ببراءة الأطفال وطموح الملائكة

art

ألفت عاطف

-1-

لا أذكر تحديدًا سني حينما شهدتُ أول مذبحة في حياتي، يومها أكلَتْ قطتنا أحد صغارها بعد ولادته ببضع ساعات. أظن أني كنت أبلغ من العمر بضع ساعات أيضًا!

ظننت أنها تزيل الغشاء المخاطي المحيط به كما فعلت مع الآخرين، لاستكمال عملية استحضاره للعالم؛ لكنها بعد أن تركته وحيدًا متكورًا على نفسه وسط بسطة السلم الفسيحة الساطعة الإضاءة، وعند سماع أول مواء يقترب، انقضَّت عليه. أحكمت عليه فكيها وحملته لركنها المظلم. رأيت الصغير على عتبة فمها يتحرك، حركة واهنة تكاد تُرى، كنبض غير منتظم في صدر شيخ يحتضر، وبعد برهة، كان قد اختفى بالكامل في جوفها.

عاشت القطة في بيتنا لأعوام بعدها. كنت خلالها أتسلى بالتحديق في جسمها، فقد ظلت في بطنها تلك الحركة الواهنة التي تشبه النبض غير المنتظم في صدر شيخ  يحتضر، ولم تتوقف حتى موتها، عندما وجدناها وسط بسطة السلم الفسيحة الساطعة الإضاءة، وقد بقرها شيء ما.

 

-2-

ربما كانت نشرات الأخبار هي السبب، أو الأغاني الحماسية، أو أفلام الكرتون، أو ثأر قديم وُلدت به وسأموت معه، أو ربما كلهم مجتمعين. المهم أن الفكرة كانت دومًا موجودة في مكان آمن وخصب من وعي طفولتي.

“يومًا ما سأمتلك قوة خارقة كأبطال الأفلام”

كانت بداية لطيفة مع «بيتر بان»، ومغامراته في «نيڤرلاند»؛ لكن مع مزيد من نشرات الأخبار، أدركتُ أنه على الرغم من خطورة «كابتن هوك» وعصابته، فهذه الجزيرة البديعة حيث تسكن الجِنيَّات المضيئة والأطفال دائمو الطفولة، لا تشبه واقعنا في شيء. لقد صار التلفاز بالوعة مفتوحة على بيتنا. كان أقرب ما يكون لمؤخرة الشيطان التي لا تتوقف عن قذف خراء العالم في غرفة معيشتنا بلا انقطاع! وحينها تبددت صورة «نيڤرلاند»، وحلت محلها صورة “جوثام”

الحياة في «جوثام» كريهة ومظلمة. لم تقدر سِنِي عمري القليلة على تزويدي بالوسائل الدفاعية المناسبة لحماية عقلي، حينها ظهرت العفاريت في حياتي. كانت تعويذة استحضارهم هي الشعر؛ الكثير منه.

تعاويذ الشعر غيرت كل شيء، لا لم تغير؛ بل أظهرت. كان اكتشافًا ثوريًّا لأرواح الأشياء، الجمادات والأماكن والبلاد والحيوانات والأشجار، النجوم والأمطار والطين وأبراج الكهرباء وقضبان القطار، أحداق الناس وأصابع أيديهم، والشعيرات المنتصبة على سواعدهم. عرفت أن كل شيء حي يتنفس ويتكلم ويبعث برسائل في الفراغ؛ حتى أنه لا يملك روحًا واحدة؛ بل هو منخرط في عملية تناسخ أرواح أبدية، تفريخ لا نهائي ينتج عن لقاء كل عنصر بآخر، والقابلة هي استعارة ما.

بالإضافة إلى أن عصِي الاستعارات السحرية، قادرة أيضًا على تحويل الأشياء، واستئصال أرواحها وزرعها في أجساد أخرى، قادرة على دمج الملامح، وبترها ووصلها وعجنها وخبزها.

وجدت نفسي في مطبخ بحجم العالم؛ حيث يتم طهي كل شيء وتحويله لغذاء شهي، حتى أنني اكتشفت على الطاولة هناك قائمة طعام مخصوصة، تحوي أصنافًا لذيذة وحارة ومشبعة، مصنوعة من القبح والمآسي. الشعر يمكنه تحويل المذبحة لقصيدة في منتهى العذوبة، ستجعلك تصفق بعين دامعة، بدلًا من أن تقطع شرايينك بعين مفقوءة. وفي هذا المطعم العملاق، أُصِبت باضطراب الشهية المفرطة، وبدأتُ في أكل العالم.

هل كانت هذه هي قوتي الخارقة؟

بالطبع لا؛ لكنني كنت مغمورة بالنشوة، فالتهمتُ الحلم ومضغته على مهل، حتى يبقى طعمه لأكثر عدد ممكن من السنوات.

وخلال هذا الوقت العابر، ازدادت شهيتي شراسة وسطوة، لم تعد تكتفي بالتهام الشعر والأحلام. صارت تطالب بالمزيد، فهي لا تطعمني وحدي؛ بل كانت مسؤولة عن تغذيتي أنا وعفاريتي، وإبقائنا جميعًا على قيد الحياة، وهنا بدأتُ في التهام الواقع.

كانت أول قضمة من الواقع من جدار بيتنا القديم، ولم أقدر على التوقف بعدها، أُصِبت بالسعار، وأكلت كل الحوائط والأعمدة إلى أن تداعى فوق رأسي، وأهلي أطعمتهم لعفاريتي. صارت لهم ملامح شديدة الوضوح والتحديد. ذات مساء وقفت جوارهم أمام المرآة، فجفلت لمَا رأيت، لقد كانت العفاريت أشد وضوحًا مني! فهمت ليلتها أنني -دون وعي مني- قد أكلتُ نفسي! بكيت كثيرًا، ثم احتضنت أحدهم، ونمت بضعة أعوام.

متى استيقظت؟ لست متأكدة

هل استيقظت؟ لست متأكدة كذلك

في الحلم؛ رأيتني واقفة في شرفة بيتنا مع أمي، نحدق سويًّا في الأشجار الكثيفة والحقول المترامية على امتداد البصر، هكذا كانت تراها، وهكذا كنت؛ لكن الأمر لم يعد كذلك. كنت واقفة هناك أسألها بذهول: ماما.. لماذا يبدو كل شيء مثل (الچيلي)

فصمتت.. ثم ذابت.

يبدو أنني أكلت أكثر مما يجب. أكلت كل الأشياء إلى أن تبقَّى فراغ مضيء، ثم أكلت الضوء، فتبقى فراغ مظلم، ثم أكلت الفراغ والظلام، فتبقى هذا الذي لا يمكن وصفه

ظلام أبيض؟ لا؛ لكنني سأقولها مجازًا وتجاوزًا.

في الظلام الأبيض، لم أتوقف عن ابتلاع العالم، على الرغم من أن الأمر لم يعد ممتعًا؛ لكنه صار حتميًّا، قهريًّا، غريزيًّا، أيًّا كانت الكلمة المناسبة.

“أدري أنك لا تخاف الطفل حيًّا

إنما أدعوك صدقًا

أن تخاف من الصغار الميتين”[1]

أذكر الليلة التي أكلتها فيها، كانت صعبة المضغ، جهنمية المذاق؛ لكنني تمكنت من ابتلاعها عدا آخر كلمتين.

تبًّا لتميم، الصغار الميتون لم ينزلقوا في المريء، انحشروا في فوهة قصبتي الهوائية، فأُصبت بالاختناق لعدد من السنوات، إلى أن تمكنت من ابتلاعهم. ابتلاع الجثث صعب في البداية؛ لكن الكثرة تورث الاعتياد.

“الحب ليس حبة أسبرين

نتناولها عندما نشعر بالصداع

وليس نكتة خفيفة

نتداولها في أوقات الضجر

الحب…

شهادة ولادة دائمة

نحملها برأس مرفوع

لنخترق شارع المذبحة”[2]

حشرتُها في فمي بسرعة ولعنت رياض، تبًّا لهم جميعًا.

التهمت كل الذكريات والدموع والأمراض النفسية لكل من أعرف، والحب، كل الحب على الأرض، وكل الأطفال، وكل المخيمات، وكل الطيور والزواحف.

صرت امرأة سريالية على خلفية كلاسيكية، أبدو عليها كدُمل أو كحدبة أو كجمجمة تتدلى من شجرة كريسماس. أحوص في اللوحة التي لا أشبهها. أبحث عن ثغرة في الإطار أو بوابة في السماء؛ لكن الإطار محبوك والسماء محكمة الغلق، والرسمة مثالية تمامًا ومعلَّقة وسط مذبحة. أمعن النظر في الخارج، فأدرك مع الوقت أنني بقعة دماء لطخت سطح اللوحة الكلاسيكية. ولدت وسط المعركة، تفجرت من صدر ما، فحملتني مقدمة رصاصة من ضلعه ورشقتني في قلب اللوحة.

ثم شطر الإطار الوجود إلى نصفين!

لقد تعبت، وأُصبت بالتخمة. لم أعد أتسع للعالم. صرت أتقيأ بلا انقطاع

“فأين أخفي وجهي المشوها

كي لا أعكر الصفاء الأبله المموها

في أعين الرجال والنساء”[3]

أذكر أنني تقيأتها في حفل عيد مولدي، وفي عشاء رومانسي على ضفة النيل. تقيأت صرخة مونش!

كان لا بد من إنهاء هذا الوضع. عيادة الطبيب النفسي هي البالوعة المناسبة لإفراغ كل هذا.

«سيفيد (الزولام) لبعض الوقت»؛

هكذا قال،

«(اللاموتريچين) كذلك أثبت قدرًا من الفعالية. ربما مضاد للذهان أيضًا»، ابتسم، وابتسمت، ثم أفرغت معدتي في وجهه.

كنت حمقاء عندما اعتقدت أن حبس القيء في جوفي هو العلاج. لقد نجحت العقاقير في ذلك بالفعل؛ لكن ما حدث بعدها كان أسوأ

“أن ألف ذراعي اليسرى حول كتفك

واليمنى حول كتف العالم

وأقول للقمر: صوِّرنا”[4]

ظلت ملتصقة بجدار معدتي كالغراء، لم تنفجر من فمي هذه المرة.

اكتشفت أن القيء يملك من الخصوبة ما يجعله قادرًا على الإنبات بسرعة مخيفة، إذا ما توفرت له الظروف المناسبة، في صوبة آمنة ومظلمة ومستقرة. وقد كنت أنا تلك الصوبة المثالية.

أول فرع لاحظته، كان بكرًا رفيعًا لينًا، وجدته يتدلى من جفني الأيسر، قصصته بسرعة؛ لكن فرعًا آخر أكثر صلابة اخترق عيني الثانية وامتد أمامي، إلى أن اصطدم بباب الغرفة المغلق بإحكام. أصابني الهلع. انسللت من هشيم الباب بصعوبة مؤلمة. كل جزء متبقٍّ منه كان أشبه ما يكون بخنجر يمزق جلدي؛ لكنني تمكنت من تجاوزه. غادرت المنزل وركضت في الشارع بعين مفقوأة من الداخل، وجسد لا يتوقف عن إنبات الفروع،

وفجأة؛ انبثقت من سيقاني مئات الجذور، وضربوا جميعًا في بطن الأرض. تعثرت، سقطت، واصلت الإنبات والتشعب والتجذر بسرعة انفجار عظيم آخر،

تفجر رأسي؛

تفتت عقلي وذُرَّ  في الهواء؛

التصقت كل ذرة منه بفرع، وامتطته في رحلة امتداده…

 

-3-

“وأني طفل هواك

على حضنك الحلو أنمو وأكبر”[5]

أين قرأت الصغيرة تلك الكلمات؟ هي على الأرجح سمعتها، أو حلمت بها. لم تتمكن من التذكر؛ لكنها ابتسمت، وراحت تطوح ساقيها المتدليتين من فوق فرع الشجرة.

تعيش الفتاة منذ سنوات على مقربة من الشجرة العملاقة وسط الطريق. كانت دائمًا ما تتسلى بتسلقها والتحديق فيها، ومراقبة تلك الحركة الغريبة في جذعها

حركة واهنة تكاد ترى؛

كنبض غير منتظم في صدر شيخ يحتضر!

 ……………………………………

[1] تميم البرغوثي

[2] رياض صالح الحسين

[3] أمل دنقل

[4] رياض الصالح الحسين

[5] محمود درويش

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع