عبقري الرواية العربية الريفي.. الطيب صالح

الطيب صالح

راما غيث

لم ينقبض قلبي من قبل مثلما حدث بعد قراءتي لجريمة قتل حُسنة بنت محمود، والتي تتداعى دائمًا تفاصيل الحادث الخاص بها أمامي (من بَقْبَقَة الدم من قلبها، كما كان متدفقًا من بين فخذي ود الريس، زوجها الذي قتلته)، كما وصفها ذلك الريفي صاحب الأسلوب الهادئ. وبالرغم من أن ملامحها غير مرسومة بالقدر الكافي الذي يجعلني أراها بوضوح، إلا أنني خلقت هيئة جثتها في خيالي وهي منهوشة ونازفة. بعدها حاولت أن أكمل السطور، والحزن يلف روحي كما كان حزن الراوي الذي فقد حبيبته، والتي اكتشف حبه لها بعدما قتلت نفسها وزوجها الذي لم ترغب فيه. وقد حاول “العبقري” أن يخفف على قرائه وطأة الحزن، حيث تجده يقحمك في وصف الطبيعة والحقول التي تستعد لزراعة القمح، ورائحة الليمون واليوسفندي.

كان الطيب صالح صاحب ذلك الانطباع الذي حُفر بداخلي، على عكس ما كان عليه الأمر في بداية القراءة لروايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال”. لم أكن منبهرة بكل تلك الضجة المُثارة حولها، في حقيقة الأمر، فلماذا يشتهر بها وتفاصيلها تبدو عادية، وكأنك تقرأ عن قرية في صعيد مصر، ومعاناة الفقراء كمعاناة فقرائنا؟

ولكن إن دققت القراءة، عزيزي القارئ، في تفاصيله المدهشة، فستجد أن الريف السوداني، كما رواه “الطيب”، يحتفل في المناسبات جميعها وكأنها أعراس، فيرقصون ويغنون ويهللون، ويستغلون أبسط المواقف ليشعلوا البهجة داخل نفوسهم، وربما يحاولون طرد همومهم من خلال تلك الاحتفالات.

لم أكن قد قرأت أعماله إلا بعد قراءتي عنه، فأخذتني تفاصيل حياته، والتي أؤمن أنه ليس من السهل تناول شخصيته في مقال محدود الكلمات، ولا عرض أعماله بتلك البساطة، فكلما بحثت عنه أكثر، وجدت تفاصيل تبهر أنفاسك أكثر وأكثر.

حيث ولد عام 1929م في كرمكول، القريبة من قرية دبة الفقراء، والتي تنتمي لقبيلة الركابية بالسودان، حيث نشأ هناك وسط المجتمع الريفي الفقير. وما إن أصبح في عمر الشباب، أكمل دراسته بالخرطوم، فحصل على بكالوريوس العلوم من جامعتها. ومن هناك سافر إلى إنجلترا ليستأنف رحلته الدراسية بجامعة لندن، وقرر هناك أن يغير تخصص دراسته إلى دراسة الشؤون الدولية.

مر صالح بالعديد من المهن المختلفة، في محاولة منه لأخذ حقه من الحياة عنوة، وقد فعلها عندما انتقل إلى كثير من البلدان، وارتقى في كل بلد مهنة مختلفة تزيد من خبراته الإنسانية، وتثقل ثقافته. حيث بدأ بإدارة مدرسة لفترة قصيرة، ثم عاش سنوات طويلة في القسم العربي لـ”بي بي سي”، حتى وصل إلى درجة مدير قسم الدراما. وكانت استقالته منها بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وعاد إلى بلده ليعمل في الإذاعة السودانية، ومن هناك هاجر إلى قطر، وعمل وكيلًا ومشرفًا على أجهزة الإعلام بدولة قطر، ثم أصبح مديرًا إقليميًا بمنظمة اليونسكو في باريس. وتلك الوظيفة بالتحديد كانت سببًا في انقطاعه عن الكتابة، حيث كانت من شروط اليونسكو منع الكاتب من كتابة أي عمل أدبي أو صحافي طوال مدة عمله معها.

