عادل محمود
خرج فيلم “أسد” إلى الجمهور بعد فترة ترقب طويلة، كأن السينما المصرية كانت تنتظر حدثا لا مجرد فيلم جديد. ثلاث سنوات كاملة فصلت بين آخر ظهور سينمائي لمحمد رمضان في فيلم “ع الزيرو” وبين هذا العمل الذي بدأ منذ الإعلان الأول عنه في “مهرجان الجونة السينمائي” وكأنه محاولة لإعادة تصنيع “الفيلم التاريخي” المصري بلغة القرن الحادي والعشرين: ميزانية ضخمة، صورة مبهرة، خطاب ثقيل بالرموز، ونجم يعرف جيدا كيف يحتل الشاشة حتى وهو صامت.
لكن ما إن بدأت العروض الجماهيرية حتى انقسمت القاعة إلى نصفين: نصف يصفق لملحمة بصرية نادرة في السينما المصرية، ونصف يرى أمامه عملا مرتبكا يختلط فيه التاريخ بالاستعراض، والسياسة بالزينة البصرية. فجأة لم يعد السؤال “هل الفيلم جيد؟” بل “ماذا يريد الفيلم أصلا أن يكون؟”.
وهنا تحديدا تبدأ أزمة “أسد”. فالأعمال الكبيرة لا تسقط دائما بسبب ضعف الإمكانات، بل أحيانا بسبب فرط الطموح. الفيلم أراد أن يكون فيلما تاريخيا، وملحمة تحرر، وقصة حب، وبيانا سياسيا، وعرضا بصريا عالميا ، فخرج من كل معركة بجراحها.
الفيلم من تأليف وإخراج محمد دياب، بمشاركة شقيقيه شيرين وخالد دياب في الكتابة، وبدعم إنتاجي ضخم يبدو خياليا داخل سوق السينما المصرية التي اعتادت، طويلا، ترميم أحلامها بميزانيات محدودة وكاميرات تتصرف أحيانا كأنها موظف حكومي مرهق.
طاقم العمل نفسه يكشف عن مشروع يتجاوز المحلية الضيقة: رزان جمال، ماجد الكدواني، كامل الباشا، أحمد داش، ركين سعد، وغيرهم. وكأن الفيلم يريد أن يقول منذ البداية إن الحكاية ليست عن مصر وحدها، بل عن المنطقة كلها وهي تنظر إلى ماضيها المتوتر في مرآة الحاضر.
تدور الأحداث في مصر عام 1840، حول عبد أفريقي يدعى “أسد” يقع في حب ابنة سيده، ليتحول الحب إلى تمرد، والتمرد إلى مواجهة مع نظام العبودية نفسه. وهي حبكة تحمل بذور دراما قوية، لكنها أيضا تحمل لغما تاريخيا وسياسيا انفجر لاحقا في وجه الفيلم.
المعضلة الأساسية مع “محمد رمضان” ليست في موهبته، بل في صورته العامة. الجمهور يعرف مسبقا ما الذي سيحصل عليه: رجل لا يهزم، يضرب الجميع، ثم يمشي ببطء بينما الموسيقى ترتفع خلفه كأن الكون نفسه يعمل عنده حارسا شخصيا.
في “أسد” يحاول “محمد دياب” تفكيك هذه الصورة. في البداية نرى “رمضان” مكسورا، مهانا، مقيدا بالسلاسل، يختبر ضعفا إنسانيا لم يظهر كثيرا في أعماله السابقة. الملصق الدعائي نفسه كان ذكيا: البطل هنا ليس فوق الجميع، بل تحت أقدام النظام.
لكن الفيلم، شيئا فشيئا، يعود إلى المنطقة الآمنة. يتحول “أسد” مجددا إلى البطل شبه الأسطوري الذي ينتصر وحده تقريبا، وكأن النجم خاف في منتصف الطريق من خسارة صورته الجماهيرية. هكذا بدا الفيلم مترددا بين ممثل يريد التطور، ونجم يخشى التخلي عن قناعه القديم.
ومع ذلك، يصعب إنكار أن أداء “رمضان” هنا أكثر نضجا وضبطا من أعماله السابقة. لقد خفف من الصراخ، وترك للجسد والتعبير مساحة أوسع. ربما للمرة الأولى يبدو كممثل يؤدي شخصية، لا كنجم يؤدي نفسه.
بصريا، الفيلم مذهل. التصوير، تصميم الملابس، الديكورات، إدارة المعارك، والموسيقى التي وضعها “هشام نزيه” كلها عناصر صنعت عالما سينمائيا كثيفا ومغريا. هناك مشاهد تبدو وكأنها خرجت من إنتاجات عالمية لا من السوق المصري المعتاد على اقتصاد “خد اللقطة بسرعة قبل ما النور يقطع”.
لكن هذه الفخامة البصرية تتحول أحيانا إلى ستارة ثقيلة تخفي هشاشة السرد. الفيلم مأخوذ أكثر بقدرته على الإدهاش من قدرته على الحكي. الكادرات جميلة، نعم، ولكن الجمال وحده لا يصنع الدراما. يمكنك أن تبهر العين لدقائق، لكنك لا تستطيع خداع العقل لساعتين ونصف.
