من الحجر الصحي.. خمسون رسالة للعدم

حنين طارق

إهداء إلى:

الأخطاء الأولى

لا أحبكِ… ولا أتبرأ منكِ

 

آدي أيام العجب والموت

جات بسرعة زي غمضة عين

ليه مقلتش زي لمح البصر

كنت بتقلب على الجنبين

والكابوس من كل جمب يجيني

-فؤاد حداد

حين خاف الإنسان من الموت اخترع الكتابة، لم تكن العلامات على جدران الكهوف دليلًا على حساب الغنائم أو الطرائد، أو حصر الأغنام بل كانت خربشات مرتعشة تقاوم الموت بطريقتها، تحاول أن تترك أثرًا لتقول: “كنت هنا”.

كل كتابة هي محاولة للخلود، مقاومة للجسد الفاني، الوقت المحدد لنا مسبقًا على هذه الأرض، طريقة للانتصار على فكرة الفناء، حتى ولو كان انتصارًا رمزي يرضي غرورنا الإنساني.

أنا أيضًا حين خفت الموت كتبت، سجلت التاريخ ودونته، ولم أتوقف عن الكتابة، لا لأقول أنني كنت هنا، بل لأقول أنا كنت هنا وكنت واقعةً في الحب، حملته ببسالة وقاومت ضياعه حتى أخر نفس، في وقت كان الحب يبدو وكأنه حادثة جانبية أو رفاهية لا لزوم لها وسط أزمة عالمية ووباء يفتك بالناس، ويسقط الحثث بالمئات في لحظة.

لكن لا، لم يكن أحب أبدًا رفاهية أو أمر جانبي، كان الحب دائمًا هو الأساس، وهو الحدث الأهم والأعظم في كل الأوقات، حتى في وقت الحروب والأوبة، في حين أن الموت يتكرر كل يوم، نادرًا ما يحدث أن يقع أحدنا في الحب!

كنت أكتب ظنًا أننا لن ننجو، قلت لتبقى قصتنا، لنترك آثار الحب والأمل، نسجل مائة رسالة بيني وبين غزال ننسج بهم أسطورة الحب الذي صارع الموت وانتصر عليه، بقيت رسائلي الخمسون مبتورة الرد، لتنسج أسطورة الوحدة والفراغ.

لم ينتصر الحب.. لم ينتصر الموت.. بل انتصر الخوف الذي قيدنا بلا ثمن.

الآن بعد سنوات طوال من الفراغ والعدم، لم يتبقى شيء من القصة، لا الزمان هو نفس الزمان، ولا الأشخاص هم الأشخاص نفسهم، ولا حتى الأمنيات بقيت كما هي، ربما الخوف هو نفسه في كل الأزمنة، ومع كرهي له، إلا أنه محرك قوي، لكن إن قدته ولم تجعله يقودك.

لم يتبقى سوى الرسائل، التي كنت أظن أنني أكتبها لأوثق اللحظة، لكنني أدركت الآن أنني كنت أكتبها لأتجاوزها!

****

 

20/3/2020

عزيزي السيد غزال:

    تحية طيبة وبعد،

لن أسأل عن الحال، فأنا أعرفه، أعتقد أن الكل يعيشون نفس الشعور الآن، شعور التردد بين مقابلة الموت أو الاختباء منه، تقترب الساعة الآن من الخامسة فجرًا، مرَّت ساعة كاملة على أول محاولاتي لكتابة هذه الرسالة التي ربما لن أكملها.

أمسك بقلمك ودفترك وأكتب لك، بينما أتساءل إن كان موضع الهمزات صحيحًا أم لا، على أي حال من يهتم بهذا! لا أعتقد أنك تهتم بهذه الأمور حين تقرأ رسالاتي، لا أستطيع النوم، ولا العمل ولا القراءة، واختنق وأنا أكتب كلمة القراءة بينما لا أعرف إن كان إملاؤها صحيحًا أم لا، حتى الكتابة الآن درب من العبث، أي شيء أفعله الآن هو محاولة واهية لتهدئة نفسي، من يهتم بالأملاء الآن علي أية حال!

أحاول أن أكتب شيء يساعدنا على الصمود، ينسينا ما نعيشه، لكنني أجد نفس أكتب رسالة أنتحار! لا أعرف إن كان هذا تأثير ما يحدث الآن على عقلي، هل أستبق الموت؟ يمنعني غروري من الاستسلام له، فأحاول الوصول له بنفسي قبل أن يصل هو؟ أم أن هذه رواسب تجارب قديمة؟

لكن النص الذي كتبته كان جميلاً رغم ذلك، وبشكا غريب وغير متوقع كان مليء بالتفاؤل ويحث على الحياة!

اسميته “رسالة انتحار مبكرة.. إلى عزيزي المقبل على الانتحار”.

سألصقه لك هنا، لتخبرني رأيك؛

 

عزيزي المقدم على الانتحار:

تحية طيبة وبعد؛

قد تبدو الحياة صعبة جدًّا، خانقة وقاسية لدرجة لا تحتمل، وهي كذلك أحيانًا، لكن ليس دائمًا، هي في مجملها بسيطة يستطيع أغلب البشر التعامل معهابل وحتى هزيمتها في بعض الأحيان، تعطينا هدايا وتمنحنا أوقاتًا مبهجة، قد لا تعطينا بالمقدار نفسه الذي تأخذه منا، ولكنها تعطينا،معروفة جدًّا ولها خطوات موحدة ومعروفة عند أغلب البشر، لا تحتاج سوى الكثير من العمل والقليل من التفكير، نزهة في نهاية الأسبوع وسفرة مرة بالعام لمن يستطيع لذلك سبيلًا، هناك أوقات حزينة لا محال وهناك بعض الأشخاص الذين لن يعودوا أبدًا، لايمكن تغير هذا ولكن بالوقت ستتقبله، ستجد أحبابًا جددًا وستغسلك الدموع، ابكِ واصرخْ كما شئتَ وبعدها سلِّم نفسك للموسيقى والطعام، وبعد فترة سيكون كل شيء على مايرام، وستجد أشياء جديدة تسعدك، هكذا بكل بساطة، دون عقد أو تفاصيل عويصة.

إن لم تستطع فعل كل ما سبق فأنت مثلنا، نحن المتهمين بالوهم، سجنًا خلف قضبان الحزن ولن نستطيع الفرار، أغلبنا لا يجد سببًا لحزنه، فشل هو ومن حوله في معرفة السبب،قاعدة البشر هي أن يستطيع الإنسانُ مِنَّا إكمال حياته وألَّا يسعى بنفسه إلى الموت، وكما أن لكل قاعدة شواذ فلقاعدة الحياة أيضًا شواذ، وهم نحن مجموعة البشر التي أُكل كل ما بداخلهم من أمل، لا نعرف ماذا حدث لنا، بعضنا مرَّ بمصائب في ثقل الجبال وبعضنا كانت أحزانه عادية، لم نتعمد يومًا استصعاب الأمور أو التفاخر بآلامنا حتى أننا لا نعرف أننا مختلفون عن باقي البشر، نظن أن القاعدة هي الحزن والأسى والسعي إلى النهاية، وأن كل العالم من حولنا هم المختلفون المميزون حباهم الله القوى الخارقة لتحقيق النجاح، ربما كان هذا مرضًا منذ الولادة أو خطأ غير مقصود في الإنتاج.

يزيد الجبن والخوف من المجهول حالتنا سوءًا، فحين نقرر أنه حان الوقت لإنهاء الألم والرحيل إلى السكون الأبدي يبدأ العقل في التفكير فيما بعد ذلك، هل يعاقبني الله على ذلك؟ وكيف يعاقبني؟ كم من الوقت قد أمكث في الجحيم بضع سنين أو إلى الأبد؟رغم أنني لا أعرف لِمَ قد يعاقبني الله على هذا؟، فقد أعفيته من مراقبتي وتحديد مصيري، أستطيع تصور كم قد يكون مراقبة هذا الكم من البشر منهكًا حتى مع مساعدة الملائكة، أنا أنامُ ليلتين إن راقبت أخي الصغير ليوم واحد، فلما قد يزعجه فعليّ أن أخفف عليه العبء، وأسوأ تخيلاتي هو ألَّا يكون هناك أي شيء على الإطلاق، أن يكون بعد هذا كله عدم خواء فكرة صعبة ومملة حد الغثيان، أفضل الجحيم على العدم، كما أفضل لو أنني كنت شجاعة لأنهي الأمر سريعًا.

يصعب وصف الألم كما يصعب لمسه وتحديد مكانه حتى إن حاولت اختيار رقم من 1 ل 10 لتحديد شدته لن تستطيع غالبًا ستختار رقم أقل من واحد أو أكثر من 10، كل شيء بات مرهقًا حتى الابتسام، يتحول فجأة كل شيء لعذاب مميت، ذاب الحد الفاصل بين العادي وغير العادي بين ما يستحق الحزن وبين مالا يستحق، هذا ما لايفهمه الآخرون، لا يفهمون أن وجود النعناع داخل كوب الشاي الخاص بي قد يجعلني أبكي لسعات لأني أكره النعناع وأن تأخر سيارة الأجرة دليل على أنني يجب ألَّا أكون على هذا الكوكب، لا يفهمون أن حتى وخزة الدبوس تجعل قلبي يحترق لأيام.

رُبَّما هي عدة تراكمات، عدة سقطات، أو مراتٍ كثيرة من الفشل والتخاذل والخذلان، لايمكنني التظاهر بعد الآن أشتاق لكل من مات وتركني ولا أستطيع اعتياد فراقهم الأبدي، ولا يمكنني التعامل مع نفسي غير المستقرة،أعجزُ عن إكمال أي شيء حتى حزني أبكي لسعات ثم أضحك وأتمشى بنشاط وقد أرقص ثم أبكي من جديد،أنا ممتلئة تمامًا بالألم للحد الذي بت أُصَدِّره للآخرين، كُل من يقترب مني يُصاب بالعدوى أو أحد توابعها.

في البدء سيحزنون سيعتقدون أنني أنانية، وبعدها سيتأكدون من أن غيابي أفضل،إن بقيت لن أستطيع منحهم ما يريدون أبدًا ومع الوقت سيكرهونني ويبتعدون عني واحدًا تلو الآخرولن يشعروا أن هذه قد تكون أنانية منهم، هكذا أفضل بعض الذكريات الجميلة وصورة سعيدة على الحائط يزينها شريط أسود، ويعتادون غيابي بعد عدة أيام أو أسابيع أو حتى أشهر، يكملون حياتهم العادية دون قلق أو وجود شخص ثقيل يجب الاعتناء به.

لن أرحل نحو الربيع بل نحو المجهول، الربيع هنا على هذه الأرض وهو جميل للغاية تتفتح به الكثير من الزهور ويصبح الطقس مبهجًا، الحياة ليست سيئة أبدًا ولكن مع الأسف كتالوج كيفية التعامل معها لم يوزع على الكل؛ حيث كانت كمية الورق قليلة في السماء على ما أعتقد، فقالوا لا بأس أن يهبط البعض دون كتالوجات وإن تعثر أحدهم حتمًا سيعود ليسأل.

مع حبي

 

 حبيبي، اعذرني على كآبتي، أعذرني على تفاؤلي لكن لا أعرف ماذا أفعل؟ حتى أنني لا أعرف ما الذي أشعر به الان، من المؤكد أنني خائفة،  كل ما حولي يزيدني خوفًا وحيرة، وتشويشًا، كان برأسي كثير من الكلام، كثير من الوعود والأمنيات، كثير من المشاعر التي أريد أن أصفها لك، لكن ما الحيلة، إن كان الإنسان نفسه عاجزًا ألا يعجز القلم؟!

كل ما يحدث الآن يرعبني، ولا أستطيع أن أتعامل مع الأمور بسلاسة وطبيعية، كل الأشياء الآن عملاقة، حتى إنني على يقين أن النملة التي رأيتها في مطبخنا تنتظر أن أنام حتى تلتهمني! لكن من بين كل الحوادث الرهيبة أكثرما يرعبني هو أنني قد لا أتمكن من رؤيتك غدًا، أن أفوت وداعًا يليق بك، أن أتركك دون عناقٍ أخير -ربما أخير-.

  لا أعرف أي الأشياء هو الأصح، رؤيتك أو عدمها، الآن وجهان لعملة واحدة، هي الخوف، أن أراك الآن في هذه الظروف مع العدو الصغير الذي لا يمكننا رؤيته، خاصة في مكاننا الوحيد الذي أعلم تمام العلم أنه غير آمن، كيف أعرضك لهذا؟ كيف أقدملك قنبلة على أنها قبلة؟ وكيف أجعلك تتوغل فيَّ وأنا حقل ألغام؟ بل كيف أبث فيك أنفاسًا قد تسري فيك كالسم؟

  وعلى الجهة المقابلة من عقلي، أفكر فيما لو لم أرك، لو لم أعطكَ قُبلة الوداع المؤقت؟ لو لم أستأنس بعناق أخير؟ إن مِتُ؟! ما الدليل على أنني كنتُ معك؟ ما الدليل على أنني أحببتك؟ عقلك؟! متى كان العقل يريحنا من الوسواس يا صديقي؟ متى كان العقل ينصفنا؟ متى استجاب لنا وجعلنا نشعر بأي أمانٍ حتى ولو زائفًا؟!

