بولص آدم
تتشكل في كثير من الموروثات الثقافية شبكة واسعة من الرموز التي تمنح الأدوار الاجتماعية معاني جاهزة وتؤثر في طريقة فهم الإنسان للإنسان. ومن أكثر هذه الرموز حضورًا صورة الثعبان والأفعى، إذ ارتبطا عبر الأزمنة بدلالات متعددة تتصل بالغموض والقوة والقدرة على التأثير والمناورة. وقد انتقلت هذه الدلالات من الأسطورة إلى الأدب، ثم تسربت إلى الوعي الاجتماعي حتى أصبحت جزءًا من المخيال الجمعي الذي يوجّه الأحكام والانطباعات بصورة غير مباشرة.
في بعض البيئات الثقافية تُسند إلى المرأة صورة الأفعى بما تحمله من إيحاءات تتصل بالغموض والجاذبية والقدرة على التأثير، بينما يُمنح الرجل صورة الثعبان المرتبطة بالمراوغة والمرونة وإدارة الصراعات من وراء الستار. ومع الزمن تتحول هذه الاستعارات إلى قوالب ذهنية تمنح الأفراد صفات مسبقة قبل التعرف إلى شخصياتهم الفعلية، فتؤثر في طبيعة العلاقات الإنسانية وفي أساليب التفاعل الاجتماعي.
وقد وجدت هذه الرموز طريقها إلى الأدب بوصفها أدوات تعبيرية تمنح النص كثافة دلالية وطاقة تصويرية. فالرمز الأدبي يستخدم صورة الحيوان للدلالة على معنى مجرد كالمكر، أو الخيانة، أو الحكمة، أو الشجاعة، فيتوجه إلى الفعل أو الصفة أو الحالة النفسية، ويمنح القارئ فرصة للتأمل والفهم. ومن هنا اكتسبت الاستعارة الحيوانية مكانتها في التراث الأدبي العالمي بوصفها وسيلة لتكثيف المعنى وإثراء التجربة الجمالية.
غير أن المشكلة تظهر عندما تغادر هذه الرموز فضاءها الفني وتتحول إلى أحكام اجتماعية جاهزة. فعند هذه النقطة يبرز ما يمكن تسميته بالتوحيش؛ أي تجريد الإنسان من إنسانيته واختزاله في صورة حيوانية تُلصق به على نحو دائم. ويتحول الرمز من أداة لفهم السلوك إلى وسيلة لتصنيف الأشخاص وإطلاق الأحكام عليهم، فتتراجع الفردية الإنسانية أمام الصور الموروثة.
ويكمن الفرق بين الرمز الأدبي والتوحيش في أن الرمز يحافظ على تعقيد الإنسان وتعدده، بينما يقود التوحيش إلى اختزاله في صفة واحدة. فالأدب الرفيع يتجه إلى كشف الدوافع والصراعات الداخلية والآثار النفسية التي تصنع السلوك البشري، ويمنح الشخصيات عمقها الإنساني بكل ما تحمله من تناقضات. وقد أثبت كبار الأدباء والشعراء أن تصوير قسوة الواقع لا يحتاج إلى الشتيمة أو الإلغاء الرمزي. ففي رواية “آنا كارنينا” لم يُقدِّم تولستوي بطلته في صورة “أفعى” بعد هجرها زوجها، وإنما رسم عالمها الداخلي بما فيه من رغبة وخوف ونشوة وندم وحيرة، فظهرت شخصية إنسانية كاملة تتجاوز الأحكام السريعة. وتكمن قوة الأدب هنا في توسيع مساحة الفهم بدل تضييقها.
وتتجلى خطورة الصور النمطية في تأثيرها على الأجيال الجديدة، إذ تُرسخ تصورات مسبقة عن الرجل والمرأة وتضعهما داخل أطر جاهزة تحدد طبيعة العلاقة بينهما. وينتج عن ذلك حضور خفي للريبة والخوف وسوء الفهم، ويتراجع التقدير الفردي للشخصية الإنسانية لصالح الأحكام الموروثة. وهكذا تتداخل السلطة الاجتماعية مع السلطة الرمزية، ويتحول الرمز الثقافي إلى عنصر فاعل في تشكيل السلوك والتوقعات المتبادلة.
إن القراءة الحضارية لهذه الرموز تتيح التعامل معها بوصفها جزءًا من التراث الإنساني ومن التاريخ الطويل للخيال البشري. فالقوة والغموض والقدرة على التأثير صفات إنسانية تتوزع بين الأفراد على اختلاف أجناسهم وخلفياتهم، ولا تستقر في رمز واحد أو فئة واحدة. ويمنح الوعي النقدي المجتمع قدرة على التمييز بين المجاز والإسقاط، وبين التعبير الفني والحكم الاجتماعي، وبين جماليات الرمز وقيود الصورة النمطية.
وعندما تستعيد الرموز موقعها الطبيعي داخل الثقافة والأدب، يتحول الثعبان والأفعى إلى صورتين قابلتين للتأمل والمراجعة والفهم، وتُقرأ العلاقات الإنسانية في ضوء الكرامة الفردية والاستقلالية والوعي المتبادل. وعندئذٍ تصبح الرمزية أداة لاستكشاف تعقيد الإنسان وثرائه، وتتحرر اللغة من النزعة إلى الاختزال، ويتسع المجال أمام رؤية أكثر عمقًا وإنصافًا للإنسان بوصفه كائنًا يتجاوز كل القوالب الجاهزة.