وهنا يظهر الخلل الجوهري: السيناريو. فبينما ترتفع جودة الصورة، يهبط تماسك الحكاية. الشخصيات الثانوية لا تنمو بما يكفي، التحولات النفسية تحدث فجأة، والحوار يقع مرارا في فخ الخطابية والشعارات. كأن الفيلم يشرح نفسه أكثر مما يعيش نفسه.
الجدل الأكبر لم يكن فنيا، بل هوياتيا. منذ ظهور البوستر الدعائي، بدأت الاتهامات المرتبطة بخطاب “الأفروسنتريك” أي المركزية الأفريقية التي تسعى إلى إعادة قراءة التاريخ المصري القديم بوصفه امتدادا أفريقيا أسود.
الفيلم لم يقل ذلك صراحة، لكن المناخ الثقافي المحيط به جعل أي إشارة بصرية قابلة للاشتعال. وهنا وقع العمل في مأزق كلاسيكي: حين تستخدم التاريخ كخلفية درامية، فإنك تدخل تلقائيا إلى ساحة السياسة والهوية، حتى لو أعلنت أنك لا تريد ذلك.
“محمد دياب” حاول نفي أي علاقة مباشرة بين الفيلم وبين هذه السجالات، مؤكدا أن العمل يتناول حقبة مختلفة تماما عن ثورات العبيد المعروفة تاريخيا. لكن المشكلة لم تكن في التصريحات، بل في غموض الخيار الفني نفسه. الفيلم يتصرف أحيانا كعمل تاريخي دقيق، ثم يطالبك فجأة بالتعامل معه كخيال حر. هذا التذبذب فتح الباب أمام الجميع: المؤرخ الغاضب، والناشط الهوياتي، والمشاهد العادي الذي خرج من القاعة وهو يتساءل “هو إحنا بنتفرج على إيه بالضبط؟”.
وربما كان يكفي تنويه بسيط في البداية يوضح أن العمل مستوحى من التاريخ لا ملتزم به حرفيا. لكن السينما العربية، للأسف، لا تزال أحيانا تخشى الاعتراف بأنها تتخيل.
بعيدا عن الجدل التاريخي، ينجح “أسد” أحيانا في طرح سؤال أعمق: كيف تعيد المجتمعات إنتاج القهر بأسماء جديدة؟
الفيلم لا يتحدث فقط عن عبودية القرن التاسع عشر، بل عن فكرة الامتياز نفسها: من يملك السلطة؟ من يحق له الحب؟ من يسمح له بالكلام؟ ومن يطلب منه الصمت حتى وهو ينزف؟
لهذا قرأ بعض المشاهدين الفيلم كإسقاط على ما بعد ثورة 25 يناير، بينما رآه آخرون نقدا للبنية الطبقية المصرية. وهذه إحدى نقاط قوة العمل الحقيقية: أنه رغم ارتباكه، يترك فراغات تسمح بتعدد التأويل.
لكن المشكلة أن الفيلم يفتح هذه الأسئلة الكبيرة دون أن يمتلك دائما الأدوات الدرامية الكافية لحملها. إنه يطرق أبوابا فلسفية ثقيلة، ثم يعود فجأة إلى مشهد مطاردة أو معركة سيوف، كأن السيناريو يخشى الصمت والتأمل.
المشكلة النهائية في “أسد” ليست أنه سيئ، بل أنه غير محسوم. الفيلم يبدو أحيانا كأنه ثلاثة أفلام تتصارع داخل جسد واحد: فيلم تاريخي، وفيلم نجم جماهيري، وفيلم مهرجانات يريد الاعتراف النقدي العالمي.
لهذا جاءت النتيجة متذبذبة. هناك مشاهد عظيمة فعلا، وأخرى مفككة حد الفوضى. هناك لحظات صدق إنساني، ثم لحظات استعراض تفسد التراكم العاطفي. حتى الإيقاع نفسه يبدو متعبا، الفيلم طويل أكثر مما ينبغي، وبعض مشاهده تتحرك ببطء من يظن أن الزمن المجاني حق مكتسب.
ومع ذلك لا يمكن تجاهل أهمية التجربة، فالسينما المصرية نادرا ما تغامر بهذا الحجم، ونادرا ما تدخل مناطق حساسة كهذه، “أسد” قد لا يكون الفيلم العظيم الذي بشرت به الدعاية، لكنه بالتأكيد ليس عملا عابرا.
في النهاية، يبدو “أسد” كعمل يحاول أن يركض أسرع من قدرة السيناريو على التنفس. فيلم يريد أن يكون حدثا ثقافيا، لا مجرد تذكرة في شباك العيد. وقد نجح جزئيا في ذلك، فالأفلام الرديئة تنسى سريعا، أما الأفلام المرتبكة والطموحة فتبقى موضوعا للجدل.
وهذه ربما مفارقة “أسد” الكبرى: أهميته لا تكمن فيما قاله بوضوح، بل فيما أثاره من أسئلة. عن العبودية، والهوية، وصورة البطل، وحدود الخيال التاريخي، وأزمة السيناريو في السينما العربية التي لا تزال أحيانا تبني قصورا بواجهات رخامية فوق أرض رخوة.