  ماذا أفعل؟ -أعرف أنك لا تملك الإجابة- أنا أيضًا لا أملكها، ولا وقت لديَّ للبحث عنها، حاولت أن أنهض وأن أهوِّن عن نفسي قليلًا لكني لم أستطع، ثم حاولت أن أقنع نفسي بأن أتزين حتى أكون جميلة حين ألقاك، لكنني لا أريد، بل أريد أن ألقاك كما أنا الآن، بكل عيوبي، وسواسي القهري، وثرثرتي، هالاتي السوداء، وبعض الشعيرات الزائدة في جسدي. نعم أريد أن أراك كما وكأنني وأنت وحيدين في الصحراء.

  كنت كثيرًا ما أُغني لك مازحةً-مع أنني لم أكن أمزح- “بخاف عليك وبخاف تنساني” الآن لا مانع لديّ، انساني لا بأس، لا أخاف من هذا، أعرف كيف أجعلك تحبني من جديد، عليَّ فقط أن المس تلك البقعة الصغيرة في قلبك، عليَّ ألَّاأستمع إليك أبدًا حين تطلب مني الابتعاد، وأن أكون عنيدة لأستطع تكسير قيودك التي تمنع بها نفسك عن العالم، وسأنجح كما نجحت من قبل. لكنني الآن أخاف عليك، أخاف أن يصيبك مكروه، حينها سأنتهي، حينها لن أستطيعإعادتك أبدًا.

  الآن أفهم بكل وضوح كلام سوزان، أنا أيضًا سأكون يائسة إذا ما توجب عليَّ الموت بعيدًا عنك، وأن موتي معك يبدو لي مصيرًا مشتهى، حتى إنني أرى أنك الوحيد الذي يستحق أن أموت معه، لا أحد غيرك، من بين كل من أحبهم أنت الوحيد الذي لا تغيب عن فكري، وأنت الوحيد الذي أحب أن أقضي معه آخر أيامي.

                                                                                            مع حبي 

***

21/3/2020م

عزيزي السيد غزال:

تحية طيبة وبعد:

حدثَ ما كنتُ أخشاه بالفعل، لم أستطع الخروج، منعتني أمي، ولم أملك أي حجة لثنيها عن موقفها، فهي للمرة الأولى تمنعني من النزول سبب منطقي، فالأمرُ الآن خطرًا، والأفضل أن يلتزم الكل منزله، ثم كيف أجرؤ على الغضب أو أتذمر من قرارها، وأنا التي أعنفهم جميعًا الآن، أنظف طوال الوقت، أجبرهم على التزام المنزل، على غسل أيديهم كل 5 دقائق، وفجأة أريد أن أكسر كل القواعد التي وضعتها أنا، فكيف سيلتزم أخي الصغير بعدها، فإن كان رب البيت بالدف ضاربًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقصُ.

   سئمت هذا العبء الذي أحمله فقط لأنني ولدت أولًا، عبء أحمله دون إرادة مني، يطلب مني التصرف وفق وجوده، عليَّ أن أكون قدوة، ومثلًا أعلى، ومثالًا، ورب المنزل الخفي ورجله الثاني، سَئِمتُ ضرورة وجودي وارتباطي بكل ما يتعلق بهم، هذا الارتباط الذي يحبونه ويعلنونه دائمًا، والذي أكرهه وأنكره في سري، رغم تأكدي من وجوده.

أنا حزينة جدًا، ومتوترة حتى إنني نقلت هذا التوتر لكل من حولي، وأنت أولهم، وإجابتك عليَّ حيرتني وترتني أكثر، لا أريدك أن تسافر قبل أن أراك، لا أريدك أن تسافر! “اهدئي، لن أسافر اليوم، ولن أسافر، اهدئي” ماذا حدث، وماذا تعني بكلامك، هل قررت أن تبقي هنا؟ هل طرأ أمر جديد بخصوص عملك وستستمر في العمل من القاهرة؟ ما الذي تريد أن تخطط له ولا تريد أن تخبرني؟

عرضت عليَّ “فيروزة” أن نعيش عندها هذه الفترة، قد يكون هذا من ألطف العروض التي قُدِّمَت لي وأكثرها سخاءً، حتى وإن كان يجب عليّ تقديم شيء مقابل له، حتى إن كان مجرد مجاملة لطيفة، لكنني حاليًّا أفكر في الأمر بجدية، حتى وإن لم يكن عند فيروزة، ما المشكلة أن نعيش معًا هذه الفترة؟ ما أسوأ شيء قد يحدث، لا يهمني.. لا يهمني أبدًا، لا أريد أن أموت بعيدةً عنك.

   بعد محاولة انتحاري الفاشلة، بتُ أملك فكرة واضحة عن الطريقة التي أريدُ أن أموت بها، أريدُ أن أقيم حفلًا جميلًا، أدعو فيه كل أصدقائي، أطهو لهم أصنافًا عديدة من الطعام والسلطات، نرقص ونأكل، ندخن، نشرب النبيذ والبيرة، ثم بعد ذهابهم في الليل وعلى ضوء خافت، وموسيقى نحبها، بعدها نستلقي معًا، نستجمع كل قوتنا المتبقية من يومنا الطويل هذا لنراقب النجوم لدقائق، بعدها أدخنُ سيجارة بين ذراعيك وأموت. هكذا بكل بساطة  تكون آخر ما أراه وآخر ما ألمسه.

  هل تعلم أنني لا أملك أي سلطة أو وصية على جسدي، إن متّ سيفعلون به كل ما عجزوا عن فعله أثناء وجودي، لا أستطيع اختيار ما سيحدث له، لا يمكنني أن أطمئن أنني لو مت سيتم التعامل معه كما أريد، بل على العكس تمامًا، سيكون مشاعًا، سأدفنُ على طريقتهم، وفي المكان الذي يريدون، لا توجد أي طريقة أضمن بها أن أعامل كما أريد، ولا حتى عن طريق القانون. حتى أنني سألت صديق لي محامي عن الأمر سألته ببلاها “هل إن كنت متزوجة زواجًا عرفيًا يمكن أن أوصي زوجي بهذا الأمر” الغبي ظن أنني متزوجة حقًا وأواجه مشكلات لأثبات الزواج، لكن بعد توضيح الأمر قال لي “عقبال ما نثبت الجواز تكون الجثة عفنت”.  

  لن أقول إنني أكره أهلي تمامًا، لأنني سأكون كاذبة عليك وعلى نفسي، لكنني لا أعرف أيضًا إن كنتُ أحبهم أم أن هذا مجرد إحساس بالشفقة تجاههم، ما أنا متأكده منه أنني لا أنتمي إليهم، ولا حتى قليلًا، لا أريدُ أن أموت هنا، لا أريدُ أن أموت معهم.

أخبرني حقًا، ماذا يمكن أن يحدث إن هربنا هذه الفترة، أعتقد أنني نستطيع تدبر أمر نفسنا لبعض الوقت، أنت تعمل وأنا أعمل، كما أنني أنتظر وصول بعض المال، وبعد انتهاء الأزمة نفكر كيف سنعود أو لا نعود لا يهم.

  سأحاول مع أمي مرة أخرى غدًا، علها توافق، أحاولُ اليوم أن أخفي حزني ودموعي، حتى لا تشك في شيء، وألهي نفسي في الطعام والتنظيف حتى أهدأ.

دمت بخير دائمًا يا غزالي

مع حبي

 

****

22/3/2020

عزيزي السيد غزال

تحية طيبة وبعد :

    الساعة الآن العاشرة صباحًا تقريبًا، لم أنم جيدًا، ربما ساعات معدودات، مع ذلك أشعر أنني أفضل وأهدأ، الجو منعش اليوم رغم كل ما به من توتر الناس وعرقهم وخوفهم، أستطيع أن أرى الصباح صافيًا من شباكي بينما أكتب لك، عله صباح الخير يا حبيبي، أتمنى أن نتمكن من اللقاء اليوم، لسببٍ غير معروف أنا أكثر تفاؤلًا اليوم، حتى أن هناك يقينًا خفيًّا ينتابني ويقول لي إنني سأراك، أتمنى ألَّا يخيب ظني هذه المرة.

أجمل ما سيكون في لقائنا هذه المرة، أننا سنكون بمفردنا، فكل مرة أشعر بتوتر بسبب وجود الآخرين، هذا التوتر النابع أصلًا من توتري وقلقي أنا منهم، لكن اليوم لا أحد فقط أنا وأنت، تعرف كنت أتمنى حقًا، ولو تمكنت يومًا من إطعامك، وجعلك تتذوق الطعام الذي أعدّه أنا بنفسي، فأنا حين أحب أحدًا أحبُّ أنْ أطعمه، كنت أؤجل هذا دائمًا، لأنني أحب  هذا المطبخ، ولأنني إن حملت لك طعامًا من عندي سيكون عبارة عن قطع ثلج قبل وصوله لك، وأكنت أصبر نفسي دائمًا بأن مازالت هناك فرصة، وها نحن الآن لا نعلم ماذا سيحدث في الدنيا، ولا نملك من أمرنا شيئًا.

  على أية حال مازال النهار في أوله، لا أعلم ماذا سيحدث فيه، ربما يخبئ لنا القدر شيئًا جميلًا، شيئًا يجعلنا سعداء، رغم أنني لا أعرف بالضبط ما هي السعادة، ولا أستطيع أن أضع لها تعريفًا، لكن ربما تكون الرضا، وأنا أشعر بالرضا حين أكون بجانبك، وأنت هادئ ومبتسم، وتحديدًا حين تكون نائمًا وأنت ممسكٌ بي بشدة.

كن بخير حتى ألقاك

                                                                                                     مع حبي

****

23/3/2020

عزيزي السيد غزال:

تحية طيبة وبعد:

    أعتقد أنني لا أكتب التاريخ عادة، بل ربما لا أهتم به على الإطلاق، ليس في الرسائل فقط، بل حتى في الاختبارات وأوراق العمل الرسمية، ونادرًا ما أهتم بتاريخ اليوم الذي أعيشه، لكنني حريصة جدًّا على كتابته في هذه الرسائل، وكأنه نوع من التوثيق لي، توثيق يدل على وجودي ربما، يدل على أنني فعلًا أعيش هذه الفترة، أوثق ما يحدث لي، وكيف أتغير في زمن الوباء عن طريق الكتابة إليك.

عندي مشكلتان تؤثران، بشكلٍ ما على مقالاتي، في الحقيقة، هما سياقان، أتجاهلهما عن عمدٍ أحيانًا، ودون عمدٍ أحيانًا أخرى، السياق التاريخي، والسياق الجغرافي، فحين أكتب عن الأغاني الشعبية مثلًا، أجد نفسي تائهة، كأنني في صحراء واسعة وحدي دون بوصلة، ألملم الكثير من المعلومات، كما أملك الأفكار، وكيفية التحليل، ومخزونًا من الأغاني يكفي لمائة مقالة، لكنني ببساطة لا أضعها في سياقها التاريخي والجغرافي، فأجدني كما يقول التعبير الشعبي “محتاسة” أملك كل هذه الأفكار وخلافه ولا أعرف كيف أرتبها، تمامًا كالتي تملك مكونات الكعك ولا تملك إناء.

   هكذا يضيعني عدم وجود سياق في الكتابة، كما يضيعني في الحياة أيضًا، فإن كنتَ تشكو أنت من كثرة الحواجز والأطر التي تضعها حول نفسك، فأنا أشكو من خلو حياتي تمامًا منها، لا في علاقتي بالناس، ولا بالعالم، ولا بالرب، ولا حتى إطار أو سياق واحد يخبرني أين أنا.

  إن كنت أزلت أنا بعض الجدران من حياتك، قد علمتني أنت أنني بحاجة لبعض الجدران الطيبة التي تحميني وتحدد لي المسار في بعض الأمور، وهكذا نفعل أنا وأنت منذ تقابلنا، تعلمني كيف أبني جدرانًا وأعلمك كيف تصنع الأبواب في جدرانك، فحين تشرح لي معلومة أو تحكي لي قصة -حتى لو أنني أعرفها جيدًا- تذكر لي دائمًا بعد كان ياما كان التاريخ والمكان، حينها أجد أن أمورًا كثيرة في تلك الحكاية التي كنت أظن أنني أعرفها جيدًا تتضح، وتصبح رؤيتي لها مختلفة تمامًا، وتغدو أكثر من مجرد معلومة، بل تصبح بابًا على عالم جديد، ونبراسًا عتيقًا يمكن أن أرى به أشياء في المستقبل.

   لا أعرف لِمَ أكتب مثل هذه المقدمة الطويلة الآن، ولِمَ أتحدث عن أهمية التاريخ، فليس هذا الغرض من الرسالة أصلًا، أكتب بالأساس لأوثق ليلة أمس، وأحكي عنها مرة أخرى، بل آلاف المرات بعد أن عشتها، لأكتب مشاعري التي لا أستطيع وصفها بالكلام عادة، عن السعادة الفظيعة التي اعترتني حين وافقت أمي وتركتني أخرج أمس، ركضت وكأنني أركض من سجن، حتى إنني نسيت الكتاب الذي كنت أريد أن أقرأ لك منه.

