د.نجيمة الرضواني
إن كتاب «سمفونية المفاتيح» عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة للكاتب والناقد الدكتور امحمد أمحور. ويبدو أن العنوان في حد ذاته يشكل عتبة نصية كثيفة الدلالة، تفتح أمام القارئ آفاقًا من التفكير والتساؤل: ماذا يقصد الكاتب بالسمفونية؟ وماذا يقصد بالمفاتيح؟ وما العلاقة بين المصطلحين؟ وما علاقتهما بالقصص القصيرة التي يتضمنها الكتاب؟
إن مصطلحي «السمفونية» و«المفاتيح»، على الرغم من اختلاف مجاليهما الدلاليين، يجتمعان في العنوان ليشكلا علامة مركبة تحتاج إلى تفكيك دلالاتها وربطها بالنصوص القصصية. ومن هنا يمكن القول إن العنوان يحمل دلالات ظاهرة وأخرى باطنية، ويفتح المجال لقراءة تتجاوز المعنى المباشر إلى المعنى الرمزي.
ويمكن الاستفادة، بصورة إجرائية، من بعض المفاهيم السيميائية في محاولة الكشف عن العلاقة بين ظاهر النص وباطنه، دون أن تتحول الدراسة إلى عرض للنظريات في حد ذاتها. فالغاية الأساسية هي الاستعانة بالمفاهيم النظرية بقدر ما تساعد على قراءة النصوص وتحليل علاماتها.
أولًا: دلالة «سمفونية» وعلاقتها بعنوان المجموعة
تعرّف «السمفونية» بأنها: «سِمْفونيّة [مفرد]: ج سِمْفُونيّات: (سق) لحن موسيقيّ فيه طول وتنويع، يعزفه عدد كبير من العازفين» (1). وقد تطور مفهوم السمفونية ليصبح شكلًا رئيسيًا في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، كما ارتبط المصطلح تاريخيًا بالموسيقى التي كانت تؤدى في بدايات الأوبرا الإيطالية. ويرتبط المصطلح بأصل يوناني يدل على اجتماع الأصوات وتآلفها، وهو ما يفتح المجال دلاليًا أمام مفهوم التعدد والانسجام (2).
وانطلاقًا من ذلك، يمكن النظر إلى «السمفونية» في عنوان المجموعة بوصفها استعارة لتعدد الأصوات والتجارب الإنسانية؛ فالحياة نفسها يمكن أن تشبه سمفونية تتعاقب فيها النغمات الحزينة والمفرحة، وتتجاور فيها لحظات الأمل واليأس، والنجاح والإخفاق، والحضور والغياب.
أما المفاتيح فتحمل دلالات متعددة؛ فهي في معناها المباشر أداة للفتح، لكنها في معناها الرمزي قد تحيل إلى العبور والوصول والانتماء واكتشاف الحلول. ومن ثم فإن اجتماع «السمفونية» و«المفاتيح» في عنوان واحد يسمح بقراءة المجموعة باعتبارها مجموعة من التجارب والنغمات التي تبحث عن مفاتيح لفهم الحياة والواقع.
ولهذا يبدو أن الكاتب أحسن اختيار العنوان؛ لأنه لا يكتفي بالإشارة إلى إحدى القصص، وإنما يفتح المجال لقراءة المجموعة كلها من خلال علاقة رمزية بين الموسيقى والنغم من جهة، وتجارب الحياة ومحطاتها من جهة أخرى.
وتتعدد عناوين قصص المجموعة، ومنها: «تعيين»، «سياحة»، «ريادة»، «دخان»، «هذيان»، «زهايمر»، «وانتهى بعتبة النجاح»، إلى جانب «سمفونية المفاتيح». ويمكن النظر إلى هذه القصص باعتبارها وحدات سردية مستقلة، لكنها تتقاطع في عدد من الدلالات الكبرى التي تتصل بتجارب الإنسان وتقلبات الحياة.
ثانيًا: «سمفونية المفاتيح» وعلامة العبور والتواصل
تقول القصة: «قدم من مكان سحيق يتلمظ شفتيه، يستسيغ غصة في الحلق، يلتهم ما جادت به قريحة أستاذ المناهج في مدينة العرفان، جرب كل الحيل للانسلال للحي الجامعي، نجح أخيرا في تجاوز عتبة الحراس، احتضنته الحلقة الطلابية، أخذ أنفاسه، التمس نقطة نظام، حرك حزمة مفاتيح، انهالت عليه تذاكر العشاء، آثار تذكرة طالبة شقراء، تستهويها سمفونية المفاتيح كل مساء» (3).
تحيل عبارة «قدم من مكان سحيق» إلى شخصية قادمة من الهامش أو من فضاء بعيد عن المركز، وتحمل معها رغبة في اختراق مجال مغلق. كما أن عبارتي «يتلمظ شفتيه» و«يستسيغ غصة في الحلق» تقدمان علامات جسدية على الحرمان والتطلع، ويمكن أن يتجاوز الجوع هنا معناه المادي ليحيل إلى الرغبة في الاعتراف والانتماء.
أما عبارة «الانسلال للحي الجامعي» و«عتبة الحراس» فتقدمان علامتين واضحتين على المنع والحدود والسلطة. فالعتبة تفصل بين فضاءين، والحراس يمثلون سلطة تتحكم في عملية العبور. ولذلك يمكن أن يمثل تجاوز العتبة انتقالًا من فضاء الإقصاء إلى فضاء المشاركة.
وفي المقابل تأتي عبارة «احتضنته الحلقة الطلابية» لتشكل فضاءً مضادًا للحراسة؛ فهي ترمز إلى الجماعة والاعتراف والاندماج. ثم تأتي عبارة «التمس نقطة نظام» ذات الدلالة المؤسساتية؛ فالشخصية لا تكتفي بالدخول والحضور الجسدي، وإنما تسعى إلى الانتقال إلى حضور رمزي من خلال طلب حق الكلام والمشاركة. وتبلغ دلالة المفتاح ذروتها في عبارة: «حرك حزمة مفاتيح، انهالت عليه تذاكر العشاء».
فهنا يتحول المفتاح من أداة مادية إلى علامة تواصل؛ إذ تصبح حركة المفاتيح رسالة يفهمها الآخرون ويستجيبون لها. وبالتالي لا يفتح المفتاح بابًا ماديًا فقط، وإنما يفتح إمكانات أخرى للعبور والتواصل والتفاعل. وتأتي عبارة «تستهويها سمفونية المفاتيح كل مساء» لتمنح أصوات المفاتيح بعدًا موسيقيًا؛ فالحركة المادية تتحول إلى صوت، والصوت يتحول إلى علامة، والعلامة تنتج استجابة لدى الآخر.
ومن ثم يمكن اعتبار «سمفونية المفاتيح» علامة على عالم تتحول فيه الأشياء اليومية إلى شفرات اجتماعية ونفسية؛ فالمفتاح لا يفتح الباب فحسب، وإنما يفتح إمكانات العبور والانتماء والتواصل والإغراء.
ثالثًا: اللسانيات النصية وانسجام القصص
إذا حاولنا دراسة المجموعة من الجانب اللساني أو السيميائي، فإننا نستحضر اللسانيات النصية لتوسيع نطاق القراءة والنظر إلى المجموعة بوصفها وحدات سردية متجاورة تتقاطع بينها مجموعة من العناصر الدلالية.
ومن هنا يمكن البحث في كيفية ارتباط الأحداث وتشكيلها وحدة متماسكة، من خلال دراسة اللغة، ووسائل الانسجام، والتركيب القصصي، والزمان، والمكان، والإحالة، والوصف، والشخصيات.
ويظهر ذلك في قصة «سياحة»، حيث يصل السارد إلى ميسور في وقت متأخر من الليل، ويستأجر بيتًا أنيقًا في «فندق البارودي». فنجد هنا زمانًا هو «وقت متأخر من الليل» ومكانين يرتبطان بالحدث: «ميسور» و«فندق البارودي».
