وليد علاء الدين.. شاعر المحنة الكبرى

waleed alaa aldeen

عبد السلام فاروق

ما الذي يصنع الشاعر حقاً؟ هل هي الموهبة، أم الذاكرة، أم التراكم الثقافي الذي يترسب في الروح عبر السنين؟

الحقيقة، أن لا هذا ولا ذاك. ثمة شيء آخر، شيء أكثر عمقاً وأشد غموضاً، شيء لا يشبه شيئاً مما ألفناه في أحاديثنا عن الشعر والشعراء. شيء أشبه بجرح في الكلام، بصدع في جدار اللغة، لا يلتئم ولا يندمل، بل يظل مفتوحاً على المجهول، على ذلك النور الأبدي الذي يسميه البعض شعراً.

عندما أقرأ وليد علاء الدين، أو بالأحرى حين أعيد قراءته، وأتأمل مشروعه الشعري في اكتماله المتدرج، أجدني أمام شاعر يسكن الهاوية، كما يقول عن نفسه، أو كما نقول نحن عنه، محاولين الإمساك بسره. شاعر يتعلق بأطراف اللغة كغريق يبحث عن طوق نجاة، ثم يكتشف، في لحظة من تلك اللحظات التي لا تتكرر، أن الطوق نفسه غريق مثله، وأن البحر والطوق والغريق شيء واحد، هاوية واحدة بلا قرار.

هذه هي المعادلة الأولى، وربما الوحيدة، التي تسعي إلي فهم هذا المشروع الشعري الذي يأخذنا من أرض اللغة المألوفة، من تخومها الآمنة، إلى مجاهل لم نطأها من قبل، إلى براري لم تسمع بها القبيلة.

ثمة لحظة فارقة في حياة كل شاعر، لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى، لحظة يقف فيها على حافة الصفحة البيضاء كمن يقف على حافة العالم، أو كمن يقف على حافة ذاته، يكتشف فجأة أن اللغة لم تعد تطيعه، أن الكلمات قد استحالت إلى كتل صماء، حجرية، لا تلد ولا تتدفق. هذه اللحظة، لحظة العجز الكامل، لحظة الصمت المطبق، هي التي تصنع جوهر الشاعر، هي المحنة التي لا بد منها. إنها اللحظة التي يقرر فيها، في ومضة وعي حاد، أن يخون اللغة كي يخلص لها، أن يهجرها كي تعود إليه طوعاً، أن يقتلها كي تحيا حياة أخرى، حياة لم تخطر على بال أحد. هل تذكرون كم مرة مررنا بمثل هذه اللحظة في شعرنا العربي؟ قليلة هي تلك اللحظات، نادرة كالمعجزات، وقليلون هم الشعراء الذين امتلكوا الجرأة على مواجهتها، على النزول إلى قاع البئر.

وليد علاء الدين، في ديوانه “تردني لغتي إلي”، لا يحكي عن هذه اللحظة كما يحكي الروائي عن حدث مضى وانقضى، إنما يبني عليها مشروعاً كاملاً، عمارة شعرية بأكملها، أساسها ذلك الصدع الأول. اللغة هنا ليست أداة أو وسيلة، اللغة هنا هي أم، هي أصل، هي ذلك الشيء الذي يسبق وجودك، وحين تحاول الابتعاد عنه تكتشف أن ابتعادك كان وهماً، أنك لم تكن إلا تؤجل المواجهة، تؤجل العودة إلى الرحم الأول. وحين تعود، لا تعود إليها، وهذا هو الأمر العجيب، بل تعود بك هي إلى نفسك، كما يعود النهر بقطرة الماء إلى المحيط. تأملوا معي هذه الجملة بإمعان: “تردني لغتي إلي”. الجملة مقلوبة، والبناء النحوي يخون المنطق، والفاعل فيها ليس الأنا بل اللغة. هذا انقلاب جوهري، زلزال في بنية العلاقة بين الشاعر وأداته. الأداة هنا هي الفاعل الواضح، هي السيدة، والشاعر هو المفعول به، هو الحقل الذي تحرثه اللغة، هو الجسد الذي تسكنه، أو المعبد الذي تقيم فيه طقوسها.

هذه الفكرة، فكرة اللغة كسلطة، ككيان مستقل يختار سكناه، كروح تتناسخ في الأجساد، تظل خيطاً متصلاً، خيطاً من نور أو من ظلمة، في كل أعماله. ليس هو من يكتب القصيدة، القصيدة هي من تختار جسده كي تكتب نفسها من خلاله، هو ليس سوى ناسخ، وسيط، قناة. وهذا تحديداً ما يمنح شعره تلك النبرة الصادقة، ذلك الإحساس بأنك لا تقرأ نصاً مكتملاً، بل تشهد مخاضاً، تشهد شيئاً يولد أمامك للمرة الأولى، مبللاً بسوائل الخلق الأول.

ثم يأتي ديوانه “تفسر أعضاءها للوقت” لينقلنا من سؤال اللغة إلى سؤال الجسد. وما أعمق هذا الانتقال وما أشد تعقيده، وما أشبهه بانتقال الروح من عالم إلى عالم! الجسد عند وليد علاء الدين ليس كتلة بيولوجية، ليس لحماً وعظماً ودماً، ليس جيفة تحملها الروح، إنه أرشيف الوجود كله، هو ما تبقى من الحروب الصغيرة التي خضناها دون أن ندري، هو الطبقات الجيولوجية للروح، هو الخريطة السرية للذاكرة. وحين يكتب “تفسر أعضاءها للوقت”، تتداخل ثلاثة أطراف في علاقة لا يمكن فك اشتباكها، في ثالوث مقدس (الأعضاء، وهي، الوقت). الأعضاء، وهي جسد أنثوي بالتأكيد، لكنه يتجاوز أنثويته ليكون جسد القصيدة، وجسد اللغة، وجسد العالم بأسره. وهي، المرأة، الملهمة، الغائبة الحاضرة، الحامل لهذه الأعضاء والمؤتمنة على سرها، الكاهنة الوحيدة. والوقت، ذلك الحاضر الأبدي، الشاهد الوحيد على كل ما يحدث، القاضي الذي لا يصدر أحكاماً لكنه يغير كل شيء بمجرد مروره الصامت، كالنهر الذي ينحت الصخر. أن تفسر أعضاءها للوقت يعني أن تمنح الجسد لغة، أن تجعل من تفاصيل الجسد الأنثوي مفردات في قاموس الزمن، أن تترجم الصمت إلى كلام. ثديها، فخذاها، بطنها، يداها، عيناها، هي كلمات، جمل، مقاطع في قصيدة لا يكتبها الشاعر بل يقرأها، يتلوها كالفاتحة، من جسد الحبيبة. الجسد هنا ليس موضوعاً للكتابة، الجسد هو الكتابة نفسها، هو النص الذي يسبق كل نص.

وهنا لا بد أن نتوقف ونتأمل، فهذا الانتقال من سؤال اللغة إلى سؤال الجسد ليس انتقالاً موضوعياً فحسب، بل هو تعميق جذري للسؤال الأول، كمن يحفر في الجرح حتي يصل إلى العظم. إذا كانت اللغة كائناً مستقلاً يسكن الشاعر، فالجسد هو اللغة الأولى، هو النص المؤسس الذي سبق كل النصوص، هو المخطوط الأصلي الذي نسيناه. العودة إلى الجسد، عند وليد علاء الدين، هي عودة إلى ما قبل اللغة، إلى اللحظة التي كانت فيها الأجساد تتكلم مباشرة، بلا وسيط، بلا قواعد، في براءة الوجود الأولى، في جنة ما قبل السقوط في الكلمات.

وليد علاء الدين ينعت بـ”شاعر البصر”، وهو نعت دقيق في ظاهره، لكنه يحتاج منا إلى تفكيك، إلى تقشير. ما معنى أن تكون شاعر البصر في زمن الصورة، في زمن صرنا فيه نرى أكثر مما نسمع، وأكثر مما نقرأ، وأكثر مما نفكر، في زمن غرقت فيه العين ولم تعد تبصر؟ شاعر البصر، في العمق، ليس من يصف ما يراه، فهذا يفعله أي عابر سبيل. شاعر البصر هو من يرى ما لا يرى، من يملك تلك القدرة النادرة على اختراق السطح المرئي للأشياء ليصل إلى أعماقها، إلى بنيتها، إلى الروح الساكنة فيها كالعزلة في قلب الصخرة. حين يصف وليد شارعاً، أو مقهى، أو محطة قطار، أو شجيرة على الرصيف، هو لا يصف هذه الأشياء كما نصنع نحن في حديثنا اليومي، لكن يستدعي الأرواح الكامنة فيها، يعيد لهذه الأشياء قدرتها على الكلام، على الحكي، على الشهادة.

الأشياء عنده ليست خرساء كما نظن، الأشياء تتكلم، ونحن في صخبنا اليومي لم نعد نسمعها. الشاعر المبدع هو من يعيد إلينا، بكيمياء اللغة، القدرة على سماع صمت الأشياء، ذلك الصمت الذي هو أعمق من كل كلام. انظروا إلى قصيدته “الشجيرة”، شجيرة على رصيف، كم مرة مررنا بمثلها دون أن ننتبه، دون أن نشعر أنها تنظر إلينا؟ لكن الشاعر يراها، يرى فيها قصة كاملة، تاريخاً من الصمود، استعارة كبرى للوجود الإنساني كله. وهذا هو عمل الشعر أن يحول الجزئي إلى كلي، والعابر إلى دائم، والصامت إلى ناطق، والهش إلى أسطورة.