  ربما حدث هذا، لأنني آمنت به في داخلي، ألم أخبرك في رسالة أمس أنني كنت متيقنة بلا سبب بأنني سأراك، وقد حث بالفعل، يذكرني هذا بأمر قلته لي مرة؛ حيث كنا في مكان وكان من الممكن تعذر دخولنا إليه، وفجأة تيسرت الأمور بشكل غريب ودخلنا في النهاية -لن أذكر لك أين ومتى- قلت لي حينها: “أحنا دخلنا عشان كنتي عايزة تدخلي أوي وكنتي مصممة من جواكي على ده، عشان كنا عرفنا ندخل والموضوع متعقدش…طاقتك دي هي اللي عملت كده” ورغم أن طاقتي كثيرًا ما خذلتني، فإنني ممتنة أنها لم تفعل هذه المرة.

   أكتب لك بينما أحاول محاولات فاشلة السيطرة على دموعي، أريد البكاء بشدة، داخلي حسرة طفل كسرت لعبته التي اشتراها للتو، أمسك البكاء بكل قوتي، حتى لا أسأل عن أشياء لن أستطيع الإجابة عنها، اتشتت أترك الورق…أعود كما أن الدموع في مقلتيّ والخوف يأكل قلبي، أعلم أن بكائي يزعجك، لكن مع ذلك أبكي رغمًا عني.

رغم كل شيء، كان الأمس من أفضل أيامي، من الأيام التي ستظل عالقة في ذهني، وسأحكي عنها كالقصص الخرافية لأحفادي إن أصبح لدي أحفاد، أن أقضي ليلة معك وحدنا، أن أطهو لك وأطعمك بيدي، أن أشاهد فيلمًا بينما أنا بين ذراعيك، أن أتجول معك من دون خوف، لا تعرف ماذا يعني هذا لي، حتى لو كان لمرة واحدة، حتى لو لم يحدث بعد ذلك مطلقًا.

   يوم ميلاد فيروزة ورجوعنا لبعض مرة أخرى، آخر يوم بالكرنفال، وأمس، من الأيام التي لا يمكن أن أنساها، أيام سأضحك وأنتشي وأشعر بالفخر كلما تذكرتها، وسأحكي عنها دائمًا كواحدة من أهم إنجازاتي، وأهم ما حدث لي، فخر بأنني كنت دائمًا أنا، فخر لأنني لم أخف، فخر لأنني كنت شجاعة لكسر أي شيء يقيدني، شجاعة لأحبك رغم علمي الكامل بأن هذا الحب سيجعلني أتالَّم بالقدر نفسه الذي سيجعلني أفرح.

شيء أخير، إن أستطعت أن أمشي لك تعبيرًا عن شكري وامتناني أنك أحضرت لي ديوان “حصار” فربما أمشي من بيتي لدرب التبانة ولن يكون كافيًا لوصف امتناني، كان هذا الكتاب ومازال من أهم ذكرياتي وأكثرها شجنًا ولطفًا، قد تعلم أن اهتمامي بالكتب التي تعطيها لي نابع بالأساس من اهتمامي بك.

مهما حدث تذكر دائمًا أنني بيتك وعد إليّ…

 

****

24/3/2020

عزيزي السيد غزال:

تحية طيبة وبعد،

      تسافر اليوم…الآن…تبتعد بقدر لا أستطيع تصوره…أتذكر نظرتك لي بالأمس، أتذكر رأسك الملوح ناحيتي كل دقيقة، لتراني لمرةٍ قد تكون الأخيرة، أعترفُ لك الآن أنني بكيت لساعات، بكيت في السيارة التي كانت تقلني إلى المنزل. بكيت أثناء استحمامي.. قبل نومي.. بكيت حتى ذبلت عيوني من البكاء.

حين كنت صغيرة أقسمت أنني لن أقع في حب رجل بيني وبينه مسافة، مهما كانت هذه المسافة صغيرة، حتى إن تزوجته وأنجبت منه وقرر هو السفر بعدها لأي سبب، سأطلب الطلاق.. لأنني لن أعيش وحدي أبدًا، ولن أتحمل ألم الشوق، ببساطة لن أكون مثل أمي أبدًا..أبدًا، وها أنا تدور عليّ الرحا وتسخر الحياة مني، تجعلني أنقض كل قسمٍ قسمته يومًا.

الآن لا أعرف ماذا عليّ أن أفعل؟ كيف أخرج من هذه المحنة دون أن أفقد عقلي؟ رائحتك حولي في كل مكان وفي كل جنب، إلى أين أهرب وكيف أهرب وهي معي.. في جسدي، التصقت بي تمامًا، حتى أكاد ألا أجدني، أشمها.. فأبحث عنك فرحة.. فلا أجد سوى السراب.

أتساءل إن كنت أنت تشم رائحتي؟ أم أنها تزول من مخيلتك سريعًا؟ سألتك بدلًا من المرة ألف.. ترى بماذا تذكرك رائحتي؟ في كل مرة تقول أنك ستخبرني وأنا بين أحضانك ولا تفعل، لأنك نسّاي، تنسى، وأنا أنسى كل شيء ما أن أراك، والآن لا أعرف إن كنت سأكون بين أحضانك مرة أخرى.. ومازلت لم أعرف بما تذكرك رائحتي!

كل مرة تسافر فيها أكون خائفة جدًّا ألا تعود، أن يسرقك الأهل والماضي فتبقى معهم وتنساني، إلَّا هذه المرة لست خائفة منهم، ولا من حنينك لهم، خائفة من الظروف والمرض فقط مثل كل الناس الآن، ليس هذا كما تعتقد بسبب أنني صدقت كلامك بأنك لا تنتمي إليه، -وإن كان هذا الكلام الذي تقوله حقيقيًّا- ولكن لأنني رأيت في عينيك هذه المرة شعورًا لم يكن موجودًا من قبل.

تُعد الفترة الانتقالية –أي الفترة التي افترقنا فيها عن بعضنا البعض كما تحب أن نسميها- رغم ما سببته لنا، أو على الأقل لي من ألم.. من أهم مكاسب علاقتنا، فقبلها لم أكن أرى في عينيك قط هذا القدر من الحب، نعم كنت حنونًا وكنت تحبني، لكن لم تكن تحب أن تُظهر هذا لي، لم تكن تثق في شعورك، ولا حتى في شعوري أنا.

في هذه الأوقات كنت أشعر أنك تخفيني عن نفسك قبل الناس، كنت أخاف أن أقول لك أنا أحبك، لأنني أعلم جيدًا أنني لم أتلقِ أي رد منك، لن أحصل على أي شيء سوى تلك النظرة القلقة الغاضبة، كما كنت أخاف أن أصرح لأحد بأنني معك حتى لا يزعجك هذا –رغم معرفة الكل بأننا معًا حتى ولو لم نصرح- كنت أبذل جهدًا عظيمًا وقتها كي أداري غيرتي عليك، كل هذا فقط حتى لا أفقدك.

أما بعد أن عدنا، فأشعر أن كل شيء قد تغير تمامًا، كبرت أنا قليلًا وصرت أكثر ثقة في مشاعري وأقل حرجًا منها، كما أنك بتَّ أكثر ثقة في حبي لك، علمت أنه لا يوجد أي شيء يمكن أن يمحيه، لا وجاهة ووسامة كالذين يملكهما “ي”، ولا تجربة مجنونة وتحدي كالذي يمثله “بي بي”، وهكذا صرت تقول بصوتٍ عال وبوضوح إنك تحبني، حين تألمت في بعدي تأكدت من إنك تحبني.

منذ يوم رجوعنا يوم 29 ديسمبر 2020، يوم احتفالنا بعيد ميلاد فيروزة وأنا أشعر بحبي في قلبك يزداد يومًا بعد يوم، بدا هذا واضحًا مهما أنكرتُ وقلتُ،أنكرتُ وقلتُ إن درجة حبي في قلبك كانت ومازالت كما هي، فأنا أقول لك لا، زادت، والدليل على هذا أنك أخيرًا فككت قيود قلبك ونفسك أمامي، ومنذ هذا اليوم وأنا على يقين أنني لن أفقدك مجددًا أبدًا، فأنت “هون بقلبي” وسأحملك دائمًا وأينما كنت ستكون معي إلى الأبد.

لا تنساني في عزلتك

وأخبرني حين تصل سالمًا

مع حبي.

 

حنين طارق

11 مقال
كاتبة وشاعرة مصرية صدر لها: ـ الموال المصرى.. تنويعات أدبية ـ دراسة ـ أمشي بعقارب الساعة ـ شعر ـ أحرس…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع