بولص آدم
في تلك الليلة لم يكن في البيت ما يؤكل. عرف أبو سعد ذلك منذ الظهيرة. فتح علبة الطحين فلم يجد سوى طبقة رقيقة من الغبار الأبيض في القاع. هز كيس الرز فسمع حبات قليلة تتدحرج داخله كحصى صغيرة ضلّت طريقها إلى بيت فقير. فتش الرفوف واحداً بعد آخر، فوجد نصف بصلة ذابلة، وعلبة شاي شبه فارغة، وبعض الملح.
أعاد كل شيء إلى مكانه بهدوء.
لم يفاجئه الأمر كثيراً. فقد تجاوز الستين منذ أعوام، وصار يعرف كيف تأتي الأيام الصعبة.
جلس قرب النافذة. في الخارج كانت الشمس تهبط ببطء فوق أسطح البيوت المتعبة. وفي الداخل كانت زوجته تحاول أن تخفي قلقها، بينما عاد ابنه الأكبر خالي اليدين. أما الأحفاد فكانوا يدورون في الغرف مثل عصافير صغيرة لا تعرف شيئاً عن حسابات الكبار.
سألته حفيدته زهراء:
ــ جدو… ماذا سنتعشى الليلة؟
نظر إليها طويلاً، ثم ابتسم وقال:
ــ الليلة عندنا عشاء خاص.
ضحكت الطفلة ومضت.
أما هو فبقي جالساً مكانه. كانت الأفلام تمر في ذاكرته مثل شريط طويل لا ينتهي. تذكر دور السينما القديمة التي كان يرتادها في شبابه. تذكر المقاعد الخشبية المهترئة، ورائحة السجائر، والضجيج قبل بدء العرض. تذكر تشارلي تشابلن في «حمى الذهب» وهو يأكل حذاءه بشهية رجل وجد أخيراً طعاماً حقيقياً. تذكر بود سبنسر وهو يلتهم أفخاذ الدجاج المشوية وقطع اللحم العملاقة في أفلام الويسترن سباغيتي، فيما يجلس ترنس هيل مقابله مبتسماً كأنه لا يعرف معنى الجوع. تذكر موائد فيسكونتي المترفة تحت الثريات الذهبية، وموائد الأفلام القديمة التي كانت تتصاعد منها أبخرة المحاشي، والولائم الإيطالية التي بدت له يوماً أكبر من أحلامه كلها. لم يكن يتذكر حبكات الأفلام دائماً، لكنه كان يتذكر الطعام. يتذكر البخار، ويتذكر الأرغفة، ويتذكر الوجوه وهي تأكل مطمئنة.
عندما حل المساء نهض فجأة، وارتدى قميصه النظيف الوحيد، ومشط شعره الأبيض بعناية. ثم وقف وسط الغرفة وقال بصوت احتفالي:
ــ أدعوكم جميعاً إلى… موعد على العشاء.
ابتسم. وحده كان يعرف أنه سرق العبارة من عنوان فيلم لمحمد خان شاهده قبل سنوات طويلة. مرت الصورة في رأسه سريعاً، ثم اختفت.
تبادل أفراد العائلة النظرات. لم يفهم أحد ما الذي يجري. لكنهم جلسوا حول المائدة. كانت الطاولة خالية. الصحون خالية. الأكواب خالية. حتى سلة الخبز كانت خالية.
جلس أبو سعد في صدر الطاولة كما يجلس مدير صالة فخمة يستقبل ضيوفه، ثم قال:
ــ نبدأ الليلة بالتشريب.
وأشار إلى صحن فارغ أمامه. أغمض عينيه قليلاً. كان يراه بالفعل. كان يرى المرق الذهبي يلمع. ويرى قطع اللحم الكبيرة. ويرى الخبز وقد تشرب النكهة حتى آخره.
التفت إلى حفيدته وقال:
ــ انتبهي يا زهراء… المرق ساخن.
نفخت الطفلة في الهواء فوراً، فانفجر الجميع بالضحك.
شعر أبو سعد أن شيئاً دافئاً يتحرك داخل صدره.
أكمل بثقة:
ــ وبعده دولمة على الطريقة البغدادية.
مد ابنه يده إلى صحنه الفارغ وقال:
ــ أريد ورق عنب أكثر.
رد أبو سعد بجدية كاملة:
ــ خذ ما تشاء. الليلة لا حساب عندنا.
ضحكت زوجة الابن وقالت:
ــ الرز ممتاز.
فأجابها:
ــ هذا رز لا يوجد مثله حتى في الفنادق الكبرى.
وأضاف طبقاً آخر، ثم طبقاً آخر، ثم سمكاً مسگوفاً جاء للتو من دجلة، ثم بامية باللحم، ثم قيمراً مع الخبز الحار رغم أن الوقت وقت عشاء.
وبدأت اللعبة تكبر.
الجدة اشتكت من كثرة الفلفل. والحفيدة طلبت قطعة سمك إضافية. والابن أعلن أن التشريب يستحق جائزة عالمية.
وبينما كانت الملاعق الوهمية تتحرك فوق الصحون الفارغة، كانت الضحكات تملأ الغرفة الصغيرة.
شيئاً فشيئاً تحول الفراغ إلى وليمة. وتحول الجوع إلى حكاية. وتحول العشاء إلى أمسية عائلية حقيقية.
حتى إن زهراء قالت في لحظة صدق كامل:
ــ جدو… هذا ألذ عشاء أكلته في حياتي.
كادت دمعة تفلت من عينيه، لكنه ضحك بدلاً من ذلك.
واستمر في تقديم أطباقه غير المرئية. كان يستعيرها كلها من ذاكرته، من أفلام شاهدها، ومن مطابخ عرفها، ومن أمه التي رحلت منذ زمن، ومن عراق قديم ما زال يسكنه أكثر مما يسكن البيت الذي يعيش فيه.
عندما انتهت الوليمة نهض الجميع بشعور غريب. لم يشبع أحد، لكن أحداً لم يبق جائعاً تماماً.
قبّلت زهراء جدها قبل أن تنام، وقالت:
ــ متى سنكرر هذا العشاء؟
ربت على شعرها وقال:
ــ قريباً.
ثم انطفأت الأنوار واحدة بعد أخرى. نام الأطفال ونام الكبار.
وبقي أبو سعد وحده أمام المائدة.
مد يده إلى أحد الصحون الفارغة. مرر إصبعه على حافته ببطء. كان نظيفاً إلى درجة مؤلمة.
رفع رأسه نحو الظلام. تذكر أمه، وتذكر أباه. وتذكر دور السينما التي أغلقت أبوابها. وتذكر الوجوه التي اختفت. ثم ابتسم وهمس كأنه يحدث نفسه:
ــ غداً سيكون عندنا عشاء حقيقي.
وبقيت الكلمات معلقة في هواء المطبخ. وحده كان يعرف أنها تشبه الدعاء أكثر مما تشبه الوعد.










