نهلة أحمد
عادة ما تكون العائلة محطة الانطلاق لكثير من المخرجين في أعمالهم الأولى، سواء كانت درامية أم وثائقية، المكان الذي ينبشون فيه طويلًا بحثًا عن منشأ ذواتهم. يكمن السبب الأوضح في الرغبة الدائمة للفنان في فَهم من أين جاء، والتعامل بعين ناضجة مع البيئة التي شكّلته بشكل أو بآخر. لكن السبب الذي لا يمكن إغفاله أيضًا هو الخيط الذي تنسجه العائلة ويمتد دون انقطاع إلى أجيال وأجيال لاحقة ليربط مصائرهم سويًا. لهذا يظل الأمر هاجسًا يطارد البعض كثيرًا، وتأتي مسيرة المخرج أبو بكر شوقي السينمائية، رغم حداثتها، في رأيي مثالًا على ذلك من خلال أفلامه الروائية الثلاث يوم الدين، هجّان، وأخيرًا موضوع هذا المقال فيلم القصص.
العائلة في أفلام أبو بكر شوقي
في عوالم أبو بكر تحرك العائلة أبطاله، تؤثر وتتأثر بهم على حد سواء. في فيلميه السابقين، يوم الدين (2018) وهجّان (2024)، ينطلق بطلا الحكاية في رحلتهما مدفوعين برغبة إنسانية خالصة في الحفاظ على شعور الانتماء للجماعة. فينطلق بشاي على الطريق تاركًا خلفه مستعمرة الجذام التي عاش فيها حياته بأكملها، بحثًا عن عائلته البيولوجية، لتدلّه الرحلة على مفهوم جديد للعائلة. ويضطر مطر إلى الاتجاه لسباقات الهجن كيلا يخسر ناقته حفيرة، التي يتمسك بها كآخر أفراد عائلته بعد وفاة شقيقه، وليُثبت أحقيته في إرث عائلته ومكانته وسط أقرانه.
أما في فيلمه الأحدث، القصص، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وصدر في دور العرض المصرية منتصف الشهر الماضي، تأتي العائلة كقوة محركة لأحداث القصة وأبطالها. يقرر أبو بكر العودة إلى ماضي عائلته ويستلهم منه حكاية أحمد عازف البيانو الذي لا يملك سبيلًا إلى الفكاك من عائلته برغبته لا رغمًا عنه، في خضم تحولّات مجتمعية وسياسية تزعزع استقرارهم.
هل على أفراد العائلة الواحدة أن ينتهوا إلى نفس المصير؟
كابنة لعائلة غالبًا ما ينتهي أمر أفرادها إلى مواجهة نفس المصير حتى وإن تعددت أشكاله، لم يسعني سوى ملاحظة ملامح هذه اللعنة، إن جاز لي القول، على أسرة أحمد التي تلاحقها الهزيمة كوحش ضارٍ من نسل إلى آخر فينتهون تمامًا من حيث بدأ أسلافهم في حلقة مفرغة.
في فترة تمتد من الستينات وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، في بيت متوسط الحجم يكاد يسعهم وتغلب عليه ملامح الطبقة الوسطى، يرصد فيلم القصص هزائم أفراد هذه العائلة واحدة تلو الأخرى يوازي بعضها البعض. في جيل الآباء نجد الأم فيروز (نيللي كريم) التي تكتب بشكل بسيط مجريات يومها ومشاعرها في دفاترها، أو ما يُسمى في عصرنا الحالي بال Journaling، لكن تُخفيهم خوفًا من موروث قديم يُنذر بهلاك أي عائلة بها كاتب، وهو هاجسها الأكبر.
والأب راغب (أحمد كمال) الذي يعمل في وزارة الزراعة، ويرفض قبول ترقية كان من شأنها أن تُغيّر حياتهم لأنه نطق بكلمة محرّمة في أحد برامج التلفزيون وقضى من بعدها أيامه يرتعد خوفًا بين جدران منزله. أما العم حمادة (صبري فواز) لا يزال يعيش على أطلال عمله في فرقة أم كلثوم يومًا ما، وأضاع ما تبقى من عمره يلاحق شبح فوز فريق الزمالك ولو لمرة، ليموت قبل أن يحضره.
أما في جيل الأبناء، يتم استدعاء حسنوف (أحمد الأزعر) توأم أحمد للانضمام للجيش المصري وبعدها تقع حرب أكتوبر ويسقط شهيدًا بها دون أن تتسنى له فرصة اختبار الحياة. والأخ الأوسط شرف (خالد منصور) عاش طوال طفولته يحلم باللعب لفريق الزمالك، حتى أنه أمضى أغلب وقته في التدريب خارج أسوار ملعب الزمالك علّهم ينتبهون له، لكن انتهى به الأمر عاملًا بغرفة ملابس الفريق، ليكن هذا أقصى ما وصل إليه.
وأحمد صاحب النصيب الأكبر من الحكاية، الذي سافر إلى مدينة فيينا ليلاحق حبه الذي وُلد بين أوراق المراسلات البريدية وحلمه بأن يصبح عازف بيانو كبيرا، اتخذ خيار العودة إلى وطنه بعد استشهاد توأمه، وقرر الاستقرار به والعمل على إقامة أولى حفلاته الموسيقية. لكن الفشل ظل يطارده مرة تلو الأخرى، وألقت الأزمات الاجتماعية بظلالها على مستقبله، وكأنه يعاقبه على عودته، حتى آل به إلى مقعد مدرس بيانو غير قادر على أن يتولى منصب رئاسة القسم.
هذه عائلة منهزمة تمامًا. تعيش على هامش الحياة وكأن عليها الانتظار خلف الستار إلى الأبد. حتى مع موجود انفراجة من حين لآخر، وانتصار هزيل مثل فوز الزمالك المُنتظر وعزف أحمد للبيانو المُذاع على الراديو، فما هو إلا ليذكّرهم بجمال ما فاتهم، وما كان يمكن أن يكون.
أثناء مشاهدة الفيلم عاد إلى ذهني فيلم مقرّب من قلبي للغاية، الفيلم التسجيلي احكيلي لمخرجته ماريان خوري، فلعنة الأجيال التي ربطت عائلة أحمد لم تتهاون عن فعل الأمر ذاته مع عائلتها. في نهاية فيلم احكيلي تحدثت ماريان عن قرارها التمرد على هذه اللعنة لتكون الفرد الأول في عائلتها الذي يكسرها. ورغم أنني أعي أن أبو بكر أضاف الكثير من الخيال على قصة عائلته بما يكفي لتحويلها إلى فيلم درامي بالكامل، إلا أنني لا يسعني سوى التصديق بأنه أيضًا، كما ماريان، تمرّد.
العائلة وما تمثله بشكلها الخاص والعام
ومن خلال هذا التمرد، يطرح الفيلم تساؤلا أعمق حول المساحة التي تشتبك فيها مصائرنا، بين حياتنا الشخصية وتاريخنا المشترك. وإن كان ذاك الخيط الذي يربطنا قدريًا أم نتاج أنماط مجتمعية متكررة. ومن هذا التشابك يُولد مفهوم متجدد للعائلة.
اعتمد أبو بكر خلال الفيلم على الانتقال في سرد الأحداث بين الخاص والعام بشكل متصل، كاشفًا عن انعكاس كلٍّ منهما على الآخر. قصص أفراد هذه العائلة ليست بمعزل عن القصص التي تدور بالخارج، بل أحيانًا يتلاقى الاثنان فينقطع الحد الفاصل بينهما ويمتزجان معًا.
ويؤكد المخرج على هذا من خلال التزامن الذي يخلقه بين الأحداث الجلل التي تضرب البلاد والأزمات الشخصية التي تعصف بأهل البيت، كحرب أكتوبر التي أفقدتهم جزءًا منهم، والعم الذي توفى بالتزامن مع أحداث انتفاضة الخبز، ووالدتهم التي تلت وفاتها الكثير من الاضطرابات والتحولات التي مرت بها الدولة، وكأنها نهاية فصل آخر مأساوي في الحكاية.
يرفض أبو بكر بشكل واعٍ الفصل بين العائلة التي تعيش داخل المنزل والعائلة الكبرى خارجه، بأسلوب يوازن بين الدراما والكوميديا يقدم في فيلم القصص مفهوم أكثر اتساعًا وشمولية للعائلة، يحتضن بداخله جميع أبناء الوطن، الذين يتعرضون سويًا لهزيمة تلو الأخرى ولا يُعزيهم سوى مساندتهم بعضهم البعض، والانتصار على الحياة من حينٍ لآخر، تمامًا كما عاشت عائلة راغب وفيروز.











