مروان ياسين الدليمي
1
كنا نظن أن الزمن لعبة.
نرميه في الهواء
فيعود إلينا على هيئة كرة صغيرة
نضحك حين تصطدم برؤوسنا
ثم نركض خلفها حتى آخر الشارع.
الزمن يومها
كان طفلا أكثر منا.
يجلس على حافة السرير
يحرك قدميه في الفراغ
ويخفي عقاربه تحت الوسادة
كي لا تعرف أمه أنه تأخر.
نفتح أعيننا صباحا
فنجد الشمس جالسة إلى جوارنا
تأكل قطعة خبز مغموسة في الشاي
وتحذرنا من أن نكبر.
لكننا لم نكن نسمع.
كان الصباح يمد يده إلينا
نصافحه
فتَعلَقُ في أصابعنا رائحة الطفولة.
في ذلك الوقت
كانت الأشجار
أطول من أعمارنا بقليل
والريح تسرق قمصاننا من الحبال
ثم تعيدها إلينا
بعد أن ترتديها في الليل.
حتى الموت
كان يبدو مثل رجل غريب
يقف عند آخر الزقاق
لا يعرف عنواننا.
كنا نظن
أن الأبواب لا تتعب من فتح نفسها
وأن البيوت ستظل واقفة
حتى لو غادرها الجميع
وأن الكراسي ستتذكر أجسادنا
كما يحتفظ الماء بصورة القمر.
كنا نضحك.
يا لها من حماقة جميلة!
نضحك
لأننا لم نكن نعرف أن الضحك نفسه
يملك ساعة صغيرة
تدق في مكان لا نراه.
في ذلك الزمن
كانت أيدينا صغيرة
لكنها كانت قادرة على حمل العالم.
ثم كبر العالم.
أو ربما
كبرت أيدينا خطأ.
لا أحد يعرف.
كل ما أعرفه
أنني ذات صباح
بحثت عن الطفل الذي كنت عليه
فوجدت حذاءه القديم تحت السرير.
كان الحذاء مليئا بالتراب.
وحين انحنيت لأشم رائحته
سمعت الزمن يضحك من الخزانة.
ضحك طويلا.
ثم قال:
لقد انتهت اللعبة.
لكنني لم أصدقه.
وما زلت أبحث عن الكرة.
2
صار الزمن يزورنا
من دون أن يطرق الباب.
يدخل حاملا كيسا من الخبز
يجلس إلى المائدة
ويبدأ في تقشير أعمارنا
كما نقشر برتقالة.
لم نكن نراه.
كنا نراه فقط
حين يترك قشور السنوات على الأرض.
في البداية
ظننا أنها أوراق شجر.
ثم صرنا نكنسها من أمام أبوابنا.
كانت أمهاتنا
يضعن أعمارنا في جيوب بناطيلنا
كي لا تضيع في الطريق.
لكن الأعمار مثل القطط
كانت تعرف كيف تهرب.
كبرنا ونحن نركض.
ركضنا خلف الحافلات
خلف الوظائف
خلف النساء اللواتي كن يتركن عطرهن
معلقا في الهواء
مثل قبلةٍ
بقيت رائحتها على الباب
بعد أن غادرت المرأة .
ركضنا حتى تعب الطريق.
ثم جلس.
نعم
جلس الطريق.
مد ساقيه أمامنا وقال:
لنذهب إلى مكان آخر.
لكننا لم نكن نعرف مكانا آخر.
كل شيء كان يبتعد.
النافذة التي نطل منها على العالم
صارت أصغر.
الشارع الذي يتسع لركضنا
صار يضيق
حتى لا يتسع إلا لظل واحد.
أما الظل
فقد بدأ يكبر.
كان يمشي خلفنا
مثل كلب يعرف شيئا لا نعرفه.
كلما التفتنا إليه
تظاهر بأنه لا يعرفنا.
يا للسخرية!
حتى ظلالنا تعلمت الكذب.
في المساء
كانت الشمس تخلع معطفها البرتقالي
وتتركه على كرسي الغياب.
ثم تنام.
أما الليل
فكان يفتح فمه
ويبتلع البيوت واحدا واحدا.
لم نكن نخاف.
كنا نعرف أن الصباح سيأتي.
لكن الصباح في أحد الأيام
تأخر.
جلس على حافة السماء وأشعل سيجارة.
قال لنا:
لا أستطيع أن أبدأ كل شيء من جديد.
فهمنا للمرة الأولى
أن الصباح أيضا يتعب.
وأن الشمس ليست أُمَّا.
وأن الأشجار التي كنا نعتقد أنها تصفق لنا
كانت في الحقيقة
تحاول أن تتشبث بالأرض.
كان ذلك اكتشافا قاسيا.
اكتشافا له طعم الحديد
ورائحة غرفة مغلقة منذ سنوات.
حينها فقط
نظرنا إلى أيدينا.
كانت أكبر.
لكنها لم تكن أقوى.
كانت تحمل مفاتيح كثيرة
ولا تعرف أي باب
يؤدي إلى الطفولة.
في تلك الليلة
جاء الزمن وجلس إلى جواري.
لم يكن غاضبا.
كان يبدو شاحبا.
قلت له:
أعد لي ما أخذته.
فابتسم.
وقال:
أنا لم آخذ شيئا.
ثم أشار إلى المِرآة.
هناك، كان الطفل الذي كنا عليه
يقف في الجهة الأخرى.
يطرق الزجاج.
ويضحك.
لم أستطع فتح الباب.
لأنني كنت أنا
في الجهة الأخرى.