وتتغير الحالة النفسية للشخصية بعد تعب السفر؛ فالمكان الجديد يتيح لها الانتقال من حالة التعب إلى الراحة. وهنا ينجح الكاتب في الانتقال من حال إلى حال دون أن يخل ببنية النص، محققًا قدرًا من الانسجام النصي رغم صغر حجم القصة.
رابعًا: الثنائيات الضدية في المجموعة
تنفتح النصوص القصصية في المجموعة على عدد من الثنائيات الدلالية، من بينها: الواقع واللاواقع، الأمل واليأس، الحقيقة والوهم، الهامش والمركز، الأنا والآخر، ومن يملك المعرفة ومن لا يملكها. وقد أشارت الدكتورة إلهام الصنابي في قراءتها للمجموعة إلى حضور الثنائيات الضدية في «سمفونية المفاتيح»، وهو ما يفتح المجال لقراءة النصوص في ضوء التوتر بين هذه الثنائيات. ولا تظهر هذه الثنائيات دائمًا باعتبارها عناصر منفصلة؛ بل قد تتفاعل وتتداخل، بحيث يؤثر أحد الطرفين في الآخر. ويمكن الاستفادة هنا من بعض مفاهيم جاك دريدا في القراءة التفكيكية، ولا سيما مفهوم الاختلاف، الذي يرتبط بتعدد المعنى وتأجيله وعدم استقراره بصورة نهائية داخل شبكة العلامات.
ومن ثم لا يكون الاختلاف مجرد تناقض بين طرفين، وإنما علاقة إنتاج للمعنى بينهما؛ فالأمل لا يُفهم إلا في مقابل اليأس، والحقيقة تكتسب حضورها في مواجهة الوهم، والواقع يتحدد أحيانًا من خلال ما يقابله من لاواقع. ويظهر ذلك في قصة «دبيب الصمت»، حيث تستحضر الكتابة عددًا من هذه الثنائيات، وتلتفت إلى الواقع وتوابعه، وإلى العلاقة بين الهامش والمركز، والأنا والآخر، ومن يملك المعرفة ومن لا يملكها.
ومن خلال هذه الثنائيات يبدو أن الكتابة تتحول إلى وسيلة للتعبير عن الذات ومحاولة فهم الواقع، والبحث عن أجوبة لأسئلة تقلق الإنسان وهو يستشرف مستقبلًا قد يكون غامضًا.
خامسًا: «حصة الشعر الجاهلي» وثنائية الاتصال والانفصال
في قصة «حصة الشعر الجاهلي» يجد الكاتب ضالته في تفكيك عتبات الشعر الجاهلي، ويمكن هنا الاستفادة من منهج ألغرداس جوليان غريماس، ولا سيما ثنائية الاتصال والانفصال.
ويقول النص: «يجد ضالته في تفكيك عتبات الشعر الجاهلي، لايخلق بالكلام الرنان الموسوم بالإنشاد، لذا فضل منهج “كريماص ” في ثنائيته المشهورة الاتصال والانفصال، استشهد بامرئ القيس ثم عرّج على طرفة بن العبد، ليخلص إلى أن النص الشعري يعبق بأريج الحداثة، استأسد المنهج، وتحول النص إلى علامات بكاء لا تكاد تبين (4).
إن المعنى السيميائي لهذا المقطع يمكن أن ينطلق من النظر إلى الشعر الجاهلي باعتباره نسقًا من العلامات والرموز، وليس مجرد كلام موزون. فعتبات الشعر الجاهلي، مثل الوقوف على الأطلال، وذكر الرحلة، والحنين، واستحضار المكان الغائب، يمكن قراءتها باعتبارها علامات تكشف عن حالات نفسية وعلاقات سردية أعمق.
