مسيح مدينتنا

osama kamal

أسامة كمال أبو زيد

منذ ثلاثين عاما ذهبت إليه، مدفوعا بذلك الحلم الأخضر الذى يسكن الأرواح قبل أن يسكن الورق. كنت أحمل أول نص كتبته بين رعشة القلب وارتباك البدايات، وأمضى إليه كأننى أمضى نحو باب سحرى خفى، خلفه تسكن دهشة الشعر. كان بيته صغيرا وفقيرا، لكنه ممتلئ بذلك الأثير الذى لا يسكن إلا الأماكن التى مرت بها الأرواح النبيلة. الهواء هناك كان مشبعا بوميض الحروف، وبرائحة الكتب القديمة، وبصمت يشبه صلاة طويلة لا تنتهى.

قبلها بأيام كان قد قال لى، وهو ينظر بعينين تشبهان عيون العارفين: الحروف تسكنك فلا تهرب. حاولت أن أهرب، لكن الحروف غلبتنى، وسقطت على الورق كقطرات مطر برية بدون شتاء. قرأت عليه، فأنصت بعمق، واتسعت عيناه قليلا، ثم قال بصوت خرج من بئر روحه: الحروف تختار أصحابها، ونحن مجرد عابرين فى الطريق إليها.

منذ تلك اللحظة، أدركت أن أحمد عبد الحميد لم يكن شاعرا عاديا، بل واحدا من أولئك الذين يهبهم الله قلوبا أوسع من العالم، ثم يتركهم يمشون فى الأرض مثقلين بنورها ووجعها معا. لذلك بدا دائما كأنه “مسيح مدينتنا”. لا لأنه يشبه أحدا، بل لأنه حمل صليبه الخاص فى صمت، وعاش عمره كله منحازا للفقراء والمهمشين والعابرين فى الظل، ولأنه أحب الشعر بمحبة المتصوفين الذين يحترقون بما يحبون.

ولد و”ناصر” ما زال يرسم أحلام البسطاء على جدران السماء. تربى على يقين أن الوطن بيت واسع للجميع، وأن الفقراء ليسوا مجرد أرقام فى الحياة، بل قلبها الحقيقى. ثم تبدلت الأزمنة، وانكسرت الأحلام الكبيرة واحدا وراء الآخر، فوجد نفسه وحيدا فى مواجهة العالم، ولم ينقذه من السقوط الكامل سوى الشعر.

دخل إلى نار الشعر بلا خوف، واحترق فيها حتى الرماد. ومن ذلك الرماد خرج إلينا معلما ورفيقا ومرشدا خفيا لأجيال كاملة من الحالمين. تعلمنا منه أن القصيدة ليست كلمات، بل طريقة فى الحياة، وأن الشعر يمكن أن يكون وطنا أخيرا حين تضيق الأوطان.

فى بيته الفقير كان يتحدث بلغة العارفين، ثم يصمت فجأة كأن الصمت نفسه جزء من قصيدته. يقدس الشعر كما يقدس الرهبان صلواتهم، وينحنى بإجلال أمام أبيات المتنبى، ويجاور أبا العلاء فى وحدته، ويمضى مع سعدى يوسف ومحمود درويش ومحمد عفيفى مطر فى طرق الشعر الوعرة، كأنهم جميعا رفاق منفى واحد وحلم واحد. كان يعرف الشعراء الحقيقيين كما يعرف الفلاح طريق الماء فى الحقول، ويعرف أيضا أن القصيدة لا تمنح صاحبها الخلاص، بل تمنحه مزيدا من العزلة والاحتراق.

وكانت حوله دائما تلك الرفقة التى تشبه قصيدة طويلة لم تكتمل بعد. إبراهيم أبو حجه، ومحمد النادى، وصلاح عساف، لم يكونوا بالنسبة إليه مجرد أصدقاء، بل مرايا متعددة لروحه القلقة. كانوا يجلسون معا كأنهم رهبان شعر قدامى، يتقاسمون الخبز والكلمات وخيبة العالم، ويواصلون الدفاع عن بهاء القصيدة فى زمن فقد الكثير من دهشته. وحين كانوا يضحكون، كان الحزن يطل خافتا من عيونهم، كأنهم يعرفون منذ البداية أن الشعر طريق لا يقود إلا إلى مزيد من المحبة والوحدة معا.

ذات مساء قال لى بأسى عميق: الكتابة مفتاح الفقر. ولم تكن الجملة عنده مجرد شكوى من وطأة الحاجة، بقدر ما كانت اعترافا أخيرا بثمن الطريق. فقد عاش حياته كلها على حافة الشعر، لا يملك من الدنيا إلا قلبه، وبعض الكتب، وذلك الولع القديم بالحروف. كان نبيا منبوذا بطريقته الخاصة، يهرب من العالم إلى القصيدة، ثم يعود من القصيدة أكثر وجعا وأكثر نقاء.

غاب سنوات طويلة، متنقلا بين المنافى الصغيرة التى يصنعها البشر حول أرواحهم. بحثت عنه كثيرا فى الشوارع والمقاهى ووجوه الأصدقاء. وحين عاد، كان فى عينيه رماد غياب طويل. قال لى بهدوء موجع إنه أحرق كراساته وأشعاره. رأيته وقتها كمن يحاول إطفاء النار بيديه العاريتين. وحين استطعت أن أنقذ بعض أوراقه، شعرت أننى لا أنقذ قصائد فقط، بل أنقذ جزءا من روح رجل عاش حياته كلها مؤمنا بأن الشعر يستحق الاحتراق من أجله.

كلانا مضى فى طريقه، لكنه ظل هناك، فى مكان بعيد داخل روحى، مثل جرس خافت لا يتوقف عن الرنين. أراه أحيانا هائما فى وحدته، يتلصص على دفء المودة فى عيون أصدقائه، ويخفى خلف صمته بحارا كاملة من المحبة والخذلان.

أعرف الآن أن لكل مدينة مسيحها الخاص، وأن مسيح مدينتنا لم يكن سوى شاعر حمل أوجاعه وأحلامه فوق كتفيه، ومشى بها بين الناس فى صمت النبلاء. سيعود دائما، مهما اختفى، لأن الأرواح التى صنعتها المحبة والشعر لا تغيب تماما، بل تبقى معلقة فى هواء المدن، مثل صلاة قديمة، أو قصيدة ما زالت تبحث عن نهايتها.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع