لِلأَحْدَاق تَقُولُ الأَوْرَاق

خالد أمزال*

“خُذْ ..

ضَمِّدْ شَهِيقَكَ بالزَّنَابِقِ،

وَبِمَا أُوتِيتَ مِنْ خَرِيرٍ وَصدًى ..

عَلِّمْ نُشُوزَ طَرِيقِكَ

وَاتْرُكِ الْغَدَ يَتَحَرَّشُ بِالْيَاسَمِينِ

حَتَّى يَأْتِيَ أَمْسُهُ عَلَى سَهْوٍ

وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَرْمِي بِهِ الْيَوْمَ 

فَيَكْفِي بَعْضُ الْحَنِين”.

كَانَتْ يَدُهَا تُكَلِّمُهُ خِلْسَةً

وَبِيَدِهَا الأُخْرَى سِرٌّ صَغِيرٌ،

بِصَوْتِ فِضَّةٍ مَنْزُوعَةِ الرَّنِين

طَفَقَتْ تَقُول:

“اُنْظُرْ

يَوْمُكَ سَيَلُومُكَ .. فَابْتَسِمْ لِلنَّدَى

وَابْتَعِدْ عَنِ نُدُوبِ الْقَمَر

حَتَّى تَقْصُرَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ كَآبَتَيْن،

وَاحْذَر الَّذِينَ اتَّقَدُوا ثُمَّ اتَّخَذُوا

مِنَ الرِّيحِ مِلْحًا لِلسَّرَابِ

وَثِقْ بِنَسِيمِ الْعَشِيَّةِ

عَسَاهُ يَمْحُو مَرَايَا السِّنِين”.

 

حِينَمَا كَانَ يَتَسَكَّعُ صَوْلَجَانٌ

فِي كَأْسٍ نَبَتَتْ سُيُوفُهَا ذَهَبًا

قَرِيبًا مِنْ حَبَقِ الْعُشَّاق ..

كَانَتْ تَرْنُو لبُقْعَةِ أَمَلٍ شَهِيٍّ فِي هَمْسِهِ

وَتَرْقُبُ مَا بَعْدَ ضَجَرِهِ الأُنْثَوِيِّ

بِأَصَابِعِهَا الَّتِي تُرَاوِدُ الكِتْمَان،

هَرَسَتْ صَمْتَهَا بَيْنَ وَرَقَتَيْن

ثم نَبَسَتْ:

“أَرَى الأَرْوَاحَ النَّارِيَّةَ تَرَكَتْ عَرَبَتَهَا

وَصَعَدَتْ عَرْشَ الْمَاء

كَأَنَّهَا هَزِيمَةٌ بِلا أَحْزَان،

فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو لِقَاءَ حَظِّكَ

فَامْحُ مَا بَقِيَ فِي الْهَواءِ مِنْ لَفْظِكَ

وامْضِ عَلَى مَهْلٍ نَاحِيَةَ الاشْتِيَاق”.

 

أطْرَقَ بَيْنَ جَفْنَيْهَا الْمُطَرَّزَيْنِ بِالأَسْرَار

بَعْدَ أَنْ دَعَّتْهُ صَرَاحَةُ التَّأْوِيل، 

كَانَتْ حِيرَتُهُ مِثْلَ شُحُوبِ وِشَاحِهَا

ونَبِيذِيَّةً صَارَتْ تَلاوِينُ خَرَسِهِ ..

أَنْفَاسُهُ وَقَفَتْ تُدَارِي رِمَاحَهَا   

إِذْ أَعْيَتْهُ فَدَاحَةُ عِطْرِهَا الزَّعْفَرَانِي،

جَاسَتْ عَيْنَاهَا تَلافِيفَ نَفْسِهِ

وَقَبْلَ أَنْ تَذْبُلَ الْكَلِمَاتُ فِي حِبْرِ الأَحْدَاق

فَاهَتْ بِنَبْرٍ صَقِيل:

