رائحة اللجنة

reda saleh

د. رضا صالح

علاء طالب بالمرحلة الثانوية؛ فى مقتبل الشباب له طول فارع؛ من يراه يعطيه أكبر من سنه.. بمناسبة عيد الأضحى توجه علاء- كما اعتاد كل عام – لزيارة عمته ببيتها

الكائن بضاحية بورتوفيق؛ كلما ذهب إلى هناك أحس بنشوة وراحة نفسية وبهجة؛ كانت روحه تتوق إلى الاتساع واللون الأخضر؛ حيث يسرى النسيم ساحرا فى هدوء جميل؛ وقد زانت الأرض ألوان متباينة تحملها نباتات عجيبة، متنوعة الأشكال والأحجام؛ عندما يصل إلى فيلات الهيئة، كان يرى كلا منها محاطا بحديقة منفصلة وسور، تعود أن يعلق بصره بتلك الحدائق البهيجة ليستكشف أنواع النباتات الناهضة فيها، ويمتع بها ناظريه؛ لاحظ أن شجر المانجو يحتل المركز الأول فى الانتشار، يعرفها من أوراقها الكبيرة الناعمة، وقد تدلت منها الثمار مع مطلع الصيف الحبيب ، تعود فى أجازاته أن يقضى جل وقته بين صيد الأسماك والتجول مع أصحابه بين تلك المروج الزاهرة التى تفوح منها أجمل العطور.

أمضى وقتا قليلا طيبا وسط ابناء عمته؛ سأله زوج عمته:

  • فى عام دراسى أنت الآن يا علاء؟
  • بالثانوية العامة.. سنة تانية..
  • عفارم عليك
  • الولد العكروت ابن عمتك دخل التجارى
  • عرفت ذلك
  • لم يزرنا والدك منذ زمن…
  • منذ أن خرج إلى المعاش المبّكر لا يبرح البيت إلا قليلا؛ السكر والربو يقتلانه كل ليلة !
  • بلغه تحياتى وتحيات عمتك…

أثناء خروجه دسّت عمته فى كيس ملىء باللحم، وأنقدته مبلغ العيدية، تحرج علاء وشكر عمته.

***

 انحشر علاء فى الميكروباص؛ قبض بيده على كيس اللحم؛ وباليد الأخرى تعلق فى مقبض باب السيارة؛ عائدا إلى أحراش الكفر؛ حيث التراب والذباب والزحام والهوام والشرود وألوان أخرى من اللامعقول؛ حاول أن يقارن بين بيت عمته وتلك الشقة التى التى تشبه الجحر؛ يقطنها هو وأسرته؛ طوال الرحلة لم يغب عن عينه تلك الفروق الهائلة بين النقيضين.

***

هدأ السائق من سرعته حتى وقفت السيارة؛ لم تستأنف سيرها كالمعتاد؛ ولكنها ظلت واقفة؛ التفت الجميع الى الخارج وقد اجتمع بعض الافراد حول سيارة

قال أحدهم:

المرور

رد السائق:

 لا..لا يحملون شارات المرور

***

اقترب شرطى من الباب؛ التف اثنان حوله، على جانب الطريق كانت عربة البوكس فى الانتظار

أشار الشرطى بيده فى عجلة:

البطايق

كان يشير الى الشباب فقط…

مد علاء يده فى جيبه؛ لم يستخرج بطاقة؛ فهو لم يبلغ السادسة عشر..

أمسكه الشرطى من يده ودفعه إلى أحد الرجلين؛ الذى قام بدوره بتوصيله الى عربة البوكس

***

فى قسم الشرطة ظل قابضا على كيس اللحم، هبط المساء وشملت الجو نسمة باردة؛ كان علاء يرتدى البنطلون والقميص فقط..

 تقدم لإجراء التحقيق؛ بعد أن أنهى الشاويش معه حوارا كتب فيه سين وجيم.. وملأ الورق، أخيرا أعطى لعلاء القلم، وقال له:

  • وقّع..
  • على ماذا؟
  • وقّع وخلاص!
  • يعنى إيه؟
  • وقّع على أقوالك!
  • أنا قلت حاجة؟
  • وقع وخلاص!

 قام علاء بالتوقبع على الورقة كما طلب منه، سحب الشاويش كيس اللحم من يد الشاب علاء قبل أن يزج به فى غرفة الحجز ويغلقها بالمزلاج ذى القفل الضخم.

حاول الشاويش أن يخفى الكيس، لم يجد مكانا مناسبا؛ فخبأه فى درج حجرة مجاورة كتب علي لافتتها: نائب المأمور.

***

مساء اليوم التالى؛ فى حجرة المأمور اجتمعت اللجنة، كان القائد يركز على الشغل:

  • -لازم نهتم أكثر وأكثر..
  • لابد من الوصول إلى المعدل المعقول…
  • لا حلاوة بدون نار..
  • الكل يركز معى…
  • الترقية لا تأتى من الهواء…

تدريجيا كان وجه القائد يتغير، المجتمعون حوله ينالهم نفس الإحساس ويكتمونه؛ فجأة صرخ القائد مغتما:

  • اللجنة..اللجنة رائحة غريبة فى اللجنة
  • يا باشا نفتح الشباك!
  • الشباك مفتوح يا بنى آدم

نظر المجتمعون حول المنضدة إلى بعضهم البعض تبادلوا الاتهامات فى صمت.

***

أعاد القائد تساؤله فى ضيق:

اللجنة.. رائحتها زفت..! ألا تشمون؟ يبدو أن لكم أنوفا من خشب!

خيم الصمت على الجميع؛ دخل أحد الجنود مسرعا، بدأ يبحث عن مصدر الرائحة.

قال له القائد آمرا:

افتح الباب.. اتركه مفتوحا…

أخذ يبحث على الحوائط ووراء الدواليب، وتحت المنضدة؛ لم يعثر على شىء؛ ولكنه لم يجرؤ على الإشارة إلى القائد أو تحريكه من مكانه أمام المكتب.

***

فى ركن غير بعيد خارج حجرة اللجنة؛ جلس الشاويش فى مكانه كالمعتاد؛ كان يوزع نظراته الوجلة بين الواقفين أمامه من المواطنين، وبين اللجنة وقد نهش قلبه أسى وخوف؛ أسى على ضياع اللحم الذى أصابه نتن بعد نسيانه؛ وخوف من اكتشاف أمره ولو بعد حين!

د. رضا صالح

29 مقال
قاص وروائي مصري صدر له: - آه منها، قصص، دار "قراءة".2006 - فضاءات مدينة ، رواية، 2010 عن إبداعات –…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع