن يدعى إلى الندوة، ومن يدخل اللجنة، ومن يقدم في المؤتمر، ومن تفتح أمامه المنابر، ومن يرشح للمجالس، ومن يكرم ثم يعاد تكريمه، ومن يصبح اسمه جزءا طبيعيا من المشهد حتى يبدو وجوده بديهيا. وفي المقابل تصنع الهيمنة الغياب بالطريقة نفسها: كاتب لا يدعى، باحث لا يرشح، أستاذ لا يدخل لجنة، كتاب لا يناقش، واسم لا يدخل التداول. لا يوجد قرار رسمي بمنع أحد، لكن بعد سنوات يكون شخص في المركز وآخر قد اختفى من الخريطة.

لهذا فإن «المنح والمنع» أكثر دقة أحيانا من كلمة الفساد. فالفساد يحيل إلى مخالفة قابلة للإثبات، أما المنح والمنع فهما من صميم ممارسة القوة داخل المجال الثقافي. والسؤال ليس هل توجد هذه القوة، بل من يملكها، وكيف تتوزع، وهل يستطيع الموجودون خارج شبكات النفوذ الوصول إلى الموارد نفسها.

فالمجال الثقافي ليس ساحة مفتوحة تتنافس فيها الأفكار والأعمال وحدها على قدم المساواة، بل فضاء تتفاوت داخله المواقع وفرص الحضور والتأثير. فالمنصب يمنح صاحبه مزيدا من الظهور، والظهور يوسع شبكة علاقاته، والعلاقات تفتح أمامه فرصا جديدة، ثم تتحول هذه الفرص إلى مكانة إضافية تؤهله لمزيد من المواقع والتكريمات والترشيحات. ومع الوقت تبدأ الدائرة في تغذية نفسها: يتكرر الاسم لأنه أصبح مهما، ثم يصبح تكرار الاسم نفسه دليلا جديدا على أهميته. وهكذا قد ننسى أن وجود شخص في كل مكان ليس دائما نتيجة لمكانته السابقة فحسب، بل قد يكون هذا الحضور المتكرر نفسه أحد العوامل التي صنعت تلك المكانة وضخمتها. وهنا تكمن إحدى أكثر آليات الهيمنة الثقافية خفاء: أن تتحول الفرص المتراكمة إلى دليل على الاستحقاق، ثم يستخدم هذا الاستحقاق لتبرير منح مزيد من الفرص.

لهذا لا ينبغي تحويل القضية إلى مواجهة بين شخص وخصومه، ولا اختزالها في نوايا فرد. القضية الأعمق هي نموذج «الأستاذ الكبير» الذي يسمح بتراكم مواقع القوة حول شخصيات معينة حتى يصعب الفصل بين مكانتها العلمية ورصيدها المؤسسي وشبكة علاقاتها. وعندما يترأس الأستاذ مؤسسة كبرى ويتحرك عبر مجالس ولجان وهيئات ثقافية وأكاديمية مختلفة، يصبح فاعلا مؤسسيا يمتلك رأسمالا يتجاوز إنتاجه العلمي الفردي. هذا ليس عيبا أخلاقيا، لكنه قوة، والقوة لا تدان لمجرد وجودها، وإنما تساءل وتحد.

ولهذا أيضا تستحق عبارة «لم أطلب مناصب ولا سلطة» التأمل. فالسلطة لا تتوقف على رغبة الشخص فيها. قد تأتيه المناصب لخبرته ومكانته، لكن النتيجة السوسيولوجية تظل أنه أصبح يمتلك موقعا يتيح التأثير. السؤال ليس: هل أحب السلطة؟ بل: ماذا يفعل موقعه بالمجال المحيط به؟ وهل توجد توازنات مضادة؟ وهل يستطيع من يختلف معه أن يحصل على الفرص نفسها؟ إن القول إن السلطة لم تطلب لا يلغي أنها أصبحت موجودة.

