د. محمد المسعودي
شكل السفر والانتقال من مكان إلى أمكنة أخرى أفقا هاما للعديد من الكتابات الإنسانية –قديما وحديثا- علمية وأدبية. وقد اتخذت هذه الكتابات أشكالا شتى مثل الجغرافيا والإثنوغرافيا والأنثربولوجيا والتاريخ والملحمة والرحلة… وغيرها، كما تبدى الحديث عن السفر وعن الرحلة في فنون أدبية كثيرة مثل الشعر والمسرح والسيرة والمذكرات واليوميات والرواية وغيرها، بحيث لم تعد الرحلة أو أدب السفر مرتهنا إلى التوثيق والالتصاق بالبعد التسجيلي والحرص على ذكر الحقائق وتقديم تمثيلات الرحالة عن البلاد التي يزورها، إذ صارت الرحلة نمطا من التخييل يشخص مشاعر وأحاسيس وخواطر ورؤى الرحالة المسافر وهو يتفاعل مع الآخر، ومع البلد الذي يزوره، ومع ثقافة هذا البلد في أفق البحث عن المختلف والمؤتلف بين ثقافته والثقافات الأخرى، خاصة أن وسائل الإعلام الحديثة وتطور أساليب التصوير الفوتوغرافي جعلت العالم مرئيا ومعروفا فما عادت من حاجة إلى الكتابة عنه من منطلق جغرافي وتوثيقي تسجيلي، ومن هنا انفتح الأفق التخييلي على إمكانات الإبداع في الكتابة وتطويرها ليعبر عن تمثيلات الرحالة وعن ذاتيته وهو يجول العالم ويتفاعل معه.[1] وقد كانت السينما سباقة إلى توظيف أدب الرحلة في الأفلام من خلال تقديم نصوص وقصص تحكي عن الرحلة بشكل أو بآخر منذ بداياتها، وتطور الأمر حتى وقتنا الراهن عبر محكي سينمائي غزير كانت الرحلة وكان السفر وراء تشكيل متخيله وبناء سرديته السينمائية.
ونحن في ورقتنا هذه نتخذ من نموذجين سينمائيين مغربيين منطلقا لقراءة متخيل الرحلة في السينما المغربية وكيف يتمثل من خلاله المخرج العالم والواقع والحياة، وكيف يجعل شخصياته وهي تنتقل في المكان والزمان تقدم رؤيته السينمائية وتفاعله مع الواقع والوجود والآخر سلبا وإيجابا. وقد اختارت هذه القراءة التعامل مع فيلمين مغربيين أُنتجا وأخرجا في زمنين مختلفين، وهما:
-ابن السبيل لمحمد عبد الرحمن التازي، 1981.
-الطريق إلى طنجة لعبد الكريم الدرقاوي، 2012.
وهما معا ينتميان إلى ما يطلق عليه “سينما الطريق”[2] التي تدور أحداثها في الطريق أثناء رحلة طويلة تمضي عبر كل أجزاء سيناريو الفيلم، والتي تجعل من السفر عبر الطرق والمعابر والمدن والقرى والفلوات أساسا لتشكيل متخيلها السينمائي.
وسنتناول موضوعنا من خلال محاور ثلاثة، وهي:
1-الرحلة إلى الداخل ودواعيها،
2-رحلة في المكان والزمان،
3-نظرة الذات إلى ذاتها وإلى الآخر.
**
1-الرحلة إلى الداخل ودواعيها،
يتخذ فيلم (ابن السبيل) لمحمد عبد الرحمن التازي من الرحلة منطلقا لتشكيل متخيله السينمائي، بحيث يتابع المُشاهد من بداية الفيلم إلى نهايته وقائع رحلة أو سفر كان منطلقها مدينة أكادير وصولا إلى مدينة طنجة. إننا أمام حكاية سائق شاحنة (عمر)-وهو شبه عاطل عن العمل مثله مثل عدد كبير من سائقي الشاحنات- عليه أن ينقل بضاعة إلى طنجة، وعبر حركته ومسار رحلته نرى الأحداث ونطلع على الوقائع، كما نقف على معاناة بطل الفيلم وخواطره ومشاعره وأفكاره ومواقفه ورؤاه، وطبيعة تفاعله مع الشخصيات الأخرى التي يلتقي بها وشاركته رحلته، أو كانت جزءا من أمكنة عبوره ومحطات استراحته أثناء السفر ورحلة المعاناة.
