برقيةٌ متأخرةٌ من السيد: س.ع*

atef abd al aziz

عاطف عبد العزيز

قابلتُ صلاح فاروق مؤخَّرًا.

صاحبُك كان يعبرُ حقلًا من زنابقَ بيضاء، تُومضُ

تحتَ ضوءِ الشمس.

لم يبد أنه مبسوطٌ كما يجب،

إذ حَكَّ جبهتَه، ثم قالَ ما أثارَ قلقي بشأنِك.

 

يقولُ إنكَ ضقتَ ذرعًا بالمُناخِ العامِ،

وأنك لم تعدْ ترى ثمّةَ أملًا يلوحُ في أفقِ القاهرة،

بعدما

آلتْ أمورُها إلى حمقى.

 

هل عليَّ أن أُذكِّركَ بما كنتَ تقولُه

أيامَ الصِبا،

من أن مصر أبدًا لا تسهو، لكنها طويلةُ البال؟

لا علينا من ذلك،

ودعني أحدِّثك عني قليلًا.

 

الجَنّةُ ليست تمامًا كما تظنُّون.

الجَنّةُ -لحكمةٍ رآها الله- ليست سلامًا محضًا.

إنها خيرٌ عميمٌ بلا ريب،

لكنه خيرٌ فيه شيءٌ من نَظَر.

 

البعضُ هنا -على سبيلِ المثال- تخامرُه

أفكارٌ مضطربةٌ،

مثلُ النزوعِ إلى التأسْطُر.

نعم، كما سمعتَها: الـ تـ أ سـ ط ر!

حتى إنهم يحرصون على مصاحبةِ رولان بارت

أينما ذهب.

المجانين، يتبعونَه في رحلتِه اليوميةِ إلى ساحلِ

النهرِ

الذي يتدفقُ فيه النبيذ،

آملينَ في الحصولِ على شيءٍ من برَكتِه.

 

بعضٌ آخرُ،

مازال يحُولُ بين السيّدِ هارولد بنتر، وبين

المسرحِ الكبيرِ.

ليس ذلك بسببِ أصولِه اليهوديّةِ،

بل لاعتقادِهم أن الرجُلَ ليس مسرحيًا

من الأساس،

إنما هو شاعرٌ متخفٍ في عباءةٍ لا تخصُّه.

يشِيعونَ أنه قد عثرَ عليها بالمصادفةِ

في بيتٍ

لورثةِ أوسكار وايلد.

 

أظنُّكَ لن تُصدِّقَ لو أخبرتُك بأن فصيلًا

من أتقيائنا،

يأبى أن يحيطَ رجُلًا كالمعَرِّيَّ بما يستحقُّ

من احترام.

هم ينظرون بارتيابٍ إلى الشيخِ المُسِنِّ بوصفِه

شُكوكيًّا محترفًا،

قضَى حياتَه معاديًا لراحةِ البال.

 

خُلاصةُ الأمر،

الجَنَّةُ يا عزيزي كأيِّ مكانٍ، تموجُ بالرغباتِ

المتعارضة.

مع ذلك هي جميلةٌ،

فالملائكةُ يمنحونَ أمثالَنا من أولِ يوم،

لابتوباتٍ من ماركةِ (Dell)،

وطابعاتٍ حديثةٍ،

ورُزَمًا لا تنفدُ من الورقِ الأبيض،

فوق ذلك، ملهماتٍ خِلاسياتٍ أظنُّهنَّ

مجلوباتٍ

من الكاريبي.

 

آخرُ الذين نعِمُوا بهذه الخيراتِ كان

أشرف البولاقي.

بدا أشرف وسطَ الجَمْعِ مبتهجًا بملهماتِه،

لولا أنه كان يتوقُ إلى تدخينِ سيجارةٍ

في مكانٍ كهذا

كُتِبَ عليهِ أن يخلوَ تمامًا من اللهَب.

 

لا يُضايقُني هنا،

غيرُ حنيني أحيانًا إلى ماريان، تلميذتي القديمة.

أتذكُرُها؟

ماريان التي أحبّتْ أستاذَها ذات يوم،

ومنحتْهُ شهدَها بِكرًا على السلالِمِ،

وفي الزوايا المُعتِمة.

وبعد رحيلِه،

تصرّفتْ كأيِّ امرأةٍ ناضجةٍ كاملةِ الأوصاف.

نسِيَتْ تقريبًا كلَّ شيء،

ثم سرعانَ ما منحتْ أولادًا جميلِينَ -مثلَها- لرجُلٍ

يملكُ دُكّانًا خلفَ المشفي القِبطي،

يُنظِّفُ فيه الملابسَ بالبُخار.

 

هههههههه!

كلام في سِرِّك:

يخطرُ لي أحيانًا ما يجعلني أتبسّمُ في وَحدتي،

كأن تكونَ لكْنتُها الإنجليزيةُ الناصعةُ قد باتتْ

مُعرّضةً للصدأِ،

من جرّاءِ ذلك البُخار.

 

لعلكَ تتعجّبُ من إهمالي أمر ولدِي الوحيدِ

الذي تركتُه رضيعًا قبلَ رُبعِ قرن.

لن تجدَ أيَّ مدعاةٍ للعجبِ، حين أخبرُك بأن مهنّدًا

لا يعرفُ شيئًا عني،

بل، ولا يريدُ أن يعرف!

مهندٌ الآنَ في ريعانِه، يرفرفُ كأقرانِه بجناحيْن

في سماواتٍ لا تكترثُ للماضي.

ثم إنه،

لم يعدْ يردُّ على مهاتفاتِ عمَّتِه.

 

من هنا،

أعتبرُ إعادةَ طبعِ الروايةِ والمجموعاتِ الثلاث،

ليست شأنًا عائليًّا،

بل أمرًا يخصُّ الذين وقفوا ذاتَ يوم

حولَ طاولةِ الغُسْل.

 

ختامًا!

أبلغْ سمير أن المكتبةَ التي غلَّفَها بالسوليفانِ

كتابًا كتابًا،

من أجلِ إيصالِها سليمةً إلى ولدٍ لا يذكُرُ أباه،

لم يعد لها أيُّ نفع.

 

أبلغْه أيضًا،

أن شَقَّةَ العائلةِ في حسن العيسوي ليست للبيْع،

قُل له،

إنها بقعةٌ مباركةٌ موصولةٌ بالسماء.

فيكفي أن قِطَّةَ أمِّنا،

لم تزلْ ترعَى صِغارَها في مَنْوَرِ البيت.

 

لا تنسَ:

مصرُ لا تسهُو، مصرُ بالُها طويلٌ،

طويلٌ فحسب.

مايو 2026

…………………………..

*س.ع : هي إشارة إلى الروائي والقاص والمترجم الموهوب سيد عبد الخالق (1964-2002) الذي رحل شابًا إثر مرض سريع، مخلفًا في جيله فجوة يصعب ملؤها، له مؤلفات منها: كل أواد الرب بلا أجنحة (رواية)، الصعاليك يجربون الغضب (مجموعة قصصية)، فيض الجوارح (مجموعة قصصية)، الآخرون وأغنية لضحى (مجموعة قصصية)، بالإضافة إلى ترجمات هامة عديدة، بعضها تناول أعمالًا لبارت وبنتر اللذين ورد ذكرهما هنا.

شاعر مصري، يلقب بـ(مهندس قصيدة النثر)، ترجمت قصائده إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية، والفارسية والكردية، من أعماله: ذاكرة الظل 1993. حيطان…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع