منار عادل
كانت تسير بالكاد بعد يوم شاقٍّ في الغيط، واهنةَ الجسد، تجثم على رأسها كتلة كبيرة عبارة عن شكارة غلة كما تجثم هموم العالم على قلبها، وهذا العالم: هو عشها الصغير الذي أوت إليه بالكاد بابنيها ذوي السنوات الأربع، والسنوات الثَّماني؛ بعد الهرب من زوجها.
عُش مهترئ بلا سقف إلا من تعريشة من قماش وأكياس بلاستيكية يكسوها بعض القش.
في أكتوبر، إذ يبدأ الشتاء في البلد قبل أي مكان، وتتعجل العواصف بمسح ما تقابله من أثر، تقتحم البيتَ الهش، المليء بالفتحات المرقَّعة ببعض القماش والورق المعجون بالأسمنت والجبس، فلا يمنع اقتحام الريح من بين أثنائه، لتنخر في عظامهم الضعيفة طيلة الليل، وغطاء واحد خفيف تثنيه على بعضه فوق طفليها وتترك سرسوبَ الهواء ينخر عظامها، فهُما صغيران، وأحدهما مريضُ ربو لا يتحمل الهواء، لكنَّ هذا العش “المخوَّخ” هو “النعمة” التي تحمد الله عليها كل نفس، تتحمل نقح الشمس كل يوم والسرح في الغيطان ولملمة بقايا عيدان الفُجْل والجرجير، وأحيانًا البنجر، أو ما تجود به بقايا الأرض بعد الحصاد، تعود بظهر منحنٍ، وأذرع مُتيبسة، تحمل على رأسها شكارة الغلة، تبيع منها برزق اليوم أمام العشة، وهي تشاهد لعب طفليها الصغيرين مبتسمةً، مبتلعةً حزنها بداخلها بسبب نبذ أطفال القرية لهما، يأكلان ما يرزق به الله من بقايا زرع، أو كم بيضة وأرز، أو عيش مما تمنحها إياه جارتها الطيبة من وقت إلى آخر؛ أُم سعيد، “وش السعد” عليها، ومنقذتها من مصير أشد إيلامًا في بلدها البعيد.

بدأ الأمر حينما عثرتْ عليها أُم سعيد وهي راجعة إلى البيت من زيارة زوجها مريض الكبد في “المستشفى الكبير”، رأتها أُم سعيد تسري تائهةً، مذعورةً، تجرُّ طفلين صغيرين مرتعدين بملابس خفيفة، أصابعها ترتعش بشدة، تربط أصغرهم بحبل بمعصمها حتى لا يشرد منها، وجهها مليء بالكدمات، وابنها الكبير رأسه يقطر دمًا، وهي مرتبكة تمسح دماءَ رأسه بطرف طرحتها السوداء وتكبسها برُقعة ممزقة من جلبابها، أخذتها أُم سعيد على الفور، وعادتْ بها بمواصلتين إلى المشفى حيث يوجد زوجها، وهناك استجدتْ أحد أفراد الأمن لعلاج ابن السيدة والنظر إلى يدها المرتجفة إثر ضرب عنيف، كان المشفى يرفض دخولهم بلا هُويَّة أو شهادات ميلاد، لكنَّ واحدًا من أفراد الأمن أوصلها إلى طبيب نوبتجي حديث التخرج “طيب وأمير” كما وصفه، فهمَّ بإسعاف الطفل الكبير وإيقاف النزيف وتطهير الجرح، وفحص الصغير وأبلغها أنه بحاجة ماسَّة إلى جلسات استنشاق حتى لا «يقطع النفس»، لكنَّ الوقت لم يسمحْ لعرضها على استشاري يعالج يديها، ووصف لها دواءً قد يساعدها وبعض الإرشادات، لأنه لو علم أحد الإداريين أو الأطباء بوجودهم بصورة غير قانونية فسيقع في مشكلة كبيرة، لكنه نصحها بزيارة طبيب مخ وأعصاب.
تتذكر هذا اليومَ الفارقَ في مصيرها هي وابنيها، وكيف كُتِبَ لهم عمر جديد على يد أُم سعيد، كيف آوتها في بيتها هذه الليلة وثلاثة أيام أخريات حتى تُدبِّر لها مأوى، لأنها لن تقدر على إبقائها في بيتها حينما يخرج زوجها من المشفى، وفعلًا، رتَّبت لها عشة كانت زريبة بهائم قديمة لهم قبل أن يبيعوا الماشية لعلاج ابنهم المتوفَّى «بالمرض الوِحِش»، وبمرور الأيام جمعتْ لها بعض الملابس من هنا وهناك، ودبرتْ لها بعض الأواني بالقطعة، وبطانيةً قديمةً مهترئةً.
كان هذا العش بكل هذه العيوب وضعف الموارد، أهونَ عليهم بكثير من حياتها مع زوجها في بيتهم المحمي بالسقف والحوائط الخرسانية، زوجها «الحشَّاش» مدمن المُخدِّرات، يغيب نصف اليوم وأحيانًا باليومين، فيكونان كزفير يلفظونه في راحة مؤقتة، ليستأنفوا الشقاءَ من جديد بعد عودته، يسرِّحها هنا وهناك ويبيعها بالسُّخرة وينهب كل ما تملك في هذا «الهباب» كما تُسميه، يكيل عليها هي وابنيْها السبَّ والضربَ، لكنه كان يركز أشد التركيز على شد شعرها، وأحيانًا يربطها من شعرها ذليلة عقابًا لها على أتفه الأسباب.