وعبر تفاعل السائق (عمر) مع الوقائع والأحداث والشخصيات ينبني متخيل الفيلم من أفق درامي بين يجعلنا نستشف عبر الصورة، والحركة، والصوت (الكلمة)، والموسيقى وضع البطل وحالاته الوجدانية والنفسية، من جهة، كما يجعلنا نكتشف، من جهة ثانية، وضعه الاجتماعي ووضع الشخصيات الأخرى الفاعلة في الحكاية. ومن خلال هذه المعطيات جميعها نستشف واقع المجتمع أو تمثيلا لهذا الواقع قدمه المحكي السينمائي وفق رؤية إبداعية خاصة بمبدعها –المخرج محمد عبد الرحمن التازي- رام من خلالها تفكيك حالة الذات الجمعية ووضعها. وبذلك، يمكن اعتبار الرحلة في فيلم (ابن السبيل) بمثابة اكتشاف لحقيقة الذات المغربية في فترة الثمانينات من القرن الماضي، خاصة أن الكادر الفيلمي كان يتعمد التركيز على تصوير الطريق، والمدن، ومحطات الاستراحة، والمقاهي، وملامح الوجوه، وسلوكات الناس.. وغيرها من العناصر التي شكلت جزءا هاما من تواتر الأحداث، وبناء محكي السفر فيه.
هذا فضلا عن أن هذه الرحلة بين المدن المغربية كانت بغاية كشف حقائق عن الذات الجمعية المغربية، وكشف ملابسات واقع مختل بدأت تسيطر فيه ظواهر سلبية كثيرة يسعى الفيلم إلى إبرازها عبر متخيله السينمائي ومن خلال سردية واعية بمآزق وضع مضطرب سيكون له تبعات في السنين اللاحقة. وهذا ما سنتناوله لاحقا.
أما فيلم (الطريق إلى طنجة) فيقف، أيضا، على واقع جديد لمغرب بداية الألفية الثالثة، وعن أوضاع أخرى مختلة نجمت عن تراكمات الخلل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقيمي في المغرب العائد إلى سنوات السبعينات وكما شخصها فيلم (ابن السبيل).
يشتغل السرد السينمائي في فيلم (الطريق إلى طنجة) انطلاقا من متخيل السفر ليقوم ب”رحلة نحو الداخل”[3] كما يقول إدوارد سعيد تتغيا الكشف عن تدهور القيم وحالات التراجع الحضاري على الرغم من وهم التطور على مستوى الظاهر. إننا أمام رحلة يقوم بها أربعة شيوخ -في حوالي الستين من عمرهم- يقيمون في “دار للعجزة” بمراكش نحو طنجة ولغاية غامضة وبدافع خفي يتعلق ب(السرجان عيسى) ستكشف عنه الوقائع آخر الفيلم. وعبر هذه الرحلة ستطلعنا السردية السينمائية عن أوضاع وظروف اجتماعية واقتصادية للمواطن المغربي، تماما كما وجدنا في (ابن السبيل)، لكنها تقدم صورة بها بعض الإيجابية تكشف عن تحولات في الواقع وفي الظروف مع ملامسة بعض مناحي الخلل في هذا الواقع. وبهذا كانت هذه الرحلة حفر في الذات الجمعية وكشف عن ملابسات واقع المغرب والمغاربة في بداية الألفية الثالثة. ويكشف الفيلم، بدوره، عن تبدل سلوكات الناس واختلاف الطباع وتغير القيم وتحولاتها في ظل أوضاع اجتماعية واقتصادية متحولة.
وبهذه الكيفية تصبح الرحلة أو تيمة السفر داعية تأمل وتدبر في واقع الذات الجمعية وحالاتها، وهو جانب هام من جوانب الكتابة الرحلية تمثلت في الكتابة السينمائية ومتخيلها الفني.
2- رحلة في المكان والزمان،
تكمن جمالية الأعمال السينمائية من وجهة نظر المتلقي ليس، فقط، في محتواها السردي، وتقنياتها التصويرية وما توحي به فيما يرتبط بموضوعها، وإنما تكمن أيضا في قدرتها على التأريخ لزمن وقوع الأحداث وتوثيقه، وتثبيت صور إبداعية للأمكنة والشخصيات خلال الفترة التاريخية التي تتخذها محورا لمحكيها المتخيل.
وهكذا نجد فيلم (ابن السبيل) استطاع أن يقدم صورة دقيقة عن أمكنة مغربية كثيرة مرت بها شاحنة السائق (عمر)، وكان تركيز الكاميرا على مشاهد بانورامية عامة لهذه المدن وطبيعة الحركة فيها، وخاصة في مقاهي السائقين ومحطات الوقوف. كما أن الكاميرا كانت تأخذ لقطات معبرة لأبواب المدن بما تتميز بها من خصائص معمارية، أو لبعض الشوارع وحركات الناس بها وغيرها من المشاهد التي يمكن اعتبارها توثيقا لمسار رحلة بطل الفيلم، وقد كان هذا التركيز على تصوير المشاهد المختلفة لطبيعة المغرب هضابا وجبالا وبحارا عبر رحلة تمتد من أكادير إلى طنجة فرصة للمخرج والمصور لتقديم فيلم يحتفي بتنوع الأمكنة وجمالها ردا على فيلموغرافيا استعمارية كانت تنمط المغرب في صورة الجنوب الصحراوي باعتباره النموذج الطاغي والأوحد للمغرب.
فيما يتعلق بالزمن يقدم الفيلم صورة دقيقة عن مغرب ثمانينات القرن العشرين من خلال حركة الناس، وطبيعة المدن، وسلوكات الناس، ونوع القيم السائدة في المجتمع. والملاحظ أن المخرج والسيناريست معا ينطلقان من رؤية نقدية للواقع ومن نظرة تعي تحولات القيم في المجتمع المغربي وطغيان ظواهر يقف عندها ويشجبها: السرقة، والمكر والخداع، والجشع، والمتاجرة بالمخدرات، والإجرام، والعدوان ضد المرأة، وتهريب البشر(الهجرة السرية)… وغيرها من ظواهر سلبية بدأت مع فترة الثمانينات وانتشرت ليكون لها نصيب من خلل المجتمع وتحولات قيمه ووصولها في زمننا إلى الحضيض.
أما فيلم (الرحلة إلى طنجة) فيدور في فترة زمنية لاحقة عن فيلم (ابن السبيل)، وهو على الرغم من انتمائه إلى فيلموغرافيا بداية الألفية الثانية إلا أن اشتغاله بالزمن ارتبط بماض سحيق ظل فاعلا وثاويا من خلال محكي (السرجان عيسى) ومن يلتقيه من قدماء المحاربين المغاربة إلى جانب فرنسا سواء في مستعمراتها بشرق آسيا أو في حرب تحررها من النازية. ومن ثم يمكن القول مع الناقد والكاتب محمد اشويكة إن هذا الفيلم:
“يسعى إلى القيام بمشاكسة هادئة ضد قوة الزمن وجبروته، والسعي إلى أن يُصبح الحنين تعبيرا عن المقاومة والرغبة في عدم الخضوع للنسيان أو اللارجوع، ذلك أن الفيلم يتعامل مع الزمن الدرامي بنوع من اللعب الذي يكشف عن استعداد الشخوص في كل حين لتحرير أنفسهم من ضغوطه..”[4]
وهكذا نرى حركة الزمن تجمع بين تصوير الراهن مع استحضار الماضي البطولي وجعل محكيه أساسا في بناء رؤية نقدية ثاوية طي الأحداث.
وإذا كان فيلم (ابن السبيل) قد ركز على مشهدية بانورامية متنوعة وغنية تتعلق بالأمكنة: مدنا وهضابا وجبالا وشواطئ، أو ما يسمى بالأمكنة المفتوحة والفضاءات الواسعة، مع توظيف قليل للأمكنة المغلقة (مقاهي-بيوت..)، فإننا على عكس ذلك نرى فيلم (الطريق إلى طنجة) يركز في مشاهده وصوره على أماكن مغلقة بدءا من دار العجزة ابن تاشفين بمراكش، وانتهاء ببيت ابن صديق (السرجان عيسى)، أما الأماكن المنفتحة فلم نر منها سوى مواقف محطات الطريق، والشارع بالدار البيضاء، ثم بعض أزقة طنجة القديمة، ثم أخيرا “سور المعكازين” بطنجة. ولعل هذا الاشتغال بأمكنة قليلة يساير طبيعة رحلة هؤلاء الشيوخ ومحدوديتها، مع تركيز السيناريست والمخرج على الحكاية وعلى محتواها الساخر الناقد، وعلى ارتباطها بالزمن الماضي أساسا باعتباره زمن البطولة والرجولة والقيم الإنسانية الرفيعة مقابل الحاضر المهزوز المضطرب، ومنه حاضر هؤلاء الشيوخ الذين ألقى بهم الزمن إلى فضاء محدود مغلق شبيه بالسجن في نظامه وفي انحصار الحياة فيه في إطار ضيق. ومن هنا كانت رحلة الشيوخ الأربعة تَعِد بالتنوع والتغير والانفتاح على الحياة وسبر الجديد فيها. وفعلا تمكنت السردية السينمائية من تلمس ملامح لتبدل الأمكنة المغربية وتغيرها على الرغم من شح انفتاح الكاميرا على غنى الفضاءات وتنوعها الكبير، وهي تمر بالمدن المغربية.
3-نظرة الذات إلى ذاتها وإلى الآخر.
ماذا نقصد بنظرة الذات إلى ذاتها؟ وكيف تتمثل هذه النظرة في الفيلمين المشتغل بهما؟ وكيف تنظر هذه الذات إلى الآخر وكيف تتمثله؟
إننا نقصد بنظرة الذات إلى ذاتها تلك الرؤية التي ينظر بها المخرج السينمائي إلى ذاته الجمعية وكيف يقدم تمثيله عنها، هذا فضلا عن نظرة الذات الرئيسة الفاعلة في السردية الفيلمية (البطل) إلى ذاته وإلى الآخر الذي يشاركه الرحلة أو يتقاطع معه في دروبها ووقائعها.
وهكذا نلفي المخرج محمد عبد الرحمن التازي يستند إلى رؤية واقعية شبه تسجيلية وهو يقدم متخيله السينمائي عبر مشهدية تصويرية ترصد الواقع بالكاميرا، وتروي محكيا دراميا قوامه رحلة تعب محفوفة بالمخاطر وسوء الطالع الذي يلقى البطل السائق (عمر). ومن خلال هذه المعطيات جميعا نرى أن تمثيل الذات المغربية كان تمثيلا نقديا يقف عند أعطاب هذه الذات واختلالات القيم فيها، وسيطرة الجانب السلبي فيها على مجريات الحياة. وقد كان هذا البعد التسجيلي جليا في الوقوف عند المشكلات التي اعترضت (عمر) طوال الطريق: سرقة محفظته وجاكتته، اضطراره لبيع بعض صناديق التمر ليتم الرحلة، حمله المخدرات –دون دراية منه- إلى أحد مروجيها بالعرائش، تعرض الشاحنة للسطو وإفراغ حمولة التمر كاملة منها، خيانة (عمر) للأمانة وبيعه الشاحنة للفرار بثمنها نحو إسبانيا في سياق الهجرة السرية، واكتشافه للخداع والسقوط بين براثن الوهم والضياع التام.
بهذه السردية يتم تسليط الضوء على منطق الخداع والخيانة والسعي إلى المال لدى مختلف فئات المجتمع بوسائل غير مشروعة مما يكشف عن أزمة قيم وأزمة مجتمع. وعبر هذه السردية يكشف الفيلم عن تحولات الواقع استنادا إلى رؤية نقدية تشجب الخلل وتطرح السؤال حول سر انتشار هذه الظواهر واستفحال حب المال والجشع والطمع والتحايل والخداع لدى مختلف طبقات المجتمع المغربي، وبهذا كانت نظرة الذات إلى ذاتها في (ابن السبيل) نظرة تقف عند السلبيات وتجلي مختلف تمظهراتها ساعية إلى جعل المتلقي يتأملها ويفكر فيها في إطار دعوة إلى تطهير هذه الذات وحفزها على التغير ومحاولة تجاوز أزمة القيم التي يتخبط فيها. وبذلك نجح المخرج في تقديم رؤية فنية دقيقة عن واقع المغرب أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من خلال فيلم اتخذ من السفر ومن متخيل الرحلة أساسا لتشكيل عوالمه الحكائية وتقديم رؤية سينمائية واقعية قوامها النقد لتمثيل الذات الجمعية المغربية، وعرض نظرته عن واقع الحال واستشراف غموض المآل.
أما عن علاقة ذات البطل بالذوات الأخرى فاتسمت في الغالب بحسن النية والامتثال للقيم والأخلاق وروح التعاون والطيبوبة، ولعل هذه القيم الإيجابية والسمات الأصيلة التي طبعته جعلته ضحية مجتمع مختل كما بينا أعلاه، ومن ثم تحولت رحلته إلى سفر شاق أدى ثمنه قلقا واضطرابا وصراعا وهروبا، وبالتالي اضطراره إلى خيانة الأمانة ببيع الشاحنة والارتماء في أحضان المجهول بعدما رضي بإغراء مهرب من مهربي البشر نحو الضفة الأخرى: إسبانيا. ولعل سلوك (عمر) الإيجابي في مقابل سلوكات الشخصيات الأخرى التي كان ضحيتها تزكي الرؤية السلبية إلى الحياة والواقع التي وسمت الفيلم وجعلت نبرته النقدية الرافضة تتجلى في شكل بين.
وفي فيلم (الطريق إلى طنجة) نجد المخرج يقدم تمثيلا آخر عن تحولات الواقع المغربي وتبدلاته مركزا منذ البداية على واقع الشيوخ في دار العجزة، ليشير إلى تحول جديد صار وضعا قائما مستشريا في عدد من المدن المغربية: التخلي عن كبار السن ولجوئهم للعيش في دور العجزة. وقد كان التركيز على سلوك شخصيات دار العجزة وتفاعلها فيما بينها وطبيعة العلاقة المتوترة أو السوية فيما بينها منطلقا لشجب اختلالات الأوضاع وتراجع القيم. وقد كانت رحلة الرجال الأربعة (عيسى والطاهر وأحمد والصادق) واعدة بتغير حياة هؤلاء وانعتاقهم من شرنقة الانضباط لقواعد دار العجزة وشروطها، وفي الآن نفسه فرصة لإصلاح علاقة (عيسى والطاهر) المتوترة. وقد ضخ المخرج وكاتبا السيناريو في هذه السردية السينمائية قدرا هاما من السخرية وحس الدعابة لإذابة التوتر بين الشخصيتين، ولتقديم تمثيل واقعي شبه تسجيلي أيضا عن المغاربة وأحوالهم وحالاتهم النفسية، وعن واقع الحياة في المدن الكبرى، وعن حال الكبار (الشيوخ) في هذا المجتمع. فإذا كان بعضهم قد لجأ إلى دور العجزة، فإن فئات أخرى منهم تتعاطى أنواعا مختلفة من العمل لتتمكن من العيش وتحقيق البقاء: (الجيلالي بائع الببوش -التايكة الأرملة بائعة الخبز- بوشعيب صاحب الفرن). كما أن الفيلم يركز على وضع الشباب وما يعانيه من بطالة وما يترتب عنها من سلوكات سلبية (الغيبة والنميمة والتحرش والتنمر على الآخرين: مثال نور الدين ابن التايكة وصديقه). وإلى جانب هذه الصور المختلة للواقع يقدم الفيلم من خلال شخصية (السرجان عيسى) نموذجا إيجابيا مَثَله النظام العسكري وانضباطه -على الرغم من النفور الذي يلقاه من الطاهر وبعض من يسخرون من محكيه المتخيل والمبالغ فيه عن بطولته المزعومة- ليكون محركا نحو الحياة، ودافعا للآخرين على امتلاك القوة والإصرار على المغامرة. وفعلا استطاع (السرجان عيسى) أن ينقد رفاق رحلته من مآزق الرحلة، بل وأن يختلق أزمات لهم: مثل أخذ مالهم وهم بدار بائع البابوش الجيلالي لدفعهم إلى تدبير أمورهم بطرق أخرى لمواصلة الرحلة إلى طنجة، ثم إن نماذج مثل الجيلالي وبوشعيب والتايكة هي نماذج للسلوك الإنساني السوي والقيم الرفيعة في التضحية والإيثار وإسعاف الآخرين وتفعيل الأخلاق في المجتمع. أما (السرجان عيسى) فقد مثل الوفاء والإخلاص في أداء الأمانة إذ إن الرحلة من مراكش إلى طنجة عبرت عن التزامه لصديقه بإيصال الميدالية إلى ابنه، وكانت دافعه الأساس لمشاركة رفاقه الثلاثة تعب الرحلة ومتعتها. وبهذه الشاكلة يقدم فيلم (الطريق إلى طنجة) صورة نقيضة للبطل تختلف عن صورة فيلم (ابن السبيل) السلبي المنخدع المهزوم في الثمانينات، لنجد أنفسنا أمام بطل خرج من شرنقة العزلة ودار العجزة لتكون مشاركته للآخرين في الحياة فعالة وإيجابية وقادرة على التحول على الرغم من أنه ينطلق من حنين إلى الماضي وينطلق من قيم الماضي ليتعاطى مع مجريات الحياة والناس.
انطلاقا من كل ما سبق يمكن القول إن سردية فيلمي (ابن السبيل) و(الطريق إلى طنجة) شكلت أفقها المتخيل ورسالتها الفنية استنادا إلى رحلة في الذات المغربية للكشف عن قيمها وعن واقعها الاجتماعي والاقتصادي والعمراني والثقافي، وإن بتفاوتات بين الفيلمين، كما حاولنا أن نبين. وقد نجحت هذه السردية في تقديم صورة دقيقة عن هذه التحولات في زمنين مختلفين حسب محكي الفيلمين، وحسب رؤيتهما النقدية للواقع والحياة. وبذلك لم تكن الرحلة في العملين من أجل ذاتها، وإنما من أجل تقديم رؤية إبداعية عن وضع المغاربة وأحوالهم زمن كتابة السيناريو وصناعة المنتج السينمائي.
…………………………
[1]-حول هذا الجانب انظر كتابنا : الرحلة ما بعد الكولونيالية في الأدب العربي المعاصر، ارتياد الآفاق: دار السودي/أبو ظبي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت، 2021، ص.177-178.
[2] -حول هذا الجانب انظر: محمد عبيدو، سينما الطريق: ذوات قلقة مرتحلة، ضمن كتاب جماعي: أشغال ندوتي الدورتين الثالثة والرابعة لمهرجان رأس سبارطيل، المرصد المغربي للصورة والوسائط، طنجة، 2021، ص.95.
[3] -إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط. 3، 2004، ص. 296.
[4] -محمد اشويكة، السينما المغربية من التراكم إلى الحساسية الجمالية، منشورات سليكي أخوين، طنجة، 2023، ص.75.