وترتبط ثنائية الاتصال والانفصال عند غريماس بالعلاقة بين الذات والموضوع؛ إذ يمكن أن تكون الذات في حالة اتصال بموضوعها أو في حالة انفصال عنه.
وتتجلى السيميائية في استحضار امرئ القيس وطرفة بن العبد بوصفهما علامتين شعريتين تحيلان إلى تجربة الإنسان الجاهلي في علاقته بالذات والآخر والمكان. كما أن الانتقال من شاعر إلى آخر يمثل حركة دلالية تكشف عن تحولات المعنى داخل الخطاب الشعري.
أما عبارة «النص الشعري يعبق بأريج الحداثة» فتشكل علامة على أن الشعر الجاهلي، رغم انتمائه إلى زمن قديم، يحمل بنيات ودلالات قابلة للقراءة بمنظور حديث. وفي المقابل، فإن قول الكاتب «استأسد المنهج» يوحي بأن المنهج السيميائي أصبح مهيمنًا على القراءة إلى درجة قد تطغى فيها آلياته على النص نفسه. وفي الشعر الجاهلي يمكن أن تتجسد هذه الحركة في رغبة الشاعر في استعادة ما فقده، سواء تعلق الأمر بالحبيبة أو الديار أو الماضي، مقابل واقع الفقد والغياب والابتعاد.
أما عبارة: «وتحول النص إلى علامات بكاء لا تكاد تبين»، فتدل، سيميائيًا، على أن البكاء يتحول من فعل مادي إلى علامة على الحزن والفقد والصراع الداخلي بين الرغبة في الوصل واستحالة تحقيقه. وعليه، فالدلالة السيميائية العامة للنص تتمثل في النظر إلى الشعر الجاهلي بوصفه نسقًا من العلامات والعلاقات، لا مجرد كلام موزون أو إنشاد جميل، ومحاولة الكشف عن المعاني العميقة التي تنتجها ثنائيات الاتصال والانفصال داخل بنيته.
سادسًا: «حقيقة» وعلاقة المظهر بالجوهر
تقول القصة: «نسي أن الحقيقة تقدم في شكل واحد على الرغم من اختلاف تقنيات التواصل، بحث عن تقنيات تواصلية حديثة تجنبه مغبة الحقيقة المرة، لم يتأكد من حقيقة الحقيقة، إلا بعد أن شرب الماء الصافي النابع في كؤوس مختلفة الألوان منها البلوري والعاجي والذهبي والبلاستيكي، فوجد أن المذاق وطعم الماء لم يتغير.. »(5).
ففي البداية «نسي» الشخصية الحقيقة أو غابت عنها، ثم «بحث» عن وسائل جديدة، وبعد ذلك «شرب» الماء من الأوعية المختلفة، وأخيرًا «وجد» أن المذاق والطعم لم يتغيرا. وهذا المسار يحول الشخصية من حالة الشك والالتباس إلى حالة اليقين والإدراك وتكتسب عبارة «الحقيقة المرة» أهمية سيميائية خاصة؛ لأن المرارة هنا لا ترتبط بالضرورة بالمذاق الحقيقي للماء، وإنما تُستخدم مجازًا للدلالة على صعوبة تقبل الحقيقة أو قسوتها على المتلقي. وهنا تظهر مفارقة لافتة: فالنص يبدأ بالحقيقة بوصفها «مرة»، لكنه ينتهي باختبار الماء الذي لا يتغير مذاقه. وهذا يدفع إلى التمييز بين الطعم المادي والمرارة المجازية، يشكل «المذاق والطعم» معيارًا للتأكد من ثبات الحقيقة. فالشخصية لا تكتفي بالنظر إلى الأوعية، بل تنتقل إلى التجربة الحسية المباشرة.
يحمل هذا النص علاقة واضحة بين الحقيقة ومظاهر تقديمها. فالحقيقة، في سياق النص، تشبه الماء الصافي الذي يحتفظ بمذاقه وطعمه مهما اختلف الوعاء الذي يحمله. يشكل الماء الصافي العلامة المحورية في النص. فهو ليس مجرد عنصر مادي، وإنما يتحول إلى رمز للحقيقة، وذلك من خلال مجموعة من الصفات التي ارتبطت به، وأبرزها «الصفاء» و«الثبات» و«عدم التغير».