“النَّاسِكُ الْمَاسِكُ بِعَصَا الْمَوْت

سُكِّرَتْ أَمَامَهُ اللَّحَظَاتُ،

فَانْدَلَعَ فِي كَفِّهِ جُذَاذُ نَجْمٍ

تَسَاقَطَ عَلَى بُرْجٍ طَفِيفِ الْمَيَلان،

فَذَرْ دَرْبَكَ يَسِيرُ دُونَكَ

وَانْحُ بِظِلِّكَ الْمَنْقُوصِ إِلَى حَلَبَةِ الْغُبَارِ 

فَلَرُبَّمَا يَنْصَدِعُ جِسْرُ ذَنْبِكَ 

فتَنْجُو بِقَلْبِكَ مِنَ الْحُلُمِ الأُقْحُوَانِي”.

 

جِوَارَ الْتِئَامِ الْفَهْمِ نَفَضَ هُمُومَ جَسَدِهِ

لِيَنْفَلِتَ مِنْ هَسِيسِ سِوَارِهَا،

أَمَّا وُجُومُهُ إِزَاءَ جُدْرَانِ الْوَقْت

فَقَدْ انْسَلَّ قَلِيلا

مِثْلَ جَدِيلَتِهَا الْمَارِقَةِ

فَشَدَّ بِرَجْفِهِ عَلَى قَلْبِهِ الْوَثَاقَ،

أَجْهَدَتْهُ أَنْفَاسُهُ الْمُنْسَكِبَةُ دُونَ حُسْبَان

عَلَى مِفْرَشِ الْمَصَائِر ..

فَأَرَاحَهَا عَلَى كَتِفِ النِّسْيَان إِلَى حِين،

بَغْتَةً أَضَاءَتْ كَالْمَسَاءِ الْمُتْعَبِ عَيْنَاهَا

وَنَحْوَ الأَمَانِي مَدَّتْ بِاكْتِرَاثٍ يَدَاهَا

كَمَا تَمُدُّ الزَّانُ هَامَهَا قُبَالَةَ نَافِذَتَيْن

وَفِي صَوْتِهَا تَعَانَقَتْ تُخُومُ الْمَعَانِي:

“زَهْرَةُ النَّيْلُوفَر فِي صَرْحِ الْهَوَاء

خَدِيمَةُ الشَّمْسِ الْمُمَرَّدَةُ كَالْخَزَفِ

أَغْوَتْ شَغَفَ الإِمْبِرَاطُورِ بِالأَرَائِكِ الرِّوَاقِيَّة

فَاغْتَاظَتْ مِنَ السَّدَفِ يَدُ السَّاحِر ..

فَمَا مَوْجُودُ أَدْنَاهُ هُوَ هَكَذَا أَعْلاهُ

لأَنَّ هَذِهِ الأَرْضَ سِرُّ ابْنِ السَّمَاء”.

 

بِكِبْرِيَاءِ سُنْبُلَةٍ وعِنَادِ الصَّدَفِ تَلَبَّثَ

وفَارَقَ هَوَاجِسَ الزَّهْرِ الرَّصَاصِيِّ

فَضَاقَتْ دُونَهُ حُقُولُ الرَّغْبَةِ الَّتِي تَحْتَسِي

نَبِيذَ الْجَسَدِ بِوَجَلٍ كَأَنَّهَا شَرْيَان،

لَمْلَمَ عُزْلَةَ سُكَاتِهِ بَعْدَ أَنْ حَدَجَ

حُرُوفَهَا الْغَجَرِيَّةَ تُفَتِّقُ رُخَامَ غَدِهِ

ورُضُوضُ شَوْقِهِ في خَدِّهِ انْتَصَبَتْ

تُرَتِّقُ تَفَاصِيلَ الحُلْمِ الْبَعِيد،

قَالَ بَعْدَ أَنْ انْتَهَرَ وَجِيفَهُ

وقَطَعَ مِنْ طَوْقِهِ الْوَتِين:

“غَدًا أَقُولُ

عُشْبُ النَّهَارِ نِسْبِي

بَيْنَ قَلْبِي وَحَاشِيَةِ الْخَرِيف ..

هُوَ الْخُرُوجُ إِلَى اللَّيْلِ إِذَنْ”. 

………………..

*شاعر من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع