عبد السلام فاروق
منذ أكثر من ثلاثين عامًا وأنا أعرف الدكتور مدحت الجيار، لم أره يومًا يرفع صوته، ولم أره يومًا يبحث عن منصة أو ضوء، لكنني رأيته يبني جيلًا كاملًا من الباحثين في صمت الراهب الذي آمن برسالته.
والغريب في الأمر، وهذا ما يزعجني شخصيًا، أننا في مصر والعالم العربي لا نعرف كيف نكرم أحياءنا. ننتظر حتى يموت الكبير لنبكي عليه ونكتب الرثاء، بينما هو حي بيننا يحتاج إلى كلمة طيبة، أو دعم، أو حتى أن يشعر أن ما فعله لم يذهب هباء.
الناقد الذي صنع الفارق
دعوني أكن صريحًا معكم، النقد الأدبي في مصر ليس بضاعة رائجة. لا أحد يشتري كتب النقد في المطار، ولا تجد الناس تتسابق على قراءة تحليل لصورة شعرية عند الشابي أو دراسة عروضية لديوان العقاد. لكن هذا لا يقلل من أهمية الرجال الذين حملوا هذه الرسالة على ظهورهم.
الدكتور مدحت الجيار واحد من هؤلاء القلائل الذين فهموا أن النقد ليس مجرد رأي يقال، بل هو منهج يبنى وعلم يتقن. بدأ رحلته عام 1984 بكتاب عن الصورة الشعرية عند الشابي، ولم يتوقف بعدها. سبعة عشر كتابًا بين التحقيق والتنظير، بين الشعر والمسرح والرواية.
وهذا تحديدًا ما يميزه إنه ناقد كامل، لا يعرف التخصص الضيق الذي يتحول عند كثيرين إلى عذر للجهل بما سواه.
ما قلته وما لم أقله بعد
أريد أن أتوقف هنا عند نقطة أحب أن يفهمها القراء جيدًا. الدكتور مدحت الجيار الذي يمر حاليًا بوعكة صحية، ليس مجرد أستاذ جامعي يؤدي واجبه وينصرف. لا، هذا الرجل كان بالنسبة لتلاميذه أبًا روحيًا ومعلمًا بالمعنى الحقيقي للكلمة.
تذكرت وأنا أقرأ قائمة مؤلفاته، تذكرت أيام الدراسة عندما كنا ندخل محاضرته بأسئلة صغيرة ونخرج بأسئلة أكبر. وهذا هو الفرق بين من يعلم التفكير ومن يعلّم الحفظ. الأول يظل أثره في العقول حتى بعد أن يرحل، والثاني يموت أثره مع انتهاء الامتحان.
والعجيب أن الدكتور الجيار لم يكتف بالنصوص المتداولة التي يسهل الوصول إليها، بل ذهب إلى المخطوطات نفسها. حقق “ديوان ابن إياس الحنفي” و”أراجيز رفاعة الطهطاوي المجهولة”. هذا عمل المؤمن برسالته، لا عمل من يبحث عن الترقية أو الشهرة.
رسالة إلى المسؤولين
وأنا أكتب هذا المقال، أفكر في شيء مهم. نحن في مصر نملك ثروة حقيقية من المفكرين والنقاد الكبار، لكننا لا نعرف كيف نستثمرهم. نتركهم يعانون الأمرين، ثم بعد رحيلهم نقيم لهم الندوات ونسمي الشوارع بأسمائهم.
لماذا لا نخصص ميزانية لدعم كبار النقاد والمفكرين؟ لماذا لا نعيد طبع أعمالهم وتوزيعها في المكتبات؟ لماذا لا ندرس مناهجهم في الجامعات وهم أحياء بيننا؟
الدكتور مدحت الجيار قدم للمكتبة العربية أكثر من سبعة عشر كتابًا في أربعة عقود. هذا إنتاج يحتاج إلى التقدير، ليس فقط بالكلمات، بل بالأفعال.
التحليل الذي لا يمل
دعوني أحلل لكم شيئًا في أسلوب هذا الرجل. عندما تقرأ كتابًا للدكتور الجيار، لن تجده يتعامل مع النص الأدبي كما لو كان جثة على طاولة التشريح. لا، هو يتعامل معه ككائن حي، يحترمه، يحاول فهم أسراره، لا يصدر أحكامًا مطلقة.
في كتابه “علم النص الأدبي” عام 2008، يقدم خلاصة تجربته. يعلمك كيف تقرأ، كيف تحلل، كيف تنتقل من الانطباع إلى المنهج دون أن تفقد روح الأدب. وهذا نادر جدًا في النقد العربي المعاصر.
وكتبه عن جماعة الديوان- المازني وشكري والعقاد- ليست مجرد دراسات نقدية، بل هي وثائق تاريخية تعيد بناء لحظة فارقة في ثقافتنا الحديثة.
دعوة صادقة
في النهاية، أدعو الله من كل قلبي أن يمن على الدكتور مدحت الجيار بالشفاء العاجل. ولكنني أدعو أيضًا وزارة الثقافة وجامعة الزقازيق وجميع المؤسسات المعنية إلى الالتفات إلى هذا الرجل وإلى أمثاله.
لقد آن الأوان لنكرم أحياءنا قبل أن يرحلوا. لقد آن الأوان لنقول للدكتور مدحت الجيار وأمثاله: شكرًا لك، نحن نرى تعبك، نحن نقدّر عطاءك، ونحن فخورون بأنك منا.
لأن المكتبة العربية، كما قلت في مقاله الجميل، ما زالت بحاجة إلى أمثاله. وما زال الشعر العربي ينتظر من يمسح عنه غبار الإهمال.
قم أيها الناقد الجليل، فما زلنا نتعلم منك. وما زال في العمر بقية لعطاء جديد.










