عبدالحي عيادي
جلس في المقهى المعلوم، طلب قهوته كالعادة، وضعها النادل فوق الطاولة بطريقة عشوائية، قهوة اكسبريسو في كأس عادي من الزجاج الشفاف، فهو لا يحب أن يشرب قهوته في فنجان كأنما يحس أن في الأمر بعض البذخ الزائد أخذ رشفة من قهوته وبدأ يجوب بعينيه في الأرجاء كما لو كان يبحث عن شخص معين، ملامحه لا توحي بشيء مميز كان من النوع العادي لكن في قرارات نفسه كان يعتقد انه شبيه بلاعب كرة القدم المشهور” ليونيل ميسي” ولهذا كان مهتما بكل ما يتعلق بلعبة كرة القدم، كان أصدقائه في المقهى ينادونه ب “ميسي” فيطلق هو ضحكة فخر ساذجة، لكن خلف ظهره كانوا ينادونه ب “ميسي” المفبرك أو ميسي المدبلج أو ميشي بالشين ، لم يعرف أبدا كيف جاءت هذه الألقاب تباع لكنها وإن كانت تدل على شيء فهو النسخة الغير مطابقة للأصل أو النسخة المشوهة من الأصل، عندما كان يحتدم النقاش حول كرة القدم ويختلف الرأي على معلومة ما كان الكل يتوجه بسؤال ميسي عن صحة أو خطأ المعلومة فيطلق هو ابتسامة بلهاء كالحكيم الذي يعرف كل شيء لكنه يلتزم الصمت ثم يجيب بوثوقية غير قابلة للنقاش فيصمت الجميع، هو أيضا المتحكم الرسمي في تلفاز المقهى بحيث يحدد أي مباراة سوف يشاهد كل الجالسين عندما يتم بث مباريتين في آن واحد، عندما يتم تسجيل هدف هو من يبدأ التصفيق ليتبعه الباقون بالهتاف، يجلس دائما في زاوية مركزية حيث تتسنى له رؤية بانورامية للمقهى، ممسكا بجهاز التحكم في يده تحس به راع على رعيته، يمكن أن تسأله عن كل شيء يدور داخل المقهى، على من غاب من الأعضاء الرسميين وسبب غيابه كما يمكن تأمينه على الأشياء في حال الذهاب في استراحة غداء ، كشاحن الهاتف أو كأس قهوة غير مكتمل … فهو لا يبارح مكانه سوى نصف ساعة في اليوم ثم يعود إلى حين إغلاق المقهى، لقد أصبح جزءا من الأثاث الذي لا غنى عنه وحتى في هذه النصف ساعة أو الساعة التي يغيب فيها تبقى سيطرته مطبقة على المكان عن طريق صديقه الذي يعتبر ذراعه الأيمن والناطق الرسمي له، وهو شخص قصير القامة لا يسمع صوته في المقهى كثيرا، يكتفي بالهمس بملاحظاته في أذن ميسي ويؤيد رأيه باستمرار، يدخل عادة قبله و يطلب من النادل قهوته وقهوة ميسي كنوع من التحضير المسبق لقدوم هذا الأخير، إلا أنه لا يطيل الجلوس في المقهى كثيرا مثل ميسي فدائما ما يعتقد انه مشغول، يتجول بين دروب الحي، يحيي الأصدقاء الواقفين في الشارع أو أمام المحلات التجارية ويتوعدهم بالرجوع مرة أخرى لكنه لا يفعل، هكذا ينتقل طوال اليوم بمشيته السريعة، يعبر الأزقة يُميل رأسه إلى إحدى الجانبين كتعبير عن الأنفة والرجولة، إنه عين ميسي خارج المقهى، يجمع الأخبار ليوصلها له ومن ثم يتم نشرها داخل المقهى ليعاد توزيعها بصيغ مختلفة مرة أخرى خارجه، هذا الدور الجوهري الذي يلعبه ميسي يشعره بأهميته داخل سيرورة الحياة الاجتماعية ويغذي نشاطه اليومي لكنه اليوم على غير عادته، فملامح وجهه تكشف عن حزن غير عادي، كان يتفحص كل شبر في المقهى وحين تراءى له النادل أشار له بيده، ولما اقترب منه قال له بنبرة جادة :
– أصحيح ما سمعت ؟
لم يجبه النادل بل اكتفى بتحريك رأسه إيجابا وأسفرت ملامحه عن نوع من الخيبة، تجهم وجه ميسي بدوره وشحب لونه، سوف يتم إغلاق المقهى قريبا، فعائدات الدخل لم تعد تكفي حتى لسد الضرائب، أحس في لحظة أن مجده يضيع من بين يديه فهذا المقهى هو مجتمعه الصغير، هنا حيث تتضارب الآراء وتتفق وتناقش المشاكل الشخصية بشكل جماعي، لا ينحصر مفهوم المقهى في مجرد مشروب ساخن يشرب قبل التوجه للعمل، إنها إقامة في المكان يستمد منها الفرد مهارة التعايش داخل دائرة العطالة ،هنا حيث يصبح لك كرسيك الخاص وطاولتك الخاصة بحيث لا يحق لأحد الاقتراب منهما في غيابك، تتعلم كيف تشرب قهوة الاكسبريسو التي لا يتعدى منسوبها بضع رشفات في يوم كامل، هنا حيث تكتسب أولى دروس التضامن والمشاركة من خلال مشاركتك لمشروبك الخاص مع العديد من الأفواه التي لا تملك ثمن كأس قهوة، يتشكل الزمن في قالب دخاني يخرج من النوافذ والأبواب لينشر رائحة أفواه لم تشارك يوما في اتخاذ قرار، حدق ميسي في هذه الأثناء بكل الزوايا وتذكر كل الهتافات والعناقات التي تبادلها مع الأصدقاء خلال مباريات كرة القدم، فكر: “حقا لا شيء يدوم” ثم أجهز على كأس القهوة، بعد ذلك خرج وفي قرارة نفسه كان عازما على إيجاد مقهى أخر لتكوين حشده مرة أخرى.