وفي يوم ما حينما عاد إلى البيت وجدها حليقةَ الشعر، نزعتْ عن نفسها آخر ملمح لأنوثتها، الذي أصبح مصدر ألمها وإهانتها على الدوام، في هذا اليوم تحديدًا، ربط جسدها بالكامل بحبل خشِن، وأوثق ذراعيها إلى الأمام بسلك، وانهال ضربًا على يديها وأصابعها بمدق النُّحاس، وحالما حاول الابن الأكبر منعه، انهال عليه «البغل» -كما تسميه- بالضرب، وخبط رأسه في الحائط، وحالما همَّ بالرجوع إليها، أمسك الطفل بأقرب شيء طالته يداه، ونزل بكل قوته على رأسه، فكَّ وثاق أمه، وأخذوا بعضهم و«طفشوا» منه، لا يعرفون إلى أين، لا أهلَ ولا أقاربَ، والوقت متأخر، لكنَّ «كلاب السكك أرحم» من الاستمرار لحظةً مع هذا الرجل، حتى وجدتها أُم سعيد، رغم غُلبها وفقرها وشدة حاجتها، كانت لها نعم العون، وأغنتها عن مُر «البهدلة» بين الخلق.
في هذا الصباح وهي عائدة إلى العشة بحِزَم الفُجْل والكرَّاث والجرجير، تفكر في شريط حياتها القصير البائس، وهي بهذا الجسد الرجولي النحيف الذي تبرز منه بعض العضلات، وشعر ينبت بالكاد، ويدان ترتعشان على الدوام، تتذكر أن كل هذا الشقاء وهي فقط في عمر العشرين أو أزيد بقليل، في هذه اللحظة فقط بدأتْ تستوعب أن هذا عمرها الحقيقي، هذا الجسد الخمسيني وهذه التجاعيد التي تخفي ملامحها القديمة، تتخيل شكلَ مصيرها لو لم تتزوجْ هذا الصعلوكَ، لقد باعها خالُها إليه لسداد دينه، حتى يتخلص من حملها بعد وفاة أبويها، رماها إليه هكذا وهي طفلة في الثانية عشرة من العمر، لتتلطَّم في بلاد بعيدة عن البلد الوحيد الذي عرفته، لم تكنْ حياةً تستحق التمسك بها، لكنها مقارنةً بحالها معه، كانت على الأقل حياةً، تسمى حياةً.
ظلتْ تسير تحت «نقْح الشمس»، ودموع الحسرة تتبخر فور تحررها من سجن الأعين، سارحةً، ساهمةً، تفكر في الماضي البعيد، وترجو من الحاضرِ بصيصًا من النور، «مدد يا رب، لغاية ما أربي العيلين ويكبروا ويشيلوني».
لم تستفقْ من سفرها هذا إلا حينما وصلتْ إليها رائحة «الشِّياط»، ودخان أسود هائل من ناحية بيتها، أسرعتْ في خطوتها، تُهرول متعثرة وهي تصرخ: «العيال».
حريق نشب في العشة.
«عيالي، جرى لهم إيه!».
فردَّتْ عليها أم سعيد لتنتشلها من بين الزحام المتجمهر أمام البيت: «بخير يا أختي ما تخافيش، عيالك معايَ، فداهم والله، فداهم».
وسط صراخها على طفليها، بين حسرة على مشهد العشة المحترقة، وبين حمدها اللهَ على سلامة عيالها، كانت الهمهمات ومصمصة الشفاه تحيطها من كل مكان، وصوت رجلٍ أجش يعتبرونه أحد الكبراء ينطق أخيرًا من وسط الناس: «إحنا سكتنا كتير يا أم سعيد، كرامة بس لأبو سعيد وعشان هوَّ عيان، إنما من الأول احنا ما يرضيناش الحال دي، وليَّة ما نعرفلهاش أصل مقعداها وسطينا، وآخر المطاف سايبة جوز عيال لوحديهم ودايرة تبرطع هنا وهناك وكات هتجيب لنا مصيبة».
وبين ذهول المرأة واستعداد أُم سعيد للحديث المضطرب، خرج صوت آخر قائلًا: «آني عرفتْ ونخورتْ وراها يا شيخنا، ليها جوووز، وبيدوَّر عليهم، وجِبت قراره».
فقال آخر: «يبقى نروح له، ونجيبه، يقعد مع حُرمته وعياله».
«أيوَه».
«أُماال».
«هو دِه الكلام الصح وهي دي الأصول».
«احنا ما نرضاش بالعوجة وقِلة الحيا، ما احناش رجالة ولا إيه!».
………………….
*كاتبة وفنانة تشكيلية مصرية، والقصة من مجموعة “حمل خفيف”.. صدرت أخيرا عن دار المحرر