ومن خصائص النخب الثقافية الناجحة أنها لا تبدو دائما كسلطة. السياسي واضح لأنه يصدر القرارات، أما المثقف النافذ فسلطته أكثر مراوغة: يؤثر في السمعة، ويسهم في فتح الأبواب وإغلاقها، وفي جعل أسماء مرئية وأخرى هامشية، ويشارك في دوائر تحدد ما هو مهم ومن هو جدير. وهذه ليست سلطات صغيرة؛ فهي تسهم في تحديد من يدخل التاريخ الثقافي ومن يسقط منه.

والخطر الآن أن تنتهي أزمة الجوائز بأحد انتصارين زائفين: أن يثبت المنتقدون مخالفة شخص، أو أن يثبت المدافعون سلامة الإجراءات ثم يعتبر الأمر منتهيا. في الحالتين تضيع القضية الأكبر: ماذا لو كانت الإجراءات سليمة والهيمنة قائمة؟ ماذا لو لم يكسر أحد لائحة، لكن المجال نفسه غير متكافئ؟ ماذا لو لم يتدخل مسؤول في لجنة، لكن أصحاب المواقع الكبرى يتحركون داخل شبكة ضيقة تنتج جانبا كبيرا من فرص الاعتراف؟ وماذا لو كان الفائز مستحقا، لكن عشرات المستحقين لم يدخلوا مجال الرؤية أصلا؟

هذه هي المسألة التي تكشفها جائزة الدولة. فالثقافة المصرية لا تعاني فقط من المجاملة المباشرة، بل من تطبيعها حتى لا تبدو مجاملة: تتكرر الدوائر والأسماء، ويستضيف بعضهم بعضا، ويرشح بعضهم بعضا، ويحتفي بعضهم ببعض، ثم يقدم هذا كله بوصفه النتيجة الطبيعية لأنهم «الأفضل». وربما يكونون كذلك بالفعل، لكن السؤال الذي لا يطرح هو: من قال إننا رأينا الجميع؟ ومن أتاح للجميع فرصا متقاربة لكي نقارن؟

وهنا يظهر الوجه الآخر للهيمنة: النبذ. فالنبذ الثقافي لا يقول عادة للكاتب «أنت ممنوع». بل يسمح له أن يكتب وينشر، ولكن خارج مجال الرؤية: لا دعوة، ولا لجنة، ولا منصة، ولا ترشيح، ولا احتفاء. وبعد سنوات يستخدم عدم شهرته دليلا على عدم أهميته. هكذا تتكاثر فرص صاحب المركز لأنه في المركز، وتتضاءل فرص صاحب الهامش لأنه في الهامش، ثم يقدم الفرق بين الاثنين وكأنه فرق طبيعي في القيمة.

ولهذا ينبغي أن نناقش «اقتصاد الاعتراف» نفسه: كيف تتوزع الجوائز والندوات والمجالس والمناصب والتكريمات؟ كم تتكرر الأسماء؟ كم يدخل من خارج المراكز التقليدية؟ وكيف ينتقل الأشخاص أنفسهم بين موقع المرشح والمحكم والمكرم وصاحب سلطة الترشيح؟ فالقول إن اللجان تضم «رجالا ونساء محترمين» لا يكفي. الاحترام قيمة أخلاقية، وليس نظام حوكمة. وكلما اتسع نفوذ الشخص، وجب أن تقل حاجتنا إلى الثقة الشخصية فيه، لا أن تزيد؛ لأن صاحب القوة الواسعة يحتاج إلى قواعد أقوى من حسن نيته.

ومن هنا فإن الرد الشخصي يستحق الاحترام باعتباره حقا في الدفاع عن النفس، لكنه لا يمكن أن يكون نهاية السؤال. بل يكشف، على نحو مفارق، جوهره: فاعل واسع الحضور المؤسسي يدافع عن نفسه بلغة شخصية؛ مكتبي وكتبي، لم أطلب سلطة، الناس تعرفني، تاريخي ناصع. لكننا لا نناقش الرجل في حياته الخاصة، وإنما السلطة داخل المجال الثقافي. والسلطة لا تقاس بما يقوله صاحبها عن نفسه، بل بما يتيحه له موقعه وما يحجبه عن الآخرين.

ولعل أكثر صور النفوذ إثارة للتأمل ليست المتنفذ الظاهر، وإنما المتنفذ الذي يستطيع أن يبدو غير متنفذ؛ الأستاذ الهادئ، صاحب الكتب، الذي لا يحتاج إلى إعلان قوته بينما تتقاطع حول اسمه مؤسسات وشبكات واعترافات. وهذا ليس دليلا على إساءة استعمال السلطة، لكنه سبب كاف لدراستها. فالمهيمن الأكثر نجاحا ليس بالضرورة من يقف على المسرح يصدر الأوامر، وإنما من يصبح حضوره جزءا من المسرح نفسه حتى لا نعود نراه.

وهذه هي مفارقة «الغائب الحاضر»: غائب عندما نبحث عن التوقيع، حاضر عندما نرسم شبكة العلاقات؛ غائب عندما نسأل من أعطى الأمر، حاضر عندما نسأل من يملك المكانة؛ غائب أمام المسؤولية المباشرة، حاضر داخل نظام إنتاج الاعتراف.

ولهذا لا ينبغي أن نحاول إثبات أن شخصا بعينه «يدير كل شيء». الأدق والأقسى أن نسأل لماذا يسمح المجال الثقافي أصلا بتراكم هذا القدر من الحضور الرمزي والمؤسسي حول عدد محدود من الأشخاص، بحيث نضطر كلما نشبت أزمة إلى السؤال: هل تدخل أم لم يتدخل؟ فمجرد تكرار هذا السؤال علامة على خلل في توزيع القوة.

المؤسسات الصحية لا تحتاج إلى رجال فوق الشبهات، بل إلى توزيع للقوة يمنع أن يصبح رجل واحد محور البراءة أو الاتهام. ولهذا لن يكفي إصلاح جوائز الدولة وحدها. المطلوب فتح دوائر الاعتراف، وتدوير المواقع واللجان، وتقليل احتكار المناصب الرمزية، وتوسيع المشاركة بين الأجيال والأقاليم والاتجاهات المختلفة، وإعلان معايير الترشيح والحيثيات، والأهم إعادة رؤية من يعملون خارج شبكات القرب.

فالخطر الأكبر ليس أن تذهب جائزة إلى شخص لا يستحقها؛ تلك واقعة يمكن التحقيق فيها وتصحيحها. الخطر أن يصبح لدينا نظام كامل يحدد من يستحق الاعتراف بينما تظل أدوات الاعتراف داخل دوائر محدودة، ثم يطلب منا الاطمئنان لأن الموجودين فيها «أشخاص محترمون».

المشكلة ليست في احترامهم، بل في احتكارهم لمساحات الاعتراف.

ولهذا، بعد أن تنطفئ ضجة الجائزة، ينبغي أن يبقى السؤال: من يمنح ومن يمنع؟ من يستطيع أن يصنع اسما، ومن يستطيع أن يترك اسما يختفي من دون أن يصدر قرارا بمنعه؟ ومن يحتل من المواقع والدوائر ما يجعل حضوره عاديا إلى درجة أنه يصبح غير مرئي؟

ثم يبقى السؤال الأصعب: كيف نحلل سلطة الغائب الذي لا نستطيع أن ننسب إليه قرارا مباشرا، بينما يظهر أثر موقعه في الخريطة كلها؟ هذه، أكثر من أزمة جائزة واحدة، هي المسألة التي تستحق أن تقلق الثقافة المصرية.

……………………………

*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع