محمود سليمان*
في ربيع عام 1888، بينما كانت نسائم الجنوب الفرنسي تعانق مدينة آرل، خرج رجلٌ من منزله متجهًا إلى ضفاف نهر الرون، يحمل لوحته وألوانه، وعلى رأسه قبعةٌ مثبتةٌ عليها شموعٌ كفانوسٍ بشري. كان فنسنت فان كوخ يبحث عن جمالٍ لا يظهر إلا في الليل، حين تتحول السماء إلى لوحةٍ من الأسرار. لم تكن النجوم بالنسبة إليه مجرد نقاط مضيئة، بل عوالم تُناجيه بلغةٍ لا يفهمها سواه. هكذا بدأت رحلته مع الليل، رحلةٌ حوّل فيها اضطرابه النفسي إلى أعمالٍ فنيةٍ حيّرت العلماء قبل عشاق الفن .
في مصح سان ريمي النفسي، حيث قضى أشهرًا يعاني من نوبات هلوسة، رسم فان كوخ لوحة “الليل المزين بالنجوم فوق سان ريمي”. السماء فيها دوامات ذهبية تبتلع القمر، وأشجار سروٍ شاهقةٌ كأنها أرواحٌ تصل بين الأرض والكون. الجميع ظنها هذيان مريض، حتى جاء جان بيير لومينيه عالم الفيزياء الفلكية، ليكشف أن هذه السماء المرسومة في مايو 1889 كانت حقيقيةً إلى حدٍ مذهل: هلالٌ رقيقٌ، وكوكب الزهرة يلمع كجوهرة، ونجوم برجي الحمل والحوت تزين الأفق. حتى الدوائر الذهبية حول النجوم، التي ظُنَّ أنها ضربات فرشاةٍ عشوائية، تشبه ظاهرة “الهالة الضوئية” التي تحدث عندما يتشتت الضوء في الغلاف الجوي. ربما رأى فان كوخ السماء عبر دموعه، أو خلال نوبةٍ جعلت بصره ضبابيًا، لكنه نقلها بكل ما تحمل من غموضٍ وجمال.

لم تكن آرل سوى المحطة الأولى في رحلته الليلية. ففي سبتمبر 1888، جلس أمام مقهى “لا تيراس” ليرسم “رصيف المقهى ليلاً”. السماء الزرقاء العميقة تتناثر فيها نجومٌ صفراء كالشموس، وشكلٌ غامضٌ يشبه حرف Y في الوسط. بعد قرنٍ من الزمن، اكتشف علماء الفلك أن هذا الشكل هو مجموعة نجوم الدلو، التي كانت مرئيةً في سماء الجنوب الفرنسي تلك الفترة. حتى الفانوس البعيد في زاوية اللوحة، الذي بدا كشبحٍ من نور، كان في الواقع كوكب المشتري في ذروة لمعانه. كتب فان كوخ لأخيه ثيو: “الليل أكثر حياةً من النهار”… كأنه أراد أن يقول إن الظلام هو مرآة الروح الحقيقية.
قبل شهرٍ من رحيله المأساوي في يوليو 1890، استقر فان كوخ في قرية أوفير-سورواز، حيث رسم لوحةً بسيطةً لـ”المنزل الأبيض”. فوق السطح، تلمع نجمةٌ وحيدةٌ كدمعةٍ معلقة. لعقودٍ حيّرت هذه النجمة النقاد، حتى حلل عالما الفلك دون أولسن وروسيل دويتشر اللغز: إنها كوكب الزهرة، الذي كان في أقصى لمعانه فجر 16 يونيو 1890. ذلك اليوم، كانت السماء صافيةً بشكلٍ استثنائي، وكأن الكون يمنح الفنان تحيةَ وداع. الزهرة، رمز الحب في الأساطير، ربما كان آخر رسالة من رجلٍ أحب العالمَ أكثر مما أحب نفسه.
أما لوحة “الليل المزين بالنجوم على نهر الرون”، فكانت محاولةً لاختطاف الكون إلى الأرض. النجوم المنعكسة على الماء تشبه شظايا شمسٍ غارقة، بينما تُرسم مجموعة الدب الأكبر في السماء أعلى من موقعها الحقيقي. العلماء يرون أن الانزياح مقصودٌ ليعكس إحساس فان كوخ بالحركة الكونية، بينما النقاد يعتبرونه هروبًا من قيود الواقع. الأكيد أن الضربات السريعة للفرشاة، والانعكاسات الذهبية لأنوار المدينة، تُظهر تأثره بالانطباعيين، لكن بأسلوبٍ أكثر اضطرابًا وعمقًا.

كيف فكّك العلماء شفرات لوحاته؟ الإجابة تكمن في مزيجٍ من الأدوات: رسائله التي وثّقت تفاصيل أيامه، وبرامج فلكية مثل Stellarium أعادت بناء سماء القرن التاسع عشر، وسجلات الطقس التي حددت الأيام الصافية. حتى التشوهات البصرية في لوحاته، مثل الهالات حول النجوم، خضعت لتحليل فيزيائيٍ لمعرفة إن كانت نتيجة حالته النفسية أم ظواهر طبيعية.
اليوم، تُعلّمنا لوحات فان كوخ أن الفن والعلم ليسا خصمين، بل شريكين في كشف الأسرار. فالعالم يحتاج إلى عين الفنان ليرى الجمال الخفي، والفنان يحتاج إلى عقل العالم ليفهم ما يراه. متاحف مثل أورساي في باريس تُنظم معارض تشرح كيف تُصبح اللوحات الفنية نوافذَ إلى علم الفلك، بينما تُطلق ناسا اسم “فان كوخ” على مهماتها لاستكشاف النجوم.
رحل فان كوخ منتحرًا في عمر الـ37، وحضر جنازته ستة أشخاصٍ فقط. لم يبع في حياته سوى لوحةٍ واحدة، لكن سماءه المليئة بالدوامات الذهبية صارت تُباع بملايين الدولارات. في رسالته الأخيرة، كتب: “المشاعر العظيمة تولد من رحم المعاناة العظيمة”
ربما كان هذا هو سرُّه: أن حوَّل ألمه إلى نورٍ يُضيء ظلامنا.
……………………
*كاتب من سوريا