ويؤدي وصف الماء بـ«الصافي» وظيفة دلالية مهمة؛ فالصفاء يحيل إلى الوضوح والنقاء، وهما من الصفات المرتبطة عادة بالحقيقة. ومن ثم يمكن بناء العلاقة السيميائية (اللسانية) كما عبر عنها دي سوسير من خلال ثنائية الدال والمدلول. الماء الصافي هو الدال، الحقيقة والنقاء والثبات مدلولات (معان) مرتبطة بعلاقة مجازية بالدال، ومن هنا يمكن القول إن الكاتب يقيم مقابلة بين الجوهر والمظهر؛ فاختلاف الأشكال والأساليب لا يؤدي بالضرورة إلى اختلاف الحقيقة ذاتها. وتتحول الأوعية في النص إلى علامات يمكن قراءتها سيميائيًا؛ إذ تمثل اختلافات الشكل والمادة واللون، بينما يبقى الماء ثابتًا بوصفه علامة على الحقيقة.
إن النص لا يكتفي بإبراز ثبات الحقيقة في مقابل اختلاف مظاهرها، بل يلفت الانتباه أيضًا إلى دور المتلقي في الحكم على الحقيقة؛ فالشخصية لم تتأكد من ثبات الحقيقة إلا من خلال التجربة والمقارنة بين الأوعية المختلفة. وهذا يعني أن اختلاف العلامات الخارجية قد يؤثر في إدراك المتلقي للشيء، دون أن يمس جوهره
وعليه، فإن القيمة السيميائية الأساسية للنص تتمثل في تفكيك الوهم القائم على مساواة اختلاف الشكل باختلاف المضمون. فالحقيقة قد تتعدد طرق تقديمها، لكن تعدد الدوال والوسائط لا يستلزم تعدد المدلول ومن هنا يصبح النص دعوة إلى تجاوز سطح العلامة والبحث في دلالتها العميقة، وعدم الخلط بين الحقيقة باعتبارها مضمونًا، والخطاب باعتباره وسيلة لتقديمها
دلالة الألوان والمواد:
- العاجي:
يرتبط اللون العاجي بمادة العاج، التي ارتبطت تاريخيًا بالقيمة والندرة والزينة، ويشير العاج في الأصل إلى أنياب الفيلة، وقد ورد: «والعاج: أنياب الفيلة، ولا يسمى غير الناب عاجًا. والعوّاج: بائع العاج؛ حكاه سيبويه. وفي الصحاح: والعاج عظم الفيل، الواحدة عاجة، ويقال لصاحب العاج: عوّاج. وقال شمر: يقال للمسك: عاج» (6).
ومن خلال السياق يمكن أن يوحي العاجي بالقيمة والأصالة والفخامة، إلا أن هذه الدلالة لا ينبغي فصلها عن السياق الذي وردت فيه داخل القصة.
- الذهبي
يرتبط الذهبي بالذهب، ومن ثم يستدعي دلالات القيمة والرفعة والثراء والتميز. كما أن الاستعمالات المجازية للذهب تمنحه دلالات تتصل بالصدق والنبل والازدهار، ومن ذلك: «لديه قلب من ذهب: قلب صادق مخلص، محب خالص من كل شائبة… ذهبي (مفرد) اسم منسوب إلى الذهب، قفص ذهبي، الحياة الزوجية- عصر ذهبي: حقبة من الزمن، تميزت بالازدهار والمنجزات الثقافية والعلمية» (7). ومن ثم يمكن أن يحمل الكأس الذهبي دلالة القيمة والتميز، مع بقاء الحقيقة التي يحتويها ثابتة.
- البلاستيكي
أما البلاستيك فهو مادة لدائنية قابلة للتشكيل، وقد ورد تعريفه: «بلاستيك [مفرد]: (كم) مادّة لدائنيّة (مرنة) عضويّة الأصل أو مركّبة، يمكن سبكها تحت تأثير الحرارة أو الضَّغط، تقبل التَّشكيل، وتصنع منها أدواتٌ مختلفة» (8).
ومن المهم هنا ملاحظة أن «البلاستيكي» ليس لونًا محددًا في ذاته، وإنما هو صفة منسوبة إلى البلاستيك. ولذلك فإن وجوده إلى جانب «العاجي» و«الذهبي» يخلق اختلافًا دلاليًا يمكن أن يكون مقصودًا من الناحية السيميائية.
فإذا كان العاجي والذهبي يستدعيان مواد ذات قيمة رمزية وثقافية، فإن البلاستيكي يحيل إلى مادة صناعية قابلة للتشكيل. وبذلك تتعدد الأوعية، بينما يبقى الماء واحدًا.
وقد تناول رولان بارت مادة البلاستيك في كتابه «الأساطير»، وربطها بإمكان التحول واتخاذ أشكال متعددة (ليس مجرد “مادة” أو “شيء”، بل هو تجسيد حي لفكرة التبدّل اللغوي والمادي. إنه المادة التي تفتقر إلى الهوية الثابتة، مما يمنحها القدرة على الحلول محل أي مادة أخرى (الخشب، المعدن، الزجاج) (9)
ويمكن الإفادة من هذا التصور في قراءة البلاستيك داخل النص باعتباره مادة قابلة للتشكيل والتحول، دون إغفال خصوصية السياق القصصي.
ومن هنا يمكن القول إن الكاتب لم يختر بالضرورة الألوان الرئيسة، كالأسود والأبيض والأحمر والأزرق والأصفر، وإنما اختار أوصافًا ومواد مختلفة، وهو ما يفتح مجالًا لقراءة أعمق للعلاقة بين الشكل والحقيقة. فالماء النقي واحد، لكن أوعيته متعددة؛ وهذه الأوعية نفسها تحمل صفات ومواد مختلفة، بعضها طبيعي وثمين، وبعضها صناعي وقابل للتشكيل. ومن ثم تصبح هذه الاختلافات علامات على تعدد طرق تقديم الحقيقة، لا على تعدد الحقيقة نفسها.
سابعًا: «على الأثير» وانتقال العلامة من السماع إلى الرؤية
تقول القصة: «في منتصف الطريق أوقفته صفحات مخيلته الغاصة بحلقات من سيرته العطرة … نسي أن هذه السيرة قد سمعها أناس على الأثير ولكي يتخلص من مقولته “تسمع بالمعدي خير من أن تراه” غير جلدته من الأثير إلى المرئي» (10).
تحيل عبارة «في منتصف الطريق» إلى لحظة انتقال أو توقف بين مرحلتين، ويمكن أن ترمز إلى حالة تأمل بين الماضي والحاضر، أو بين ما كان وما سيكون. أما «صفحات مخيلته» فتحيل إلى الذاكرة واستحضار الماضي، في حين تضيف عبارة «سيرته العطرة» بعدًا دلاليًا يتصل بالسمعة الطيبة والقيمة المعنوية للتجربة. وتكتسب عبارة «من الأثير إلى المرئي» أهمية خاصة؛ فهي لا تدل على تغيير الوسيلة فقط، وإنما تكشف عن انتقال من عالم الصوت والخيال إلى عالم المشاهدة والتجسيد.
فالأثير يمثل عالم الصوت والسماع، حيث يشارك المتلقي في بناء الصورة من خلال مخيلته، بينما يمثل المرئي عالم الصورة والتجسيد، حيث تصبح العلامة أكثر تحديدًا.
كما أن عبارة «غير جلدته» تحمل دلالة رمزية؛ فالجلد يحيل إلى المظهر الخارجي، وتغييره يمكن أن يمثل تغيير الصورة التي تقدم بها الذات لنفسها، مع استمرار الجوهر.
وهكذا تتحول القصة إلى تأمل في طبيعة العلامة، وفي كيفية تغير معناها عندما تنتقل من وسيط إلى آخر؛ من الصوت إلى الصورة، ومن السماع إلى الرؤية.
بعد هذه القراءة السيميائية واللسانية لبعض النصوص المختارة من مجموعة «سمفونية المفاتيح»، يمكن القول إن الكاتب والناقد الدكتور امحمد أمحور استطاع أن يقدم واقعًا متنوعًا يمتزج فيه الحقيقي بالمتخيل، وتتحول فيه الأشياء اليومية إلى علامات مفتوحة على أكثر من دلالة.
ويظهر ذلك في لغته وأسلوبه، وفي اختياره للعناوين، وفي توظيفه للزمان والمكان والشخصيات، فضلًا عن حضور عدد من الثنائيات الدلالية، مثل الواقع واللاواقع، والحقيقة والوهم، والأمل واليأس، والهامش والمركز.
كما يكشف عنوان «سمفونية المفاتيح» عن إمكان قراءة المجموعة كلها في ضوء الدلالات السيميائية للسمفونية والمفتاح؛ فالسمفونية تحيل إلى تعدد النغمات والتجارب، والمفتاح يحيل إلى الفتح والعبور والوصول والبحث عن الحل. وقد ظهر هذا البعد بوضوح في قصة «سمفونية المفاتيح»، حيث لم يعد المفتاح مجرد وسيلة مادية، وإنما تحول إلى علامة للتواصل والانتماء والتفاعل والاستجابة.
وفي قصة «حقيقة»، تكشف الكؤوس المختلفة عن تعدد مظاهر الحقيقة وطرق تقديمها، بينما يبقى الماء واحدًا في جوهره والحقيقة واحدة مهما اختلفت الوسيلة لإرسالها وتحقيقها، وهنا تتجسد العلاقة بين المظهر والجوهر، وبين اختلاف العلامة وثبات المدلول المقصود.
أما قصة «على الأثير» فتكشف عن انتقال العلامة من السماع إلى الرؤية، في حين تتيح «حصة الشعر الجاهلي» قراءة تجربة الفقد والحنين من خلال ثنائية الاتصال والانفصال.
وبذلك يمكن النظر إلى المجموعة باعتبارها تجربة سردية تستثمر اللغة والعلامة والرمز في التعبير عن الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر وبالواقع. كما تفتح أمام القارئ مجالًا للبحث عن «المفاتيح» التي تساعده على فهم الحياة بما فيها من عثرات وأمل ويأس، ونجاح وفشل، وحقيقة ووهم.
ولعل القيمة الأبرز التي تكشف عنها المجموعة هي أن الحياة نفسها قد تتحول إلى سمفونية متعددة النغمات؛ بعضها حزين وبعضها مفرح، وأن الإنسان يظل في بحث دائم عن المفتاح الذي يساعده على تجاوز العثرات وفتح أفق جديد نحو المستقبل والأمل
الإحالات والمراجع
(1) أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، ج 2، مادة «سمفوني».
(2) فاروق يوسف إسكندر، «السيمفونيات: قمة التعبير الموسيقي في تجسيد أصوات الآلات»، المجلة العربية، العدد 599، 2013، تاريخ الاطلاع: 10 يناير 2026م.
(3) امحمد أمحور، سمفونية المفاتيح، ص 28.
(4) المرجع السابق، ص 29.
(5) المرجع نفسه، ص 42.
(6) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، الطبعة الثالثة، ج 10، مادة «عوج».
(7) أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، القاهرة: عالم الكتب، مادة «ذهب».
(8) المرجع السابق، مادة «بلاستيك».
(9) رولان بارت، أسطوريات، ترجمة قاسم المقداد، دمشق، سوريا: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2012، ص 151–154.
(10) أمحمد أمحور، سمفونية المفاتيح، ص 46