وهنا يطرح سؤال آخر إلى أي مدى استطاع وليد علاء الدين أن يتمرد على لغته، أن يخلق لغته الخاصة، أن يذهب بالعربية إلى مناطق لم تذهب إليها من قبل، أن يطوعها لسرابه؟

القراءة المتأنية لدواوينه، كما يتأمل الرائي وجهاً في الماء، تكشف عن تطور واضح في تعامله مع اللغة، تطور يستحق الوقوف عنده طويلاً. في “تردني لغتي إلي”، ثمة لغة قلقة، تبحث عن نفسها، تتلمس الطريق في عتمة الأسئلة، لغة تتعثر كطفل يتعلم المشي على حافة الهاوية. في “تفسر أعضاءها للوقت”، هناك استقرار أكبر، ثقة أكبر، لغة صارت أكثر كثافة، أكثر اقتصاداً، كلمات قليلة مشحونة بطاقات هائلة، كالحجر الكريم الذي يختزن في صغره عمراً من الضوء. ذاك الشعر الذي لا يثرثر، الذي يقول الكثير بالقليل، ويترك للقارئ مساحة شاسعة كي يشارك في بناء المعنى، ويكون شريكاً في الخلق. أما في “أيها الموت العظيم”، فقد بلغ وليد مرحلة الصفاء، لغة شفافة تكاد لا ترى، كالزجاج النقي الذي يكاد يختفي ليظهر ما خلفه. وهذا خطر كبير بكل تأكيد. أن تكتب بلغة شفافة يعني أن تخلع عن الكلمات كل زينة، كل بلاغة، كل شعرية جاهزة، أن تقف عارياً أمام المعنى. أنت تثق، وهذا هو الرهان، بأن ما تقوله يحمل شعريته في ذاته، في جوهره، لا في طريقة قوله. وهذا رهان جريء لا يقدم عليه إلا شاعر واثق من نفسه إلى أقصى حد، شاعر يمشي على حبل مشدود فوق الفراغ.

لكن، هل وصل هذا الصفاء إلى درجة التميع؟ هل ذاب الثلج حتى صار ماء بلا طعم؟ في بعض القصائد، أجدني أتساءل، والحيرة تعصرني، أين ذهبت تلك الكثافة التي ميزت “تفسر أعضاءها للوقت”؟ هل هو تطور نحو البساطة العميقة، بساطة الحكيم الذي عرف فصمت، أم تراجع نحو السهولة؟ لا أملك إجابة قاطعة، وهذا اعتراف قد يزعج البعض، لكن يقيني أن هذا السؤال نفسه، بقلقه المعرفي، بحدته، دليل على أننا أمام تجربة حية، تتطور، وتطرح أسئلة، ولا تركن إلى منطقة الراحة. وهذا في حد ذاته إنجاز، هذا هو دليل الحياة في جسد الكتابة.

ما يميز وليد علاء الدين، إضافة إلى شعره، هو أنه لم يحبس نفسه في قفص النوع الأدبي الواحد. الشعر كان بوابته الأولى إلى العالم، نعم، تلك البوابة الضيقة، لكنه دخل إلى عوالم أخرى يختبر فيها أدواته ورؤاه (المسرح، أدب الرحلات، القصة القصيرة).

في المسرح، قدم “البحث عن العصفور”، نص يكشف عن حس درامي مرهف وعميق. العصفور هنا هو ذلك الشيء الذي نبحث عنه دائماً ولا نجده، البراءة المفقودة، الحلم المؤجل، الشعر نفسه في جوهره. البحث عن العصفور استعارة كبرى لفعل الكتابة ذاته، أن تبحث عن شيء تعرف، في قرارة نفسك، أنك لن تعثر عليه أبداً، لكنك لا تتوقف عن البحث، لأن في البحث ذاته معنى، لأن الرحلة هي الغاية. هذا هو العبث النبيل للكتابة، هذا هو قدرها. وفي أدب الرحلات، قدم “خطوة باتساع الأزرق”، كتاب عن رحلة إلى الجزائر، لكنه ليس كتاب رحلة بالمعنى التقليدي، ليس دليلاً سياحياً ولا مذكرات مسافر، بل أقرب إلى يوميات شاعر في المنفى، حيث المكان الجديد يصبح مرآة يرى فيها الشاعر نفسه بوضوح أكبر، يرى وجهه في ماء غريب. الجزائر هنا نص يقرأ، والنص بدوره هو روح الشاعر نفسه حين تصطدم بالغريب، بالمختلف، وحين تكتشف أن الغريب يسكنها.

هذا التعدد في الكتابة ليس تشتتاً، ليس ضياعاً في المتاهة، إنما هو إغناء متجدد خلاق للرؤية الشعرية، فالعين التي تكتب القصيدة هي نفسها العين التي تكتب المسرحية والرحلة، الزاوية تتغير، لكن النظرة الثاقبة النافذة تظل واحدة لا تتغير، كالنور الذي يخرج من مشكاة واحدة.

لدينا موروث نقدي قديم، طالما رددناه في مجالسنا ومحاضراتنا، يقول إن “الشعر ديوان العرب”. وأنا، في هذا المقام، أجدني مع هذا الرأي وضده في آن واحد. فالشعر اليوم ليس ديوان العرب، ليس سجلاً للأمجاد والأنساب، الشعر هو محنة العرب، محنتهم الإنسانية مع اللغة، مع الوجود، مع الزمن، مع الموت. الشعر هو السؤال الذي لا إجابة عنه، هو الجرح الذي لا يندمل.

وليد علاء الدين واحد من شعراء هذه المحنة الكبرى، واحد من فرسان هذا السؤال. هو لا يكتب لأنه يريد أن يقول شيئاً، بل لأنه لا يستطيع ألا يقول، لأن الصمت لم يعد يحتمل. وشتان بين الحالين، شتان بين من يكتب اختياراً، رغبة، ترفاً، ومن يكتب قدراً، ضرورة، كمن يتنفس. وليد ينتمي إلى الفئة الثانية، فئة أولئك الذين يكتبون لأن الكتابة هي طريقتهم الوحيدة لفهم العالم، أو للتعايش مع عدم فهمه، لتبرير هذا الحضور الإنساني الهش، هذا الحضور العجيب. في “أيها الموت العظيم”، يواجه الشاعر الموت لا كفكرة مجردة، بل كحضور يومي، كظل يطول ويقصر مع ساعات النهار، كغياب يملأ الفراغ ويشكله، كيد تطرق على الباب في الليل. الموت هنا ليس نقيض الحياة كما ألفنا، الموت هو جزء من نسيجها، وجهها الآخر الذي لا مفر من مواجهته، ظلها الذي لا يفارقها. نحن نموت كل يوم، في التفاصيل الصغيرة التي لا نعود إليها، في الأحباب الذين يغادرون ولا يرجعون، في الكلمات التي نقولها ولا نعنيها. الموت ليس حادثة تقع في نهاية المطاف، الموت عملية مستمرة، رفيق صامت يرافقنا منذ الولادة، يسير خلفنا خطوة بخطوة.

هذه الرؤية العميقة هي ما تمنح الديوان ثقله الإنساني النقي، ثقل الحقيقة. الشاعر لا يحتج، لا يتحدى، لا يتوسل، لا يصرخ في وجه العاصفة، هو فقط ينظر إلى الموت، يصفه، يشهد عليه. وهذا ربما هو أقصى ما يستطيعه الشعر؛ أن يكون شاهداً على الحياة، وشاهداً على الموت، وشاهداً على تلك المسافة الغامضة بينهما، تلك المسافة التي نسميها العمر.

ختاماً، أرى أن وليد علاء الدين شاعر يبني مشروعه بهدوء، بصبر، بإخلاص نادر في زمن الاستهلاك السريع الذي نعيشه، زمن النسيان الفوري. هو يكتب القصيدة ويمضي، تاركاً النص يعيش حياته الخاصة، ويجد قراءه، ويخلق تأويلاته التي قد لا تخطر له هو نفسه على بال، كمن يطلق طائراً في الفضاء. مشروعه لم يكتمل بعد، وهذه ميزة لا عيب، فالاكتمال في ذاته موت آخر، صمت أبدي. الأعمال التي لم تنشر بعد تحمل وعوداً بمناطق جديدة لم نطأها، بليالي أخرى. وأنا شخصياً أنتظر هذه الأعمال بفضول لا يخلو من قلق؛ أي وليد سنرى فيها؟ هل سنرى الشاعر الذي خبرناه وألفناه، أم كاتباً آخر مختلفاً كلياً، خرج من شرنقته القديمة؟ لا أعرف، ومن يدري؟ لعل الكتابة هي هذا التحول الدائم. لكن ما أعرفه، وأثق به، أن وليد علاء الدين، في كل ما كتب، ظل وفياً لقناعة واحدة أساسية، أن الكتابة هي حفر في الواقع، بحث دؤوب عن طبقاته المخفية، عن جذوره المدفونة تحت السطح الذي اعتدنا السير عليه دون تأمل، عن ذلك الكنز الذي لا اسم له. وقليلون، قليلون جداً، هم الشعراء الذين يملكون هذه الشجاعة في زمننا هذا؛ شجاعة الحفر، شجاعة الصمت، شجاعة الانتظار.

وليد علاء الدين واحد من هؤلاء القليلين، واحد من شعراء المحنة الكبرى، واحد من أولئك الذين يحملون أسئلتهم كالصلبان.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع