سهيل نجم
كنتُ أرنو إلى النافذةِ، حيثُ بدا لي القمرُ هرمًا يُدلي بساقيه الثلجيين في ماءِ الليلِ الباردِ،
وإذا طائرانِ اقتحما المكانَ وحطّا أمامي. كانا أليفين وينظران نحوي بِهدوء.
وبعد لحظةٍ تحوّلا إلى رجلٍ وامرأةٍ عجوزين يشبهانني وكأنني أنظرُ في مِرآة.
هدّأ الرجلُ من روعي واضعًا سُبابةَ يده اليُمنى على فمهِ. كانا يَرتديانِ ثيابًا منزليةً ويتحركان بحريةٍ في غُرفتي. جلبا كُرسيين وجَلسا قُبالتي. اتجهَ الرجلُ نحو المرأةِ وكلّمها:
– في صباهِ كان خجولًا ومنعزلًا عن أقرانهِ وكثيرَ العِلل! عيناه حائرتان وتقرآن في الهواء.
فردتِ المرأةُ:
– من شدةِ نحولهِ كان أشبهَ بالدخانِ يَتلاشى بين الغِطاءِ والوسادةِ، فتعجبُ كيف استطالَ ونما كعودِ القصبِ!
كانا يتهامسانِ عن شخصٍ أعرفهُ ولا أعرفهُ. في لُغتهما ثرثرةُ الغائبين تحت الترابِ وهما ينظرانِ إليّ بعطفٍ ويتجاهلاني.
رفعتِ المرأةُ شالها الأسودَ ومسحتْ وجهي كأني رضيعٌ ساحَ العرقُ المالحُ إلى عينيهِ فبَكى.
تساءلتُ لماذا كانَ لساني معقودًا بينما أشمُّ رائحةَ شالِها فأغفو.
ورأيتُ الرجلَ يهشُّ غيومًا من الحزن تكثّفت كالذبابِ على حديدِ النافذةِ تريدُ الدخولَ. ونهضتُ لأن قلبي رامَ الخروجَ كي يَلمسَ يدهُ ذاتِ العروقِ.
لكنهُ أقعَدني:
– أخذتِ السنابلُ وقتَها ومضت سريعًا مودعةً الحقولَ، فاسترِحْ.
وارتبكتِ المرأةُ وهي تتعثّرُ بالفراغِ الذي بيننا:
– تَعِبَ الفتى، وراحَ طينُه ينحلّ في النهر الأسمر العميق، تُرى هل يعودُ هذا الناحلُ قُبيل الغروبِ؟
فردّ الرجلُ وهو ينفضُ الترابَ عن جَناحيهِ:
– لا مفرَّ.










