عناوين أخرى للعزلة

george doegham

جورج ضرغام

لو جاءتْ العصافيرُ بعدَ الغروبِ سأمزقُها، وأجعلها طحينًا
أسودَ معجونًا بالقهوة التي أفسدتْ نكهةَ شاعرَها الرومانتيكيَّ. ثم ألطخُ بها وجوهَ المنسيين الذين تأخروا عن رائحة طهي البحر بحزن برتقالةٍ مقتولة.
الشاعرُ المفتونُ صيّادُ أنوثة المدينةِ. قايضَ عينِيه بنحلتَين، وجمجمتَه بنصف زجاجة عطر فصيحة. ما زال يعتقدُ أن النهدَ سمكةً جائعةً، تصطادُ يده الغارقة، وتقليها داخلَ حمالةِ صدرٍ.

الشهقةُ المارقة.. راميةً سهامَ الحزن في أحشائي لتصيرَ
مزرعتَه. والدمع يجففُ عظامه حطبًا لقهوتي الباردةِ.

جنازة متسولة لا تغسل كفيها قبل الكتابة. تسير بكعب عال
خلف رائحتي القديمة.. وتحلم!
غنوا لي يا أخوتي الجثث، وارقصوا
فأنا أوسمُكم، وأقدركم لتفسير الحمامِ الحزين.
لم أمت.. كنت فقط أنتظرُكِ بهدوءٍ.
لم أمت.. كنتُ فقط أشاهدُ جريمةً مضحكةً.

الجميلةُ التى قبّلتْ مرآتها ذاتَ صباحِ، فتكسّرَ زجاجُ
شفتيِها قطعًا من صراخِ.
كانت الأشجارُ تنتحرُ على ساقيها.. وتحترقُ،
لتموتَ أنيقةً بعاطفة حافية في خشب الكلام..!

الوردُ حينَ يبكي، فيغرقُ النحلَ دونً وصيةٍ
من ملكةِ الذكرياتِ،
والنحلُ أجملُ بناتِ عمتي “الأسكندرية”.
نهدان يصفقان لنايهما المكلوم..
كأنه الناب الشرعي (في الغيبوبة!)،
ونهدان كلاسيكيان يرفضان توحش المجاز العاطفي:
جرس أعور نائم في وليمة لكف مسعور،
والآخر حذاء ميت لذكريات عرجاء.
صورتُك المعلقةُ على ذيلِ غريزة الغروبِ
كأمنيةٍ بعيدةٍ، وملونةِ..
صورتُك أشهى من لحمِ الفراشاتِ.
أصابعُك.. مفاتيحُ العزلةِ التى صدأت حولَ رقبتي.
فمُك.. البئرُ المردومُ بحزنٍ الخيولِ.
رائحتُكِ التي نسيتِها على الوسادةِ،
نبتتْ “غاردينيا” ترقصُ.. وهي مصابةٌ بزكامِ.
بائعُ مناديلَ وجدً الحزنَ “عابرَ سبيلٍ”.
كفٌ مترملٌ من خمسةِ أصابعَ مؤنثةٍ.
دمعة تتقيأ أحذية الحزن..
ودمعة من عود ثقاب.
شهوة ورقية تكتب تجاعيدها بالعرق الأحمر.
مطر أصلع يتحسس بأصابعه البتول
ريشة مخبولة لتاج العطش العاطفي.
تجريبٌ شعري لأستئناس البشاعة.
سكينٌ تقشرُ شفاهها الخضراء،
وتحشوها بالنحلِ المقتولِ.

عودةُ البرابرةِ إلى النصِ:
(وردةٌ في عنقِ الصرخةِ.. ووردة تعانق خصرك.
الشجرةُ التى قررتْ أن تحبلَ قبلَ الحربِ.
حكيمٌ مختبئٌ في رأسِ نعامةِ،
كخوذةٍ واقيةٍ من الرصاصِ.

أذن رملية تسمع أخبار جواسيس النمل
على حدود عزلتي.
عاشقٌ قديمٌ ربطَ الخيل في أهدابِ عينيها،
وقفز في فوهة الفستان.
شاعرٌ حزينٌ قطفَ نهديها،
وغرسَ غرابيين.. كذكرى سوداء لموتِ الأيدي.
شرفةٌ ساهرة تسقط من عين أرملة الأنتظار،
وتهرب مع رواد المقهى المذعور.
طفلةُ قايضت العلكةَ برصاصةِ حلوةِ المذاقِ.
جندي أعور شرب من دم ترنيمة قديمة،
فتفتحتْ عينه حمامة شعرية.
ونبيٌّ يرددُ:
“الوحدانيةُ أن يعلنَ الربُ نهايةَ العالمِ دونَ تتراتٍ”.
ذاكرةٌ تطيلُ رقبتَها لتنظرَ إلينا بقرفٍ.
مرأةٌ تبصقُ في وجهِ الضاحكينَ.
توابيت تنبت في صلعة الأرض كشامة مغتربة،
وتصبغ لحية الموت بشيبة أحذية.
قصائدٌ مكتوبةٌ بأحذيةٍ لتليقَ بقبح العالمِ..
أريدُ حذاءَ ابنتي أسطوريًّا،
لتطيرَ خلفَ فقاعاتِ الفرحِ).

حقيبةُ سفرٍ لا تنفضَ بكارتَها..
تطالب دوما بحقها الشعري في الرحيل عن يدي.
مأساةُ ظلِ القُبلةِ.. (سجادةُ المنسيينَ)!!
أقراصٌ منومةٌ للحاقِ بحلمِ عاشقةٍ مهجورةٍ
تسكنُ الجوارَ المهجورَ.

وجهٌ معتمٌ بالذكرياتِ، لو مسّهُ مصباحُ كفِكِ
صارَ فنارا للمحبوسينَ في شفاهِ البحر.ِ
ساق ملتحية. تظل تشرب القهوة، وتقرأ الشعر..
ثم تعوي حين تمر غزالة من رائحة منحولة.
شفاهٌ مطليةٌ بالأسمنتِ، حينَ تشققتْ صرختْ :
أنتَ وحدَكَ قاذفُ القُبلةِ، والعصفورُ المتفحمُ في جوفي.
الغرابُ الأبتر (سيئُ الحظِ)، حارسُ النهرِ
من انتحار حزن حجري في جيب الشعراء!
هزيمةُ الوردِ على ظهرِ عاشقةٍ تحلمُ برجلِ الاطفاءِ ( شقيقِ الندى).
وكرسي يطمحُ في أن يجلسَ الوحيدُ أولَ الليلِ،
ويبنى طابقا ثالثا من فخذي وحيدةٍ..!

……………………………

*أُلقيتْ هذه القصيدة في مؤتمر قصيدة النثر المصرية (الدورة الأولى) ديسمبر 2014.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع