د. رشا الفوال
مقدمة لابد منها عن الكتابات الذاتية:
الكتابة الذاتية من أهم الأدوات التي يستخدمها الكُتاب للتعبير عن أنفسهم، وهى ميدان غني ومتفرّع، يجمع بين التوثيق الأدبي والتعبير النفسي والتخييل الفني، وهي نوع من الكتابة التي تتمحور حول ذات شخصية الراوي، التي تُعبر عن نفسها بطرائق متعددة. في سياق ذلك نجد أن الكتابة الذاتية هي كل نصّ أدبي يكتب فيه المؤلِّف عن تجربته الشخصية، أو عن جوانب من حياته، بصوته هو أو عبر قناع تخييلي. ومن أنواع الكتابة الذاتية:
أولًا: كتابة السيرة الذاتية كنص يكتبه صاحبه عن حياته الخاصة، منذ الطفولة عادةً حتى لحظة الكتابة، بلغة أقرب إلى التوثيق والتأمل. يكون فيه الراوي هو الشخصية المحورية، وغالبًا يكون الحكي بضمير المتكلم. مثال لذلك رواية: يا صاحبىَّ السجن للكاتب الأردني: أيمن العتوم التي ارتكزت على السيرة الذاتية الصريحة؛ لأن الكاتب يذكر اسمه صراحة في الرواية، ويتحدث عن تجربته الشخصية في السجن الأردني عام 1996 عندما كان طالبًا في جامعة العلوم والتكنولوجيا. والرواية مكتوبة بضمير المتكلم، البطل يروي الأحداث من وجهة نظره الخاصة، ويُقدِّم أفكاره ومشاعره وآراءه السياسية والفكرية من داخل تجربة السجن.
ثانيًا: كتابة الرواية الذاتية وهي نص سردي يمزج بين السيرة الذاتية والتخييل؛ يعتمد على تجربة الكاتب الشخصية، لكنه يُقدَّم في قالب روائي، بشخصيات قد تحمل أسماء مختلفة.
ثالثًا: كتابة اليوميات وهى نصوص تُكتب على فترات متقطعة (يومية أو شبه يومية)، تسجّل المشاعر والأفكار، تتسم بالخطاب المباشر. مثال لذلك: رواية القوقعة(يوميات متلصص)، للكاتب السوري: مصطفى خليفة، تقع في المنطقة الرمادية بين الرواية وكتابة اليوميات، ويمكن تصنيفها ضمن نوع أدبي يُعرف بـ”الرواية السيرذاتية” التقوقع فيها كان من أجل خلق مسافة بين الذات والآخر، إذ يقع الراوي تحت وطأة الخشية من تحديد موقفه من صراعات العالم الخارجي
رابعًا: كتابة الرسائل الشخصية الحقيقية أو المتخيلة التي يكتبها المؤلف وتتناول ذاته، مشاعره، أو تأملاته وقد تكون ذات طبيعة أدبية أو فلسفية.
خامسًا: كتابة المذكرات وهى شكل من أشكال السيرة الذاتية يركّز على مرحلة محددة أو تجربة بعينها في حياة الكاتب، لا على مجمل حياته، لا تهتم بالتسلسل الزمني الكامل، وتركز على الأحداث أو التحولات المجتمعية الهامة.
في كتاب: موسم الهجرة إلى الجمال(مذكرات طبيب في الغربة)، الصادر عام 2025م، عن دار الأدهم للنشر والتوزيع، للكاتب الطبيب/ أشرف الحبشي، يمكننا النظر إلى بنية الحكي في الخطاب المذكراتي بوصفها الإطار الذي تنتظم داخله تجربة الكاتب الذاتية، لا باعتبارها وقائع خام، بل بوصفها أحداثًا منتخبة عبر الذاكرة واللغة؛ فبنية الحكي في المذكرات لا تقوم على الحبكة المكتملة بقدر ما تتأسس على زاوية نظر الكاتب أولًا، وموقع الذات والسياقات الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي أحاطت بالكاتب وأثرت في عملية الكتابة ثانيًا. من ثمّ تصبح بنية الحكي مجالًا كاشفًا لوظائف الخطاب المذكراتي بين التوثيق والتأويل، وبين دوافع الكتابة وقدرة الكاتب على إعادة سرد الحدث وبناء المعنى.
المحور الأول: الدوافع وراء كتابة المذكرات
كتابة المذكرات تتم عادة استجابة لعدد من الدوافع والأهداف التي تختلف بالضرورة من كاتب إلى آخر، وتتفاوت في درجة أهميتها وتداخلها؛ من هذه الدوافع:
1_ الرغبة في الفهم والتفسير؛ فالإنسان يكتب مذكراته؛ لأنه يحاول أن يفهم ذاته، ويفسر ما مر به من صدمات أو تحولات أو اختيارات، مع ملاحظة أن الكتابة تتحول هنا إلى تحليل ذاتي غير مباشر.
2_ الرغبة في تخليد التجربة الحياتية من خلال إعادة كتابتها، هذه الرغبة تمنح الكاتب فرصة تغيير ما لم يستطع تغييره في الواقع، وكأن إعادة الحكي والاستدعاء من الذاكرة معادلًا موضوعيًا لفكرة إعادة السيطرة، أو “تفريغ” الشعور القديم بالعجز .
3_ تحقيق أهداف توعوية تصل إلى المتلقي من خلال الوعظ.
4_ إحساس الكاتب بأهمية اللحظات التي ينتخبها.
5_ تثبيت الهوية ومقاومة التلاشي خاصة في أوقات الغربة أو التهجير أو الإحساس بالشتات، هنا تُصبح الكتابة الذاتية وسيلة للحفاظ على الذاكرة والهُوية من الذوبان أو التهميش. حيث يأخذنا الحكي إلى البعد النفسي لسؤال الهوية، فالكتاب يوثق تجربة الغربة والعمل، خاصة ان الغربة في ذات طبيعة مركّبة: امتياز مادي مقابل اغتراب نفسي وثقافي، الكتابة الذاتية هنا قد تكون وسيلة لاستيعاب هذه التجربة الوجودية، ورصد الكيفية التي تحولت بها ذات الراوي في مواجهة بيئة جديدة وشخصيات مختلفة.
6_ السعي إلى الإعتراف، أو لممارسة فعل الكشف أمام الآخرين، كأن الكتابة الذاتية تعكس رغبة دفينة في أن يعترف العالم بوجودنا، بوجعنا، بتجربتنا، الحكي هنا فعل نضالي شخصي للحصول على مشروعية الحضور.
7_ للرغبة المُلحة في التمرد على الأشكال الكتابية المألوفة، أو من أجل مجابهة الوصاية الاجتماعية والفكرية.
8_ فعل جمالي وخيالي؛ فأحيانًا تكون الكتابة الذاتية وسيلة لتحويل الحياة إلى فن، لا مجرد توثيق، إذ أن هناك متعة في خلق شكلٍ جماليّ من مادة الحياة العادية، وتحويل الذات إلى شخصية محكية.
9_ قد يكون سبب الكتابة إثبات الذات إزاء العواصف التي ألمّت بها
10_ الرغبة في البوح وإزاحة اللثام عن الأسرار والكشف عن المغامرات والخيبات. وتقاسم الأفكار مع المتلقي
11_ الاحتفاء بالعصامية؛ لأنه لا قيامة للنص الرحلي بدون فعل تذكر ووصف وصدق فني
12_ تحدي الموت ونزعة الخلود من أسباب الكتابة الذاتية
المحور الثاني: وظائف الكتابة المذكراتية
أولًا: الوظيفية التوثيقية للأحداث والشخصيات والأماكن، يقول في مقدمة الكتاب: ” هذه مذكرات وضعت فيها عصارة القلب وعثراته، وصحوات العقل وسكراته، لطبيب هاجر إلى الغرب حاملًا معه دينه وعروبته، متمسكًا بهما مهما أنقض ظهره حملهما “
ثانيًا: الوظيفة الإبلاغية كجسر تواصلي مع المتلقي، مثال لذلك يقول في الجزء السادس:
” الاستغلال المالي والعاطفي للمرضى النفسيين هو أحقر أنواع الاستغلال، أما أنا فقد فشلت في هذه الحالة ولو جزئيًا في الفصل بين التعاطف والمهنية، واعترفت بهذا الضعف “
ثالثًا: الوظيفة العرفانية التي تستند إلى رصيد الكاتب الثقافي والديني والطبي في مجال تخصصه، فنراه على سبيل المثال يربط بين مكان انتفاضة الأيرلندين عام 1798م ضد البريطانين وبين فترة تواجد الحملة الفرنسية في مصر، ثم استعادة مقطع حزين من أغنية المغنية: ميري بلاك التي تتحدث فيها عن الظلم والعبودية
رابعًا: الوظيفة الفنية التي تتم من خلال التركيز على الغاية من كتابة المذكرات، ومن خلال السمات الأسلوبية التي يستخدمها الكاتب مثل: التناص الديني مع آيات القرآن الكريم وعدد من الاحاديث النبوية الشريفة أولًا، المؤكدات الأسلوبية مثل الاقتباسات، وسرد وجهة نظر الكاتب فيها وسبب الرجوع إليها ثانيًا، والمؤكدات الثقافية مثل المقارنات والاستدلالات ثالثًا.
المحور الثالث: بنية الحكي في الخطاب المذكراتي
ترتبط بنية الحكي ارتباطًا وثيقًا بميل الإنسان إلى المحاكاة، يأخذنا ذلك إلى الكيفية التي تتم بواسطتها صياغة الخطاب المذكراتي، تلك الصياغة التي تتم من خلال انتقاء المواقف والأحداث واللحظات، وترتيب الأفعال المسرودة التي تجعل من الموقف حكاية
*البنية الحدثية: على افتراض أن غاية الحكي هى الحدث(1)، برع الكاتب في انتخاب حدثًا محددًا في كل جزء من أجزاء الكتاب، يتطور ذلك الحدث إلى شىء آخر وأفعال أخرى؛ ولأن الحدث هو الحركة الداخلية للأفعال، ثم المحصلة النهائية لهذه الحركة في آخر الحكاية، يعني ذلك أن بنية الحكاية هى الإطار الذي يقدم لنا الكاتب من خلال الحدث.
*بنية المفارقة: المفارقة نوعان: نوع لفظي، ونوع يكمن في الحدث ذاته، والمفارقة في صلب الحدث تتمثل في لحظة الانقلاب، مثال لذلك قوله في الجزء الرابع: ” في يناير 2006 كان على لأسباب خاصة القبول بالعمل لمدة 6 شهور بطب الامراض النفسية، الذي أجهله تمامًا بصفتي جراح ”
*بنية الزمكان: في الكتاب محل القراءة، نجد أن الكاتب يقوم بتوقيف الحكي من خلال سرد الذكريات الفرعية أولًا، والاعتماد على وصف الأماكن باعتبارها محطات يتنقل بينها ثانيًا، ربما لأن الخطاب المذكراتي لا يخضع لتتابع كرونولوجي صارم، بل يتحرك وفق منطق الذاكرة والانفعال. البعد عن التسلسل الزمني يُعد آلية دِلالية تعكس طبيعة التجربة الإنسانية بوصفها غير خطية.
المحور الرابع: آليات الحكي المركزية
أولًا: بنية الميتاقص: يبرز الميتاقص في الخطاب المذكراتي بوصفه آلية وعي ذاتي بالكتابة، إذ يتوقف الكاتب عند فعل الحكي نفسه، مخاطبًا القارئ مباشرةً بعبارات من قبيل ” الإخوة والأخوات الأعزاء “، أو عبر التعليقات السردية على ما يُحكى أكثر مما تُضيف إلى الحدث. هذا الانكسار المقصود في خطية السرد لا يُعد خللًا بنيويًا، بل ممارسة دلالية تُعيد توزيع السلطة بين الراوي والمتلقي، وتحوّل المذكرات من مجرد استعادة زمنية للتجربة إلى خطاب تفاعلي يعرض شروط إنتاجه وحدود مصداقيته. حيث يصبح تباطؤ الحكي فعلًا تأمليًا يرسّخ البعد الخطابي للمذكرات بوصفها كتابة عن الذات وكتابة عن فعل الكتابة في آن واحد.
ثانيًا: الاسترجاع هو الآلية الأكثر حضورًا في كتابة المذكرات، حيث يُعاد بناء الماضي من موقع زمني لاحق. هنا يعمل الاسترجاع كإعادة تأويل، تتداخل فيه الذاكرة مع انتقاء اللحظات وإعادة ترتيبها، وهو الأمر الذي ينأى بالحكي عن الطابع التوثيقي.
ثالثًا: الانتقائية السردية؛ فكتابة المذكرات لا تحكي كل شيء، بل ما يراه الراوي جديرًا بالحكي. هذه الآلية تكشف عن أيديولوجيا الذات الكاتبة
رابعًا: تعدد الضمائر، نقصد بذلك التناوب بين الضمائر في الخطاب المذكراتي؛ فنجد صوت الذات الماضية بضمير الغائب، وصوت الذات الحاضرة بضمير المتكلم، وأحيانًا صوت موجّه إلى المتلقي واعظًا أو مُبررًا بضمير المخاطب. هذا التعدد يؤدي إلى حالة من التوتر الداخلي أثناء فعل الحكي، وينفي بالفعل وهمية الصوت الواحد في الحكي.
خامسًا: التعليقات السردية التأويلية، كأن يتوقف انسياب الحكي ليفسّر الكاتب حدثًا ما، أو يحاكم الذات الماضية أخلاقيًا أو فكريًا. هذه الآلية تنقل الكتابة من مستوى الحكاية إلى مستوى الخطاب، وتُقحم أطرًا معرفية (أخلاقية، اجتماعية، نفسية) في بناء المعنى. مثال لذلك في الجزء الأول من الكتاب، يعلق الكاتب سرديًا على حكاية المريض الذي لقنته أخته الشهادة ومات مسلمًا؛ فيقول: “كم من شخص يظن أنه ناج وينظر إلى العصاه كأنهم في النار، لكن الله أعلم بالخواتيم، اللهم أحسن خاتمتنا”.
…………………………………………….
المرجع:
1_ أرسطو، كتاب الشعر، ترجمة: جون وارنجتون، مكتبة أفري، نيويورك، 1969م، ص 13