وبالرغم من انتقاله الكثير وترحاله، إلا أن البعض يظن أن أعماله قليلة، ولكن إن قرأت مقدمة الأعمال الكاملة للطيب صالح، ستجد أن البروفيسور إبراهيم القرشي قد ذكر أن الناس ينظرون إلى قصصه ورواياته فقط، وقد تناسوا أنه كتب المختارات. وقد ذكر على لسان الطيب أنه قال: “لديّ مقالات أظنها أرقى وأكثر عمقًا من أن تصنف كمقالات صحافية، وإنما تتضمن رؤيتي لأعمال أدبية وقضايا فنية…” وقد جُمعت تلك المقالات في عشرة مجلدات، بلغت صفحاتها أكثر من ألفين وخمسمائة صفحة من النثر الرفيع. وقد وصف تلك المقالات بأنها كُتبت على طريقة أديبنا الروائية والقصصية القائمة على التشويق واللغة البليغة والممتلئة بالصور الحيوية، فيجعلك ترى وتسمع ما تقرأه.

والجدير بالذكر أن أعمال الطيب صالح قد تُرجمت إلى العديد من اللغات الأجنبية، مع تضارب في عدد اللغات التي تُرجمت إليها أعماله.

كانت “موسم الهجرة إلى الشمال”، وما زالت، بطاقة تعريف الكاتب، وإن لم تكن الأشهر من بين أعماله، والتي كتب عنها الناقد الكبير رجاء النقاش في أواخر السبعينيات، حيث كان من أوائل الذين كتبوا عنه وقدموه للكثير من القراء، وكان النقاش هو من أطلق عليه لقب “عبقري الرواية العربية”، كما وصفه الناقد جلال العشري بـ”زوربا السوداني”.

وعودة إلى مقدمة القرشي، والتي يفضل أن تقرأها بنفسك، عزيزي القارئ، والتي ذكر فيها قول الطيب صالح عن نفسه وعن الكتابة، فقال إنه “لم يحب الكتابة بشكل حقيقي، ولم يخطط لأن يكون كاتبًا؛ لأنه لم يكن يعرف أنه سيصبح كاتبًا، وإن كان يعرف، لكان خطط لحياته بشكل أفضل مما كانت عليه”.

دعني أقل لك، عزيزي القارئ، إنني لا أعرف: هل لو كان على علم بأنه سيصبح يومًا ما كاتبًا، هل كانت خطته ستكون أفضل مما عاشها؟ فإن تجربته في الترحال والتنقل، ونشأته داخل السودان نفسها، ليست بالهينة على الإطلاق، ورحلته مع اليونسكو، فكل تلك الخبرات بالتأكيد زادت من وعيه وإدراكه، وأثقلت رؤيته لأمور عدة، لتجعله يعرف كيف يعرض قضايا وطنه بالشكل الذي يعلق بذهنك ولا يمر عليك مرور الكرام.

عودة إلى قلمه المبدع.. ففي قصته “نخلة على الجدول”، وهي إحدى قصص مجموعة “حامد ود حامد”، عندما وصف حمار حسين التاجر، المتململ من إطالة صاحبه في المساومة على بيع النخلة ذات النبات الخمس، وهو يغازل حمارة ترعى بين سيقان الذرة.

بالرغم من غربة الطيب صالح عن وطنه أغلب سنوات عمره، إلا أنه ظل متمسكًا بأدق التفاصيل، احتفظ بها داخل قلبه، ورسمها على صفحات مؤلفاته البديعة، والتي يجب عليك أن تستمتع بمشاهدتها بنفسك، ولا تنتظر أن يعرضها عليك أحد ممن قرأ له.

وفي النهاية، أضمن لك أنك سوف تقع، أيها القارئ، في محبة قلم الطيب صالح، وفي محبة تلك الشخصية الثرية التي دفعتني إلى أن أخطط للبحث عن تفاصيلها أكثر بين ما سطره من تفاصيل عن وطنه وعنه.

 

راما غيث

12 مقال
كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع