المغامرة والمأساة في رواية “بِصارة الحاج بيلوتشي”

karim al qahery

تاميران محمود

صدرت حديثا عن دار العين رواية بصارة الحاج بيلوتشي للكاتب المصري كريم القاهري، وهذه هي الرواية الثانية للكاتب الذي يستمر في استخدام أسماء جديدة غير مسبوقة في الرواية العربية بعد عمله الأول غيمة الصادرة عن دار العين كذلك.

تدور أحداث الرواية حول انتقال الشيف الإيطالي “بيلوتشي” وزوجته “ناتاليا” من روما إلى حي العباسية الشعبي بالقاهرة، بعد أن تسلل إليهما طبق “البصارة” (الفول المصري المهروس) عبر مطار روما. ليبدأ الحاج بيلوتشي عربة بصارة في الشارع بالقاهرة، في مفارقة بين تحول مكاني من مطابخ روما والمطبخ الإيطالي إلى شوارع القاهرة ومطبخها التراثي، تتشابك حياته مع أسرة الشرقي المصرية التي تتصدرها الأم الطاغية “سامية الشرقي” التي ينتفي عنها أي سمو في طبيعتها أو نشاطها، وابنها “شيرين” الطيب القلب الرومانسي الاختيارات، وأخيها الشرير “إسماعيل” الذي يلصق به الكاتب كل نقيصة بأسلوب يجمع بين السخرية اللاذعة والأحكام القيمية، وشقيقتها “صفاء”، وصديقتها “رحاب”.

يتلاعب الكاتب في عنوان الرواية بلفظ بصارة فهي “البِصارة” بكسر الباء هي الفأل والتكهن بالغيب، و”البَصارة” بفتحها هي الطبق الشعبي؛ وتجعل الرواية من هذا الجناس محورها الرمزي الأعمق، إذ يتحول الطبق عبر إشاعة أنه “مقوٍّ جنسي” إلى أداة قدرة فعلية، لها مفعول ساحر، تجبر رجال الحي على الوقوع تحت أثرها رغبة في الوصول إلى النشوة والفحولة، حتى تتحول إلى سلاح قتل متسلسل في المفاجأة الختامية.

من الشارع إلى سطور الرواية

يستخدم كريم القاهري منذ أول سطر في الرواية تعبير الشارع يستحضره بقوة عند القارئ بما يحمله الشارع من قوة وأثر في النفوس، القوة التي تجعل أبطال الرواية لهم تأثير نافذ وكذلك انسحاب واضح، فبالرغم منن أن الرواية لا تقدم نماذج سياسية أو ثقافية إلا أنه أبدع في استخدام سلطة الشارع كما تحضر في الأذهان داخل كل شخصية مستخدما أسلوبه الواضح في روايته الأولى غيمة بتجميع خطوط روايته بنفس الموازييك في رسم الشخصيات والأحداث التي تتجمع وتتشابك بشكل سلس متنقلا بين أزمة البطل “شرين” مفردا  فهو الضحية الدائمة، رمز الرجولة المجروحة اجتماعيًا  يحمل اسمه “الأنثوي”، حرمانه من أبيه، وصمه بـ”ابن سامية”. شخصيته مبنية على التناقض بين رغبته في الانعتاق وعجزه عن كسر حبل السرة النفسي مع أمه التي تهيمن عليه كلية. وهي الأزمة التي تنسحب فوق الشارع كله بأشكال مختلفة.

 يقدم الكاتب شخصية الأم سامية الشرقي نموذج الأم الطاغية الشعبية، شخصية مركّبة ببراعة؛ سلطتها لا تُبنى على منطق، بل على “أسطورة قداسة” ذاتية الصنع، ترضى بلا سبب وتغضب بلا مبرر. الكاتب لا يكتفي برسمها كشريرة نمطية، بل يفكك آلية صناعة الاستبداد المنزلي الكذب المتراكم، تلفيق الفضائح (مشهد تدبيرها فضيحة رحاب وإسماعيل نموذج مُحكم)، واستخدام الخطاب الديني والعرفي كغطاء. هي في جوهرها استعارة مصغّرة للاستبداد الأبوي الذي يتوسّع كلما وجد من يخافه.

أما أخيها إسماعيل الشرقي فهو المحرك الخفي للشر، براجماتي بلا رادع، ولا يشيخ خبثه رغم تدهوره الجسدي؛ شخصية “المخطط” الذي يستخدم الجميع –حتى حبيبته شروق– كأدوات، وينهار حين يقابله طرف يعرف قواعد لعبته (ناتاليا/بيلوتشي في الخاتمة).

أما الحاج بيلوتشي الأكثر تركيبًا وابتكارًا في البناء داخل الرواية. فهو خواجة يتقمّص الروح “المصرية” حتى يتحول من الضحية لخيانة زوجته ومجدي، إلى الجلاد المنتقم عبر الطبق نفسه الذي جلب له سعادته. تحوّله من كوميدي إلى قاتل بارد هو الانعطافة الأكثر جرأة في العمل.

تتعرض الرواية إلى عدد من المشكلات التي تحيط بمجتمع النساء من كل جانب فتجد بعض الشخصيات النسائية (رحاب، صفاء، ناتاليا/أم مونيكا، شروق) كلهن يدرن في مدار العنف الأسري والاجتماعي بأشكال مختلفة تعرضهن إلى الافتراء، الخيانة، القهر الزوجي، السخرية المجتمعية والفضائح. لتشكّل الرواية بانوراما نسائية قاسية لا تجامل أحدًا.

اللغة والسرد داخل الرواية

لغة الرواية هي أكثر عناصر الرواية جرأة وإشكالًا معًا فهي مزج فصحى مرتفعة بعامية قاهرية كثيفة بأمثال شعبية وشتائم صريحة، فتبدو الفصحى أحيانًا وكأنها “تنزلق” في العامية عمدًا لتعكس صخب الحارة ونقل حرارة الشارع الى قلب الرواية.

استخدم الكاتب اسلوب الوصف بتراكم صور مجازية متتابعة (تشبيهات من الطعام، الحيوان، الجسد) حتى تتحول الفقرة إلى نسيج بلاغي كثيف يقترب أحيانًا من “الحشو المقصود” كأداة أسلوبية لا عيبًا.

وكذلك السخرية السوداء المستمرة كخيط ناظم، تجعل القارئ يضحك من مآسٍ فعلية (الخيانة، القتل، القهر)، وهي تقنية قريبة من التراث “الحرافيشي” عند نجيب محفوظ لكن بصوت أكثر فجاجة وعصرية (يستحضر السوشيال ميديا والدردشات كأدلة سردية) على الحدث ليكمل أجزاء لوحته التراكبية.

مازال كريم القاهري يكمل مشروعه الروائي باستحضار الراوي العليم داخل  أحداث الرواية ليس كبطل منفصل مثل روايته الأولى غيمة بل صاحب موقف متقلب، فنجده يتدخل بالتعليق والحكم الأخلاقي أحيانًا، ويتماهى مع منطق الشخصيات الشعبية أحيانًا أخرى، ما يخلق مسافة سردية متذبذبة بين الإدانة والتواطؤ مع عالم الرواية.

في تقديري، القيمة الحقيقية للرواية لا تكمن في حبكة الانتقام بحد ذاتها، بل في الجناس بين الطعام والقدر حين يتحول “الفأل” الشعبي (البِصارة) إلى طبق (البَصارة) يُصدَّق كخرافة جنسية ثم يُستخدم كأداة قتل، فإن الرواية تقول شيئًا أعمق عن آلية الشائعة في المجتمع الشعبي كيف يتحول الكذب البسيط إلى (“التلفيق سريع التصديق”) . حقيقة تُبنى عليها أفعال دموية فعلية. هذه استعارة سياسية-اجتماعية مضمرة عن مجتمع تحكمه الإشاعة والفضيحة أكثر مما تحكمه العدالة، وسامية الشرقي في هذا السياق ليست مجرد أم مستبدة، بل نموذج مصغّر لاستبداد أكبر يتغذى على نفس الآليات: التخويف، تلفيق السمعة، احتكار “الحقيقة”.

عمد الكاتب إلى الإفراط في الاستطراد البلاغي الذي يُرهق أحيانًا الإيقاع السردي، فتضيع لحظات درامية حاسمة (كموت الشخصيات لاحقًا) وسط سيل من الصور والتوريات اللغوية التي تخدم “العرض اللغوي” أكثر مما تخدم التوتر القصصي. كما أن الانعطاف الأخير نحو القتل المتسلسل، رغم جرأته، يأتي مضغوطًا زمنيًا مقارنة بالبناء الموازييك في الفصول الأولى وكأن الرواية راكمت خيوطًا كثيرة ثم فرطت الخيوط دفعة واحدة في حبكتها الختامية. إلا إنها تحفز اللعبة العقلية التي يبدأها الكاتب منذ الكلمة الأولى في الرواية دافعا القارئ إلى الوقوف حائرا بين  المواقف الحياتية والسلوك السائد والموقف الأخلاقي.

وأخيرا هذه الرواية تستحق القراءة كتجربة لغوية نجحت في تسجيل نبض القاهرة كمدينة معاصرة بكل قسوتها وسخريتها السوداء في بناء روائي جري.

كاتبة مصرية. صدر لها: نداهة المنيل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع