د. حمزة قناوي
ثمة روايات تضع الناقد في حيرة عند تناولها، من أين يبدأ عرضه لها؟ وتأتي هذه الحيرة عندما تكون هناك مجموعة من النقاط ذات الأهمية الكبيرة في جوهر العنصر البنائي الروائي، وتمثل أهميتها صعوبةً في ترتيب الأولويات بشأن ما يرد أولاً وما يرِد تالياً، لكن في حالة رواية «عودة إلى بغداد» للروائي (أحمد رفل الخليل)، فإن العناصر الفنية، سواء على مستوى المضمون أو على مستوى الشكل أو على مستوى الإبداع الروائي، كل تلك نقاط تحتاج إلى تناولها، كما أن المشكلة الثانية التي تظهر أمامنا أيضاً هي التضافر الموجود بين هذه العناصر لصالح الفكرة الجوهرية للرواية، إذاً نبدأ من محاولة الوقوف على الفكرة الجوهرية للرواية، والقضايا التي تقدمها للقارئ، والفكرة الجوهرية للرواية هي حياة المهاجرين غير الشرعيين، وما يعانيه المهاجر غير الشرعي وما يشعر به وينتاب قلبه ووجدانه، يقول (أحمد رافل الخليل):
«لم يخلق بعد – برأيي – الذي يمكنه أن ينقل في عمل أدبي ما يدور في عقل المهاجر غير الشرعي ساعة يضع روحه على راحة يده ويمضي أماماً في مغامرة الرحيل إلى المجهول. عندما تتدفق في تلك الساعة مشاعر الترقب والخوف لتمتزج في عقل المهاجر مع ذكريات الحياة الأولى التي سبقتها في الوطن وآمال الحياة الجديدة التي ستليها في المهجر في سيل عارم من الأفكار التي تجتاح عقله بعنف ودونما هوادة، تقف الكلمة صغيرة عاجزة أمام هول الأحداث.» ص 75.
يمكننا أن نتخذ من هذه الرؤية جوهراً ننطلق من خلاله في نقد الرواية وفي تحليلها، إنها إذاً رواية عن المهاجرين غير الشرعيين وعن معاناتهم وويلاتهم في بلدانهم الجديدة، لكن الحقيقة أن هذا المستوى وإن كان مستوى رئيسياً من مستويات الرواية، فإنه ليس الأساس، أو لنقل ليس الأساس وحده، فهنا المؤلف يبحث في مستوى ثانٍ أيضاً من العمق، هو مستوى: «ما الذي حدث وجعل من هؤلاء مهاجرين غير شرعيين؟»، كيف وصلوا إلى أن ضاقت بهم أوطانهم، وتقطعت بهم السبل في بلاد الغرب، التي لها دور فيما أصاب وطنهم، قبل أن يتحولوا فيه للاجئين لأسباب إنسانية، ورغم ما يمر به المهاجر غير الشرعي من اضطرابات وصعوبات في بداية وصوله إلى البلد المستضيف، فإنه مع استقرار الحال وقدرته على الاندماج في المجتمع الجديد، والتحاقه بوظيفة وسكن وعيش، وحتى لقائهِ الحب الضائع، فمنهم من يجده ويشعر به، رغم كل ذلك، يفشل الوطن الجديد أن يكون بديلاً للوطن الأم، وتبقى الحضارة السومرية وأرض الرافدين قارةً في نفوس الشخصيات المقدمة هنا، هاجسها الأساسي هو الوطن المسلوب ثلاث مرات، مرة بالظلم والقهر من السلطة السابقة، مما أدى لتسليمه إلى المحتل، ومرة بالاحتلال الأمريكي الغربي، ثم الاحتلال بـ “داعش” وجماعات الإرهاب، هذه الثلاثية المتداخلة التي أضاعت بلاد الرافدين. تأتي الرواية هنا كفعل مقاوم، ضاربة في جذور الحضارة، موغلة في التوجع والألم، مستقرئةً بواطن الشخصيات، ومدققة في المواقف التاريخية، واللحظات الحاسمة. إنها رواية من نوع مختلف.
دائماً كانت هناك مشكلة في التعامل نقدياً مع الشخصيات الروائية عند تحليل الروايات، هل هي دور سيكولوجي له نمط اجتماعي يعبر عن واقع طبقي أو طيفي أو سياسي بحسب الانتماءات المختلفة التي تأتي منها الشخصيات؟ أم هي شخصية ورقية مع ذلك تحمل وعياً أيديولوجياً خاصاً بها من خلال الكتاب والورق، أم هي علامة، تتكون من دال، هو الشخصية ومدلول يتحقق عبر الأقوال والأفعال والوصف في ثنايا السرد، هل حضورها فقط في داخل السرد، أم تمتد إلى خارجه؟([1])، كيف ننظر إلى تنويه المؤلف أنك إذا صادفت نفسك أو أياً من الشخصيات التي تعرفها في هذه الرواية فهو من محض الصدفة وليس مقصوداً، فهي رواية: « … كتبت لتحكي للعالم قصتي وقصتك وقصة كل مغترب رحل عن وطنه وظل يحلم بيوم العودة، وكل مغترب داخل وطنه ظل يحلم بيوم الرحيل.» ص 10
إن الشكل الذي تم به تقديم الرواية يحمل كثيراً من أساليب التجديد والأساليب غير المألوفة، وسنرصد كثيراً من هذه الأساليب لاحقاً، لكن نثبت هنا أولاً ملاحظة عن العلاقة الارتباطية بين الوقائع والأحداث، والشكل،: «بقدر ما يكون الواقع جديداً، يكون النص الأدبي الذي يكشف هذا الواقع ذا شكل شاذ وغير مألوف»([2])، ومن ثم نسأل: هل الواقع الغريب والعجيب الذي تواجهه أجيال كاملة منذ تسعينيات القرن الماضي، مع الأحداث الدامية في العراق، ثم ما تلاها في سوريا وليبيا واليمن، هي السبب في البنية الروائية التي اتخذت في جانب من جوانبها مخاطبة صريحة للمتلقي وإشراكه في أكثر من موضع في عملية إنتاج وتخيل وتلقي الرواية؟ هل نحن بصدد البحث عن أشكال جديدة جوهرها الرواية، وظاهرها محاولة التقارب من الكتب التوثيقية أو التأريخ أو الأفلام السينمائية؟ وهل تنتج هذه المرحلة نوعاً أدبياً جديداً، والشعار المهيمن على مجمل الرواية هو «صراع الهوية»، هوية العربي الذي يواجه واقع الاحتلال والتدمير وضيق وطنه به، واستحالة سبل العيش في وطنه الأم، ثم لا يجد أمامه ملجأً إلا الهرب إلى بلاد الجنود الذين أوقعوا بوطنه، وموَّلوا أعدائه، ليعيش بين ظهرانيهم. واقع أليم نعيشه في وقتنا الراهن، وفي حياتنا المعاصرة!
يرى (بول ريكور) أن الهوية في السرد تتمثل في كونها: «مساراً تكوينياً يصاغ بفن سردي وبحركة تفاعلية بين الأنا والآخر تأسيساً للوجود.»([3])، بيد أن هذا التحليل من (بول ريكور) لما يعرف بروايات الهوية، ينطبق على روايات الموجات السابقة مما يمكن تسميته بالرواية الحضارية، تلك الروايات التي يبحث فيها المؤلف ويستكشف هويته ممثلة في الأنا في مواجهة هوية أخرى مغايرة، هي هوية الآخر، لتبقى هذه الثنائية «الأنا/ الآخر»، المهيمنة على تيارات رواية الهوية، لكن الرواية التي نحن بصددها هنا من نوع مختلف، نوع تتقاطع فيه الهويات وتتداخل، عندما يحدث تزاوج بين أحد أبطال الرواية وامرأة هولندية، تذهب معه إلى بغداد، فنتابع أحداثاً تتصاعد وتتداخل وتتقاطع على نحو في غاية الغرابة.
إذاً في ضوء ما أشرت إليه سابقاً يمكن فهم طريقة التقديم المختلفة في الرواية، يمكننا الآن فهم تنويعات اتبعها المؤلف في محاولة لتأكيد حقيقة الرواية، وأهمية أن يتناولها المتلقي، ليس بوصفها عملاً أدبياً، وإنما بوصفها واقعاً لا يلتفت الكثيرون إلى أبعاده المتداخلة، إن الوارد هنا لا يجدر النظر إليه على أنه من نسج المؤلف، المؤلف فقط قام بكتابة الأحداث، وإضفاء طابع صنعة الكتابة عليها، لكن طوال الوقت هناك تأكيد بأنها أحداث حقيقية، إن الوارد هنا حقيقة يحاول الكثيرون دفن رأسهم في الرمال حتى لا يشاهدوها، وتحمل من الألم ما لا يمكن التعبير عنه، كما أشرنا سابقاً، ومن ثم فإن تقديم ملخص زمني للرواية قبل بدايتها هو تأكيد لهذه الحقائق، وهو ما يذكرنا ببنية الكتب التعليمية في المدارس، عندما يكون هناك ملخصٌ استباقيٌ للدروس الواردة، وجاء تلخيص الرواية مشيراً إلى ثلاثية ممتزجة: الزمان، والمكان، والشخصية، فهي تأتي على النحو التالي:
عبد الله الصقر (مطار كييف، أوكرانيا – سبتمبر 1995) / آمال بنيامين (بغداد، العراق – سبتمبر 2019) / نشأت العفري (تلعفر، العراق – يوليو 1995)/ على يحيى (البيت الأبيض، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأميركية – ديسمبر 2017)، وهذا التلخيص المبدئي للرواية من قبل أن تبدأ يمنحها تأطيراً زمنياً يبدأ من يوليو 1995 إلى سبتمبر 2019، ولن يفهم القارئ هذه التلخيصات الزمنية قبل القراءة، لكنها ستكتسب معاني جديدة عميقة بعدما ينهي عملية القراءة، وفي أي وقت يستعيد هذه اللمحة يستطيع أن يتذكر أحداث الرواية، وكأن الكاتب أراد لهذه الرواية ألا تنسى، أن تكون قابلة دائماً للتذكر، ومستعصية على النسيان.
على النحو ذاتِه جاءت البداية المفارقة للرواية، تلك البداية التي تختلف عن الفضاء النصي، فالفصل الأول يبدأ من الصفحة السادسة عشرة، في حين ما كان قبل ذلك توطئة وتلخيصاً للرواية، ورغم كون الفصل الأول بعيون (آمال بنيامين) فإنه يشمل حضوراً واضحاً للمؤلِّف، يتحدث فيه عن روايته وعن تعقيبات القراء التي وصلت إليه، في حضور واضح وظاهر للمؤلف قلما نجده في الروايات، ومن ثم فهنا “سرد من خارج الرواية”، ومن بعد انتهائها، فتعقيبات القراء على الطبعة الأولى، أو تعقيبات الناشر على المسوَّدات، كلها أمور من المفترض أنها خارج الفضاء النصي للعمل الأدبي، لكن يتم هنا إثبات ما هو خارج فيما هو داخل ومع المفتتح، وتأكيد أن المؤلف هو شخص مثل ملايين الأشخاص الذين اضطرتهم الظروف لخوض هذه التجربة، يقول: «رغم أنني كنت أحد ملايين الشباب العراقيين في تسعينيات القرن الماضي الذين أرغمهم الواقع القاتم والحظر الاقتصادي المرير الذي امتد طيلة ثلاث عشرة سنة على بلدهم أن يتركوا خلفهم أعز ما يملكون ويبحثوا في أرض الله الواسعة عن مكان لا يجور فيه الزمن عليهم.» ص 16-17
هذا المقطع الذي يبدو أنه أُدخِل على الرواية قبل الطباعة، يجعلنا نتساءل: هل ثمة تغييرات أخرى أضيفت أيضاً أم مجرد الاكتفاء فقط بهذا الأمر؟ هناك مخاطبات مباشرة كثيرة بما يحوّلها إلى ثيمة يتبعها المؤلف عندما يقوم بإيقاف الحكي لكي يقوم مباشرة بمخاطبة القارئ، لكن على أي حال هناك ثلاثة تقسيمات جوهرية للرواية تنتظم فيها الفصول هي: 1- الرحيل ، 2- الحياة الجديدة، 3- العودة. والمساحة النصية الأكبر هي لـ “الرحيل”، ثم تليها في المساحة النصية “الحياة الجديدة”، ثم “العودة”، مع أن الرواية تستمد تسميتها الأساسية من “العودة”؛ إلا أن العودة لم تكن برَّاقةً كما بدت في ثنايا الرواية.
وكل فصل من فصول الرواية يحمل ثلاثياً مُهماً: التوقيت، والمكان، والشخصية التي تحكي، أو بمعنى أدق يحكي عنها الراوي، بيد أننا لو نظرنا لها من منظور تقليدي لوجدنا أنها ليست رواية بالمعنى التقليدي للشكل الروائي، ليس هناك بداية وصراع وحل وخاتمة، ليس هناك حكاية وحبكة، وإنما هناك شذرات متفرقة من لقطات وومضات في تاريخ وحياة الشخصيات التي تم اختيارها، تلك الشخصيات التي تختلف في المعتقد، والنوع، وفي الأحلام والطموحات، لكنها تتفق جميعها في أن وطنها قد ضاق عليها ولكي تحيا، بكل معاني الكلمة البيولوجية لكلمة تحيا، كان عليها أن تغادر وأن تخرج من وطنها الأم.
لكن في مقابل هذه التشظي السردي والتنوع الذي ينفلت منه الخيط الرابط، نجدها تحقق ما يقوله (أ.مندولا)، عندما يقول: «فالأثر العام للرواية يجب أن يكون الأثر العام الذي توجده الحياة في الإنسان، لذلك يجب ألا تكون الرواية سرداً أو تقريراً.» ([4])
تشابكات الرواية وجاذبيتها تكمن أيضاً في عدد القضايا التي تطرحها، فبجانب قضايا الاحتلال والغزو والتطرف الديني، تطرح من منظور مغاير التواصل الحضاري، والقضايا الكوزموبوليتانية، يقول في الفصل الحادي عشر: «والآن ماذا بعد؟ ماذا بعد أن وصل الأربعة إلى أرض الحرية المنشودة في أوروبا كما أسموها؟ هل سيتمكنون من عبور حدود التحديات الحضارية والثقافية في حياتهم الجديدة في الغرب المتحرر كما عبروا حدود الجغرافية إليه من المشرق المحافظ؟ هل سيصلون هنا إلى النجاح المهني والاجتماعي الذي حلموا به أم سيضلون الطريق إليه في متاهات القارة العجوز ذات الخمسة وثمانين عرقاً والمئة وعشرين لغة؟ هل سيجدون العدل الذي افتقدوه في الوطن الأول أم سيجور عليهم الوطن الجديد هو الآخر؟ هل سيبقى علي وعبد الله ونشأت فرسان الشهامة وسفراءها القادمين من أرض الرافدين، وهل ستبقى آمال سيدة الوقار الشرقي؟»ص90
رغم ما يمكن أن يوجد من تفاصيل في القارة الأوروبية تغري بالحكي والتسجيل والتوثيق في حياة أبطال القصة الأربعة الذين تُشكِّل مروياتهم جوهر الرواية، إلا أن الجزء الخاص بالتكيف والاعتياد والتأقلم مع تلك الحياة الجديدة، يتخذ حجماً متوسطاً في الفضاء النصي، يمكن القول إن هذه الرواية يمكن لها أن تصبح ثلاث روايات متضمنة، واحدة عن الأحداث في العراق قبل العودة، وثانية عن الحياة في المهجر في الوطن الجديد، ثم العودة، ويمكن لها أن تمتد إلى ما هو أكثر من ذلك، لكن رغم كل هذا فالرواية تتمتع بالتكثيف الدلالي بشكل كبير، إنها مجموعة كبيرة ودقيقة من الومضات السردية التي تكوِّن من تَضامِّها معاً روايةً موجعةً ومُؤلمة للضمير الإنساني وللقارئ العربي، يستخدم فيها الراوي كافة سبل الضغط على وعي المتلقي، ويحفزه لأن يتبنى التخيل والمشاهدة والمعايشة مع هذه الرواية بأقصى الطاقات والحيل الممكنة للراوي. نلمس ذلك في المقطع التالي: «لست من هواة الأفلام إلا عندما تكونون أنتم المخرجين وأنا المتفرج، لأن النص الذي كتبته مرة واحدة يكتب آلاف المرات كما يطيب لكم أن تخرجوه» ص 117
لا أعلم إن كانت عجائبية الأحداث وغرائبيتها هي السبب في محاولة الراوي اتباع سبل جديدة في إيصال الرسالة، أم أن هذا مخطط له من قِبل المؤلف، وأنه بجانب اهتمامه بأمانة سرد ما وقع مع شخصيات الرواية من أحداث، هناك اهتمام بالتجريب والتفجير الدلالي، ومن ثم فنحن بحاجة إلى أن نضع في الاعتبار تلك المحاولات التجريبية في إطار التصنيف الروائي، ومن ذلك الحلم الذي تدور أحداثه في البيت الأبيض، وقيام الراوي على لسان (علي يحيى) باستجواب رؤساء أمريكا الذين كان لهم دور في فقدان العراق حريته، ويحاول أن يتقمص شخصياتهم وردودهم، وتأتي هذه الردود متساوقةً مع خلفياتهم السياسية ما بين الجمهوريين والديمقراطيين، في بادرة توحي بأن هناك وعياً معرفياً عميقاً بالسياسة الأمريكية، وهي خطوة لا أعتقد أن هناك روايةً عربية دفعت في اتجاهها بهذه الطريقة، أو ربما لم تتناول رواية من قبل السياسة الأمريكية على هذا النحو، ليبدو واضحاً لنا أننا أمام كتابة مختلفة جديدة مغايرة تتحدى معايير الكتابة التقليدية، تقدم معرفةً ملمةً بمتغيرات عربية وعالمية تحتاج إلى مزيدٍ من التأمل والتبصر.
……………………………….
[1] – معمري فواز: قراءة سيميائية في مسرحية الطاغية لمحمد غمري، رسالة ماجستير، كلية الآداب واللغات، جامعة المسيلة، 2014، الجزائر، ص 54
[2] – أحمد محمد عطية: الرواية السياسية: دراسة نقدية في الرواية السياسية العربية، مؤسسة مطابع معتوق، د.ت، بيرت، ص 12
[3] – بول ريكور: الهوية والسرد، ترجمة: حاتم الورقلي، دار التنوير، 2009م، تونس، ص 6.
[4] – أ.مندولا: الزمن والرواية، ترجمة: بكر عباس، دار صادر، 1997م، بيروت، ص 26-27.







