عندما يصبح الطبيب النفسي أديباً.. ثلاثة أمثلة معاصرة

خلود محمد حسن

بطبيعة الحال، يضم الوسط الأدبي كتّابًا ينتمون إلى مهن وخلفيات متنوعة، إلا أن حضور الأطباء في عالم الأدب يبدو لافتًا على نحو خاص. ويكفي أن نتذكر أسماء مثل أحمد خالد توفيق، ونبيل فاروق، ومحمد المخزنجي، لندرك أن العلاقة بين الطب والأدب ليست علاقة عابرة، بل علاقة أثمرت العديد من التجارب الأدبية المميزة.

ومع ذلك، لا يحظى تخصص بعينه داخل المجال الطبي بالشهرة نفسها في الوسط الثقافي، كما هو الحال مع الطب النفسي، خاصة إذا استبعدنا كتب علم النفس وكتب المساعدة الذاتية من دائرة الحديث. أما إذا انتقلنا إلى الأدب والرواية تحديدًا، فسنجد أن حضور الأطباء النفسيين كروائيين أو كتّاب أدب لا يزال ظاهرة تستحق التأمل والبحث، لما قد تحمله خلفيتهم المهنية من أثر واضح في طريقة تناولهم للشخصيات الإنسانية وعوالمها الداخلية.

حين كنت أقرأ رواية «الخروج من غيط العنب» لمي الغربي، وجدت نفسي أفكر طويلًا في أسباب إعجابي بهذه الرواية، وفي السر وراء تميز الكاتبة وقدرتها على رسم شخصياتها بهذا القدر من العمق والصدق. وربطت ذلك بحقيقة كونها أخصائية نفسية؛ فمن المؤكد أن مهنتها تركت أثرًا واضحًا على كتابتها الروائية، إذ إن احتكاكها المستمر بالحالات الإنسانية ودراستها المتعمقة للنفس البشرية منحاها قدرة استثنائية على بناء شخصيات متماسكة، وتشريح دواخلها ودوافعها وتشابكاتها النفسية بدقة ووعي.

ثم تذكرت أن هذه السمة ليست حكرًا عليها وحدها، فبعض كتّابي المفضلين يشتركون معها في الخلفية المهنية نفسها، مثل إرفين د. يالوم وطلال فيصل، وكلاهما طبيب نفسي وروائي. عندها راودتني فكرة أن هناك، على الأرجح، خيطًا مشتركًا يجمع بين كتابات هؤلاء الكتّاب؛ يتجلى في أساليب السرد، وفي طريقة بناء الشخصيات واستكشاف عوالمها الداخلية، وربما يعود ذلك إلى تشابه خلفياتهم الدراسية والثقافية والمهنية، رغم اختلاف جنسياتهم وانتمائهم إلى أجيال متباينة.

يظهر هذا التشابه في عدة نقاط وسوف أطرحها عن طريق تحليل عدة أعمال للكتاب وهي: (الخروج من غيط العنب) لـ مي المغربي، (عندما بكي نيتشه) ارفين.د يالوم، (بليغ) و (سرور) لطلال فيصل

النقطة الأولى: وهي التشريح العميق والتحليل النفسي للشخصية:**

• في “الخروج من غيط العنب”: على الرغم من أنها رواية قصيرة (نوفيلا)، إلا أن بها تشريحًا نفسيًا عميقًا لشخصية البطلة (ناصرة)، وفي عدد صفحات صغير ومكثف نتتبع حياتها منذ صغرها حتى خروجها من غيط العنب، ونستكشف شخصيتها بشكل كامل وبتفاصيل دقيقة، على الرغم من عدم إدراكها هي لمشكلاتها الخاصة حتى نهاية الرواية.

• في “عندما بكى نيتشه”: يشرح الكاتب ويحلل نفسيًا شخصية نيتشه عن طريق شخصية فرويد، مؤسس التحليل النفسي، وبرويير، حيث تجمع نيتشه وبرويير جلسات تحليل نفسي، ثم يجتمع فرويد وبرويير ويقومان بتحليل نفسي لشخصية نيتشه واستنباط أسباب مشكلاته. ويقوم الكاتب بتشريح شخصية نيتشه عن طريق الوقوف وراء الظروف والأحداث والمسببات لكل رأي فلسفي له، وهل كانت كل أطروحة فلسفية وراءها مشكلة أو ألم معين تسبب في تكوينها، وظروف تشكل مذهبه الفلسفي، وهل فلسفة القوة وأخلاق العبيد وهدم الأصنام والإنسان الأعلى ما هي إلا ستار يخفي هشاشة نيتشه الناتجة عن أمراضه العضوية، ومنها مرض الشقيقة، ومشكلاته العاطفية، وهي رفض لو سالومي له، وهي المرأة الوحيدة التي أحبها بصدق.

• في رواية “بليغ”، يرسم الكاتب بورتريهًا متكاملًا لشخصية بليغ حمدي عن طريق البحث في الأرشيف والتاريخ؛ فالرواية تأريخ لحياة بليغ حمدي كاملة منذ صغره حتى وفاته، وتحليل لشخصيته بكل مساوئها وإيجابياتها. فندخل في تفاصيل شخصية بليغ بشكل متعمق، حتى نشعر بالقرب منه طوال قراءة الرواية، وحتى بعد الانتهاء منها بفترة طويلة. ويحلل الكاتب علاقات بليغ، وأشهرها زواجه بالمطربة وردة وعلاقتهما المعقدة، ومحاولة الوقوف على أسباب تصرفاته معها، وحكاية حياته الفنية كاملة، وأشهر محطاته في الشهرة وعلاقاته المختلفة والمتعددة.

النقطة الثانية: اشتراك الأدباء الثلاثة في كتابة الرواية التاريخية النفسية:**

• في “الخروج من غيط العنب”: تدور الرواية عبر ثلاثة أجيال (جدة ناصرة، وأم ناصرة، وناصرة)، وفي مكان يعد واحدًا من أقدم بقع العشوائيات في مصر، وهي غيط العنب بالإسكندرية. وتعد الرواية تأريخًا لهذه المنطقة المنسية وتحية لمن عاشوا فيها.

وتبدأ الرواية منذ تأسيس الحي عن طريق الهجرة من صعيد مصر إلى الإسكندرية بحثًا عن فرصة حياة وعمل أفضل، وتستمر حتى قرار إزالة الحي وتهجير من فيه إلى مناطق أخرى.

وتضع الكاتبة في أول كل فصل قصاصات وصورًا لا نعرف لمن تعود ولا أصلها، ولكننا نعرف أن الكاتبة قامت بالذهاب إلى المنطقة، ودخول البيوت المهجورة والمهدمة، والتنقيب في الصور المنسية والأوراق المهملة، حيث وضعت أرشيفًا للمكان، ونرى لمحات منه في الرواية لعائلات وناس عاشوا منذ سنين، ولا نعرف مصيرهم الآن، وتنتهي ذكراهم عند هدم الحي.

• في “عندما بكى نيتشه”، تدور الرواية في نهايات القرن التاسع عشر، ورغم أن قصتها واجتماع أبطالها غير حقيقي، إلا أن الشخصيات عاشت فعلًا في ذلك العصر، مثل نيتشه وفرويد وبرويير ولو سالومي.

ويقوم الكاتب ببناء الرواية على أساس جمع هذه الشخصيات مع بعضها، وبناء الأحداث على محاولة فرويد القيام بالتحليل النفسي لنيتشه.

والرواية تأريخ لكل تلك الشخصيات وحياتهم وأعمالهم الفكرية والحياة في ذلك العصر.

(ويظهر هذا النوع الأدبي عند إرفين أيضًا في روايتي: “علاج شوبنهاور” و”مشكلة سبينوزا”).

• في رواية “بليغ”: تمضي الرواية في ثلاثة خطوط متوازية ومتداخلة؛ خط حياة بليغ حمدي، والخطان الثاني والثالث هما خطا الراوي.

يبدأ خط بليغ منذ صغره، ونمضي معه طوال حياته وشبابه وبداية دخوله عالم الفن، وزواجه من وردة، حتى مشكلته الأمنية وهربه من مصر، ثم رجوعه ووفاته. ويعد ذلك الخط تأريخًا لحياة بليغ وانعكاسًا للحياة الفنية والسياسية في تلك المرحلة.

والخط الثاني هو شاب مصري مهاجر، حاله يُرثى له، في ألمانيا بعد ثورة 2013، يتتبع أثر بليغ حمدي.

والخط الثالث رجل اسمه سليمان العطار، جامع لأثر وتذكارات بليغ.

فنرى في الخطين رجلين يجمعان ويطاردان تاريخ وأرشيف بليغ الشخصي، كما جمعت مي تاريخ غيط العنب في مادة أرشيفية.

(ويظهر ذلك أيضًا عند طلال فيصل أكثر في روايتي: “جنون مصري قديم” و”سرور”).

النقطة الثالثة: مناقشتهم للمرض النفسي، حيث من المؤكد أن ذلك أكبر موضوع مؤثر عليهم، وسيظهر في كتاباتهم بوصفهم أطباء ومعالجين نفسيين، لكثرة احتكاكهم به وتفاعلهم مع المرضى، وأنه سيصبح مصدر إلهام فني لهم.**

• في “الخروج من غيط العنب” تظهر معاناة ناصرة من اضطراب الهوية الجندرية (Gender Dysphoria)، وهو حالة من عدم الارتياح والقلق حول الجنس الذي وُلد به الشخص، حيث يشعر الشخص بميل إلى اتباع سلوك الجنس المقابل له، وهو ما يظهر بشكل كبير في الرواية، على الرغم من عدم فهم وإدراك ناصرة لتلك المشكلة.

حتى عندما تحدث لها أعراض متلازمة تكيس المبايض، وتشعر أنها تأكيد لأفكارها بأن جسدها به عطب ما، وأنها ليست مثل بقية النساء، إلا أنها لا تقدر على ترجمة تلك الأفكار ومعرفة أنها تعاني من مشكلة ما. ونعلم أنها ستظل تعاني منها طوال حياتها، أو حتى مماتها، وذلك لعدم وجود العوامل التي تساعدها على إدراك معاناتها أصلًا من مشكلة كهذه؛ فالمرة الوحيدة التي تحدثت فيها مع أحد عن مشكلتها لم يفهم أصدقاؤها ماذا تعني، ونعتوها بـ(الشاذة).

• في “عندما بكى نيتشه”، يقوم إرفين بتشريح شخصية نيتشه، ويوضح مدى هشاشته النفسية؛ حيث نرى أن رفض سالومي له يظهر في كتاباته على هيئة كره للنساء وحقد على جنس النساء، وعدم قدرته على حب أو إقامة علاقة مع امرأة أخرى. وكذلك يبين الكاتب مدى شعور نيتشه بالنقص والضعف وقلة الحيلة بسبب مرضه المزمن، مما يجعله يشعر بالنقمة والغضب، ويقوم بإزاحتهما تجاه الناس، فنجد في فلسفته رؤية متدنية لمن هم مختلفون عنه في الرأي، ومن يختلف معه شخصيًا.

• في “سرور” لطلال فيصل، يظهر بكل وضوح في الرواية المرض النفسي للشاعر نجيب سرور، حيث تظهر عليه أعراض اضطراب الشخصية البارانوية (Paranoid Personality Disorder)، إذ كان يشك في زوجته ويقول إنها تخونه بسبب نظرها إلى أي رجل، ومن دون دليل، ويرى أن الحكومة تتآمر عليه، وأن مخابرات عبد الناصر تترصد له، ويرى أن هناك مؤامرات تُحاك ضده في الوسط الثقافي، وأن النقاد يتآمرون عليه ويريدون تدميره.

وكانت كل هذه الأفكار من دون أي دليل واضح، حتى أدى ذلك إلى إيداعه مستشفى العباسية للأمراض النفسية.

• وكل عوامل التشابه بينهم تجتمع في إرجاع الشخصيات التاريخية إلى الحياة، عوضًا عن كونها مجرد صفحات في ويكيبيديا لا نعرف عنها إلا لمحات من حياتها وإنتاجاتها الفنية والمعرفية؛ حيث قاموا باختيار شخصيات مشهورة، لكن حياتها بعيدة عن الناس، ثم أحيوها من جديد، وبثوا الروح فيها، وجعلوها شخصيات حية نتعايش معها ونشعر بها مثل الشخصيات الروائية، بل أصبحت أقرب إلى القارئ؛ لأنه شعر بتواصل عاطفي مع شخصيات عاشت منذ عشرات أو مئات السنين.

وهذا ينطبق على “عندما بكى نيتشه”، و”بليغ”، و”سرور”.

أما شخصية ناصرة في “الخروج من غيط العنب”، فهي نتاج للأرشيف الذي جمعته مي المغربي، وقيامها بإحياء التاريخ غير المحكي الذي وجدته في المباني المهدمة القديمة، وخلق شخصية من روح وفكر وأحداث هذا المكان.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع