نورهان عبدالله
جدار أزرق يطفو فوق سطح الماء
كائنٌ رقيقٌ
يحمل وحدتَه على كتفِه
ويمشي بين الوديان
بين ضواحي المدينة
وبين ضحايا الحرب
الذين تركوا للريح
أسماءهم المكسورة
علّمتني الحياةُ
أن دمعتي ليست ماءً
بل قصيدةَ نثرٍ
أُلقيها في أروقة الشعراء
وأن نسمةَ هواءٍ خفيفة
قادرةٌ على انتزاع الوحدة
من وجنتي
ثم إطلاقها في الفضاء
حيث النجوم أشبه
بقلوبٍ صغيرة تتوهّج
بنَفَسٍ واحد
والشمسُ شاهدةٌ عليّ
كرفيق طريق
كخريطة عالم
كبوصلةٍ في صحراء
تدلّني إلى داخلي
قبل أن تدلّني إلى الطريق
الوحدةُ — في كتب المثقفين —
روحٌ غائمةٌ في نهرٍ واسع
أما في كتابي
فليست لها هوية؛
كلما فتحتُ صفحةً
وجدتها كنقطةٍ فارغة
لا تقول شيئًا
ولا تصمتُ تمامًا
الوحدةُ
أن أنسى مشاعري
أن أضعها في علبةٍ صغيرة
وأُحكم إغلاقها
وأتركها على الطاولة
أو داخل معطفي
كسرٍّ لا يليقُ بغيري
الوحدةُ كائنٌ
يحمل بندقية
يصوّبها نحو العالم
بقسوةٍ وتمرد
ومع كلّ رصاصة
يزدادُ وزنُ الليل
العالمُ مليءٌ بالأسلحة؛
ذلك الجنديُّ البعيد
حين يطلقُ رصاصتَه
على وحدتي
تتساقطُ الوحدةُ
وتتمدّدُ على الأرض
كأنها دماءٌ لا تملكُ
لونًا ثابتًا
من قال إن الوحدة وردة؟
إنها وردةٌ ذابلة
لا تملك بناءً ضوئيًا
وطائرٌ جريحٌ
إن داويتِه عاد إليكِ
محمّلًا بألمٍ جديد
سأغدو نشيدًا للوحدة
وأخيطُ فستانًا أبيضَ
ملائكيًا
وأهديه لها
في يوم ميلادها؛
ربما تنسى
أنها تنهشُ في قلبي
الوحدةُ ثعبانٌ
يبثّ سُمَّه في جسدي
يطيرُ في الهواء
فيحرقني
كغابةٍ تشتعل
وتنقرضُ فيها
آخر الديناصورات
على الجانب الآخر من الحياة
تستيقظ الوحدة من نومها
لتدركَ
أن اليأسَ دبَّ فيها
وأن الرابط بينهما
قديمٌ وعميق؛
فاليأسُ صديقُ الوحدةِ الأول
والوحدةُ
رفيقي الذي لا يرحل
****
وحدي أسير بين عالم موازي
وحدي أسير بين عالم
يخرج منه الضجيج
كأن له رأساً كبيرة
كبرق يصدر
نوراً لامعاً
كلما مررت
أصابعي في السماء
فيسقط المطر
على رأسي
وتلعب يدي
بحباته الرطبة
…
في عزلتي
تمر بين قدمي
سيارة يركبها رجل
غريب
عيناه بنيتان
ويديه تلوح لي
في المساء
فتخرج ابتسامة
من فمي
لتنير عتمة الظلام
ويرتعش جسد امرأة
تركب جانبه
فترسل لي
بعينيها دهشة غريبة…!
……
أجلس على حافة المركب
والمس مياه البحر الراكدة
حين يلمس قلبي الحزن
تسقط دمعة
وتخرج آهه كبيرة
فيسمعها صياد بيديه
سمكة كبيرة
يهتز قلبه فتسقط السمكة
من يده..
ويطير
ورائها بحثاً عنها
…….
لا أحد يدفع ذراعيه
لينقذني من الموت
سواك.









