أبي لم يكن بطلًا

مرزوق الحلبي

مرزوق الحلبي

من حسن حظّي أن أبي لم يكن بطلًا

ولا رمزًا من الأساطير يشقّ البحرَ لو أراد

لم أسمع منه رواية عن معجزةٍ واحدة

عن نصرٍ

كان بسيطًا كالماء 

وكريمًا كالماء     

ترك لنا الحياة معقولةً ورحل،

امتلك من العزّةِ أكثرَ ممّا جادت به الأيّام لأبناء جيله

وكانَ هناك كاملَ الوقت كي يُحبَّنا

ويُنجِّنا من التفاهةِ

مِن مُغرياتِ لُغات أخرى

لم ينسَ مرّةً أن يتركَ مصروفَنا في جيب قمبازِه

كلّما خرج إلى العمل

 

كان أبي يسيرُ مع الحياة راضيًا

كأنهما رفيقان

فلا يشكو إذا فاتته

ولا هي تلعنُ الوقتَ إذا فاتَها

رحل ذات مساء

ليس قبل أن تنوّر عيناه ويتفتّح قلبَه

ويهمسُ أن عودتَه هذه المرّة لن تكون إلى البيت!

*

علّمنا أبي أن الأشياءَ تُدركُ بالهدوءِ

بالنظرّ إلى قلوبِ الناسِ إذا تحدّثوا

إلّا عندما كان يرمي علينا الأحاجي في الشتاء

فيضحكُ ملءَ قلبِه كلّما عجزنا عن حلّها

ونضحك معه

ويضحك الجيرانُ على ضحكِنا.

في ذلك الوقت، كانت لأبي سنّ ذهبيّة تزيّن ضحكّته

وتلمع كالبرقِ في ليالي الشتاء

*

كان أبي يوصينا بإبقاءِ بابِ البيتِ مفتوحًا،

للضيوفِ وعابرِ السبيل

وبائع السجّادِ

ومُغلقًا أمامَ الغيبِ

والخُرافة

يغلّب المنطقَ في أمورِ الأرضِ

في نُقطةِ الاعتدال تسرّون ـ يقول بنبرة رصينة

ويسألنا عن الحجّة إذا أبدينا رأيًا

يفتحُ لَنَا أبوابَ الكونِ واحدًا واحدًا

ويتركُنا عندَ العَتَبة

*

أبي،

لو عاتبَك فلن يتركَ نُدبةً

يحفظُ الودَّ في كلِّ حال

يصرّ على الاتّفاقِ  

فلا زعلَ على الطعام، مثلًا

والأكلُ جماعيّ حولَ الطاولة في الموعدِ

لا مكانَ في لغةِ أهلِ البيت للشتيمة

ولا تعظيم في المواقف

أعباءُ البيت موزّعةٌ بالعدلِ

وإذا أكبّ واحدُنا على الكتبِ

تأجّلت واجباته

*

كان أبِي عذبَ الحديثِ

مع الأصدقاء في السياسة

ومع الأصدقاء من الجامعة

ومع الناسِ الذاهبين إلى المخبزِ في شارع بيتنا

حديث صقلته السنين

والفطرةُ

سيقترحُ خاتمة مشرّفةً للحديثِ كلّما بانَ ضعفُك

فتفترقانِ على محبّة

وكلمة طيّبة

*

أبي من عائلة بسيطة تعملُ في الأرضِ

والحلالِ

وتحمد الله على حظّها

إلى أن أكلت النيرانُ بيتَها

والعلّيةَ التي تُطلُّ على البحرِ

خسرنا المكانَ وربحنا المعنى ـ كان يقول

أنشأت العائلة إلى الشرقِ غرفتيْن

صارتا مع الوقتِ أربعة بيوت تسكنها الحكاياتُ

وحوْشًا دافئًا

لا تمرّ سنة دونَ أن يشهدَ عرسًا أو اثنيْن

*

عاش أبي على وعد بأن المجدَ عائد

والحقُّ لأصحابِه

والغائبون

كانَ يرتّب الوقتَ له ولنا

ليجعل يومَنا أفضلَ من أمسِنا

يسير بكلّ قامته إلى واجباته بلا عُكّازٍ

ينثر الكلامَ كما تُنثرُ الورودُ على موكبٍ

لا أثر فيه للخسارة

أو للهزائمِ

فالقلبُ، إن ضاق الزمانُ به،

يتّسع العقل لكلّ الخطايا

وكلّ الكلام.

*

من حسن حظّي أن أبي لم يكن بطلًا

أو رمزًا من الأساطير

كان يُحمّصُ قهوتَه على الجمرِ

يدقّ لها النحاسَ بالنُحاسِ

حتى تغفو

كان أبي يغمسُ ريشته في الحِكمةِ

ويكتبُ

فيضيءُ الكلامُ وجهَه الحاني

والبيتَ

*

كان أبي

يوقفُ الأشياء في مواضعها

ويمشي هو

في آخر مرّة، مشى ولم يعد!

 

23 آذار 2026 / برلين

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع