عمار علي حسن
ما إن رأيت صورة المطرب الكويتي عوض دوخي (1932 ـ 1979) على غلاف بعنوان “دوخي .. تقاسيم الصبا” من تأليف الكاتب الأستاذ طالب الرفاعي، وهو رواية صادرة عن دار الشروق بالقاهرة، حتى التقطت الكتاب، والتهمته التهامًا، على قدر ما تركه صوت الدوخي المفعم بالشجن والوجع والدهشة في نفسي من أحوال، لاسيما أغنيته الفريدة “صوت السهارى” التي شدت بها أيضًا المطربة العظيمة فايزة أحمد، وكذلك أغاني الدوخي التي أعاد فيها بصوته الرخيم بعض أغنيات كوكب الشرق أم كلثوم، ويقال إنها حين استمعت إليها استملحتها، وأثنت على حنجرة من صدح بها، حتى نسب إليها قول دال أطلقته بروحها المرحة المداعبة: “الحمد لله إن عوض رجل”، وهناك من يذكر أنها قالت “هو لم يكن مقلدًًا لي ولكنه أداها بأسلوبه الخاص، بخليجيته.”
تعرفت على صوت “دوخي” بعد وفاته بسبعة وثلاثين عامًا، أثناء سفر غير قصير خارج مصر، وبينما كنت وحيدًا في الفندق، جاءني على “واتس آب” فيديو قصير لرجل أسمر نحيل، يرتدي الزي الخليجي، ويمسك عودًا بلا عناية، ويرفع جسده ويمد عنقه نحو ميكرفون معلق أمامه، ثم يغني جزءًا من “صوت السهاري” بشكل هزلي واضح، يبعث على الضحك، لاسيما حين يردد كلمة “آه” بطريقة تقترب من النهيق، وهو يصحب هذا بحركات من جسده، تثير العجب والسؤال: أي مطرب هذا؟
فتحت محرك البحث “جوجل” وكتبت مطلع الأغنية، وضغطت على كلمة فيديو، فإذا بي أرى شخصًا آخر، يمسك عوده في تبتل، ويغمض عينيه في تتيم، ثم يمد أصابعه ليداعب الأوتار على مهل، غير عابئ بشيء سوى الألحان، والكلمات التي ستطلقها حنجرته سخية رخية، فتسكن روحي:
“صوت السهارى يوم مّرو عليه
عصرية العيد
أبطى ركابه وراح يسأل عليه
عصرية العيد
ساعة ما شفته أنا
بالي انشغل وياه
قضيت ليلي بهنا
وأصبحت أعد خطاه
ياللي بقيت بعيد
اليوم ذا يوم عيد
عيدك وعيدي أنا.”
كان اسم الأغنية ومغنيها مكتوبين تحت الفيديو، فجاء أول لقاء بدوخي، وإذا بي أقع في غرام صوته، فأسمع “صوت السهارى” كل يوم مرات، بصوته لا بطريقة مقلده الكوميدي الممثل والمونولجست أحمد العامر. بحثت عن أغنيات أخرى لـ “دوخي” على الشبكة العنكوتية فوجدت: “يا ويلي يا ويلي”، و”طال الصدود”، و”وسط القلوب”، و”رايات الفرح”، و”يا عون الله”، و”باركوا يا أحباب”، و”دمعي تحدر”، و”أهوى الحبيب”، و”آه يا قلب”، و”أنت والأيام”، وغيرها، ثم أجده قد طبع أغاني أم كلثوم بطابعه، ويروق لي صنيعه.
كان علي أن أعرف عنه أكثر، فجمعت معلومات عنه تبين أنه قد تلقى تعليمه بالكُتَّاب ثم انتظم في مدرسة النجاح، وكان يفضل قراءة كتب التاريخ والتراث، واقتنى مكتبة ضخمة، وأنه تيتم صغيرًا إذ توفى والده وهو الخامسة، وعمل نهامًا على السفن، ثم موظفًا بوزارة الإعلام.
أما سيرته الفنية، فقد تعلم عزف العود على يد أخيه، ونشط خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وتأثر بمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وهو أول من أدخل الكورال النسائي في الغناء الخليج.، وفي سجله الغنائي أربعون أغنية، وقد قدمته المطربة الكويتيّة عودة المهنّا إلى الإذاعة، فغنى عام 1959 قصيدة الشاعر العماني سعيد البوسعيدي (يا من هواه أعزّه و أذلّني… كيف السبيل إلى وِصالِك دلّني)، وكان يغني في طفولته أغاني المطرب البحريني محمد بن فارس، ويقلد أصوات مقرئي القرآن. وغنى الدوخي على ألوان عدة من الموسيقى مثل أغاني الصوت، وأغاني البحر، والنهمة والأغاني العاطفية، وأغاني الطنبورة، والأغاني الوطنية.
وأعرف صديقًا عراقيًا يعمل ناقدًا للأدب، كان أبوه ممن يجالسون دوخي في سهرات لا تنسى بالبصرة، وأتى على ذكره ذات مرة، فسألته عما إذ كان قد سمع من أبيه شيئًا عنه، فحكى لي الكثير، وكيف كان شخصًا رقيق الإحساس، نقي السريرة، مغموسًا في الطرب والموسيقى والتدخين من أخمص قدميه حتى ناصيته، منذورًا للحزن والوجد، يشغله الغناء عن كل شيء حتى عن صحته التي لم يكن يعتني بها، ثم أبلغني عن كتاب بعنوان “عوض الدوخي .. قيثارة كويتية لا تفنى”، تناول سيرته ومسيرته.
بما أعرفه عن دوخي من معلومات، وما أقدره له من مسار في دنيا الطرب، وبتعاطف شديد مع هذا الرجل الذي لم تمهله الدنيا لنسمعه أكثر، إذ مات وهو في السابعة والأربعين من عمره، تلقيت رواية طالب الرفاعي عنه، التي وضع لها مفتتحًا دالًا لمولانا جلال الدين الرومي يقول: “الموسيقى غذاء كل المحبين”، وجعل خاتمتها قول بطلها “المبدعون أعطية الله الباقية لبلدانهم.”، وترك تصديرها لباسم ابن عوض الدوخي، وصف فيه والده بأنه “نوخذة الطرب”، وأنه مثل “الأنتيك” أي القطعة النادرة التي يصعب وجودها وتكرارها.”
وحرص الرفاعي على أن تأتي المادة الموسيقية في روايته صحيحة، فدفع مادتها لثلاثة من دارسي الموسيقى ليراجعوا هذه المسار، وهم الموسيقى د. يوسف الرشيد، والباحث في التراث الموسيقي د. أحمد الصالحي، والموسيقي د. فهد الفارس، فيما استفاد من ملاحظات أبداها على مخطوط الرواية كل من يوسف الغنيم، وأنيس الرافعي، وولدي الدوخي فهمي وباسم، ما يعني أنه كان حريصًا على ألا يجور سرده الفني على حقائق في حياة “دوخي”.
هذا كله طرح في رأسي تساؤلات باتت مألوفة عن الروايات المكتوبة عن أعلام، أو مشاهير، وكيف لها تفادي الوقوع في أسر تفاصيل سيرهم المعروفة، وربما بعضها مسجل في كتب دونها مؤرخون أو صحفيون أو أشخاص عاصروهم، ففاضت سطورها لتضيق على الروائي الخيال، فتحد منه؟
ويجد بعض كتاب هذا الصنف من الروايات أنفسهم موزعين بين كتابة “سيرة غيرية” متوسلين بفن السرد، أو كتابة “رواية”. لكن الروائي المحترف لا يضيره أبدًا أن يعرف الكثير عن الشخصية الرئيسية التي يمنحها البطولة، طالما وجد “حيلة فنية” مقنعة ترمي بظلالها على أسلوب الكتابة، وبنية الرواية، وحبكتها، وتطور أحداثها، وتمنحها الكثير من “الأدبية” التي تجعلها مختلفة عن أي تأريخ أو كتابة تسجيلية أو تحقيق صحفي مطول، أو حتى عن الحكي الشفاهي حين تجري سير بعض الأعلام أو المشاهير على ألسنة الناس في السمر والسهر والسفر.
وندرك هذا منذ مطالعة ما كتبه طالب الرفاعي عن زمن روايته إذ يقول في بادئة لها “مساء الأحد 16 ديسمبر 1979، بين العشرة ونصف مساء، والثانية فجرًا، أضاءت بروق ذكريات مخيلة الفنان عوض دوخي بأطياف حياة عاشها. لامعة ارتفعت محطات عمره، لتبقى حاضرة أبدًا.”
هذه البادئة تشي بأن زمن الحدث المركزي في الرواية لا يزيد على ثلاث ساعات ونصف، وأن منبع الحكي هي “مخيلة دوخي”، وهذه تحتاج في حد ذاتها إلى تخيلها من قبل الكاتب، فهو لم يحضر ساعات احتضار بطله، ولا يمكن لمن صورها له أن يشرحها بتفاصيلها، وإن شرح ما تذكره منها، فليس بوسعه الغوض داخل نفس “دوخي” وهو يستقبل الموت، أو تخيله وهو يستعيد حياته الدنيا قبل أن يفارقها إلى الأبد، كما فعل الكاتب نفسه، الذي وظف آلية الاسترجاع أو الاستعادة ليسرد رحلة “دوخي” منذ ميلاده حتى الإغماضة الأخيرة.
ربما لم يدر هذا بخلد “دوخي” في ساعات الأخيرة، لاسيما مع الألم الشديد الذي كان يقاسيه من مرضه العضال، لكن الكاتب، وعملًا بقاعدة معروفة عن استعادة المقبلين على الموت، سواء بإرادة منهم أو بأمر مفروض عليهم، مسارهم الطويل، الذي تحفظه ذاكرة مجهدة، وترسم مشاهده في عيون صارت موزعة بين رؤية ما لها ومن حولها وبين عوالم أخرى سيقبل الموتى عليها، يتخيلونها بما استقر في رؤوسهم عنها من ثقافة صنعتها النصوص الدينية، والحكايات الإنسانية، أو هي واقعة أمامهم يعرفونها ولا نعرفها، يدركونها ولا ندركها.
ولم يكن هذا ببعيد عن ذهن المؤلف إذ يخبرنا بهذا في مفتتح ثالث تحت عنوان “سيرة فناة” قائلًا: “ترسم خيالات الرواية سيرة حياة الفنان عوض دوخي لتأتي أحداث وحورات الزمن اللحظى/ الآتي بخط داكن Bold في حين تكشف الذكريات نفسها بالخط العادي.” وهو نهج حرص عليه طالب الرفاعي على مدار نصه الذي استغرق مائتين وأربعة وخمسين صفحة من القطع المتوسط.
لكن هذه السيرة التي تشكل في هذا المقام مجرى الحكاية أو موضوع السرد أو المضمون الأساسي للرواية لا تتهادى بطريقة التتابع الزمني المعروفة، الذي يصاحب النمو الجسدي والعقلي والوجداني، ومعها التجارب الحياتية التي يمر بها المرء، إنما أتت عبر تقاطع اللحظة أو “الزمن المكثف”، وانتهجت حفرًا رأسيًا في الموقف والأحوال، مع التطور الأفقي لحياة بطلها.
فالكاتب يحدد ثلاثة عشر مشهدًا في الساعات الأخيرة من حياة “دوخي” ليستعرض عبر التذكر كل حياته منذ البداية إلى النهاية، وجعل لكل منها دقائق محددة يغطي حاصل جمعها آخر مائتي دقيقة تقريبًا في مسيرة الرجل، كما أعطاها عناوين دالة لها علاقة وطيدة بمضمون كل مشهد من قبيل: “ريح تنادي” و”موسيقى المطارق” و”نشوة الطبل” و”أصوات النهَّامة” و”آلة تغني بمفردها” و”كيف لإنسان أن يبيع أنفاسه” و”قلب يمتص الألحان” و”رجاء غنوا من قلوبكم” و”صوت الكورس .. صوت الناس” و”غرقت في غناء الست” و”صاحبي يأتي إلي” و”لقاء الأرواح” و”أعطية الله”.
كل هذه العناوين تخدم تعاطف الكاتب الواضح مع بطل روايته، متجاوبًا مع مطرب كم تمنى أن يصل صوته إلى جميع البقاع، كي يكون صوت بلده، ومتفهمًا لمساره الفني كواحد ممن يؤمنون بأن التراث الشعبي الأصيل منهل خصب لفن الغناء المعاصر، حيث كان يقول دوما “أنا تُراثيُّ”، وكان يرى أن المطرب عليه اختيار الكلمات التي سيغنيها جيدًا، لأن لها دورًا كبيرًا في نجاح أي أغنية من عدمه.
وكيف لا يتعاطف الرفاعي مع “دوخي” وهو يرى أمامه قصة نجاح لافتة، لشخص يصمد في وجه كل عوامل الإقصاء والتهميش، فلا يجعل اليأس يسرى في نفسه حين يتكرر رفضه من قبل الذين يعتمدون أهل الطرب، ويمنحونهم صك الاعتراف. يقاوم اليتم والفقر والتجاهل والاستغلال عازمًا على أن يكون له مكانه ومكانته، حتى يتحقق له هذا.
وتخبرنا الرواية أن “دوخي” أدرك منذ صغره أن طريقه إلى تحقيق ما يريد هو محبة ما يفعل، والإخلاص له، والدأب فيه، والصبر عليه، وهنا يشرح لنا الرواي ما فعله حين تمكن من شراء أول عود: “لحظة صار العود بين يديَّ تغيرت حياتي، ما كنت لأفارقه، وكنت كلما سنحت الفرصة ليلًا، أصعد إلى سطح بيتنا، وأبقى في عزفي إلى حين أذان الفجر، حتى أن الجيران اشتكوا مني، وأنني أزعج نومهم بعزفي طوال الليل.”، ثم يخبرنا كيف كان يرتاد أسواق الإسطوانات، ويذهب إلى مقهى يغني فيه مطربون بحرينيون، ثم يقول: “أقف مذهولًا أمام قوة صوت أم كلثوم، وجماله، أتحدى نفسي، أدندن مقاطع من أغانيها حتى يأتي اللحن على أوتار عودي.”
تضع الرواية من لا يعرف سيرة “دوخي” من قبل في أفق التوقع حين تطلق بداية مفعمة بالقلق والتوجس، فتقول أول عبارة فيها: “من تنادي الريح؟ لماذا اشتد عصفها؟ سأل عبد الله المحبوب نفسه. لأول مرة يخيفني جنونها؟ أشعر بها لابدة خلف شباكي، تعربد وتعوي بصراخها. الله يستر، وتمر هذه الليلة على خير!”، وظل صوت الريح ملازمًا لتدهور حالة “دوخي” الصحية، وجسده يذوي ويتداعي في اتجاه الموت، لتصبح الريح هنا نذيرًا كريهًا “الريح الكريهة صارت تهدأ قليلًا، لتهب ثانية بصياحها.”، وهنا يقول صاحبه، وهو يسمع صوت الريح يخالط سؤال زوجة “دوخي” عنه، بينما عيونهم تطالع وجهه وهو طريح الفراش: “انتبهت لعواء الريح المجنونة في الخارج. خشيت أن أقول لأم فهمي: الله يستر من هذه الريح!”
والمحبوب هذا واحد من شخصيات عدة وقفت عند رأس “دوخي” أو على مقربة منه في الساعات الأخيرة من حياته، وبهم يفتح الكاتب نوافذ للسرد والتفاعل والحوار داخل النص، ويستخدم مداخلات هؤلاء أو تأملاتهم أو زفرات تألمهم أو تمتماتهم وحتى الأسى في عيونهم كواحد من عوامل جلب التعاطف مع بطل الرواية، فيضفي على النص بعدًا إنسانيًا، ينأي بعد عن أن يكون مجرد تسجيل حياة رجل شهير في بلده وغيرها، خاصة أن الكاتب يستخدم هذه الشخصيات في فتح مسارات متعددة من ربط “دوخي” بمجتمعه، وربط كل هؤلاء بالسياق العام، وفتح نوافذ للتخييل اللازم لأي عمل فني.
وهنا يطل برأسه عامل آخر يثري النص بشق درب سردي آخر، يحيط بالبطل، ويؤثر فيه، لكنه يكفي وحده لنفهم طرفًا من التطور الاجتماعي والسياسي في الكويت، سواء اتصل هذا بمسار “دوخي” أو جاء منفصلًا عنه، فسياق الرواية يتسع عن حياة شخص، حتى لو كان هنا “بطلًا إشكاليًا”، ليرصد حياة مجتمع انتقل من صيد اللؤلؤ إلى عالم النفط، ومن المَحْل إلى الغنى، ومن البساطة إلى التعقيد، ومن التقليدية إلى لون من التحديث، كان قشريا مظهريًا عند البعض، وعميقًا جوهريًا عند آخرين.
وإمعانًا في تكريس شخصية بطل الرواية تتخلل السرد مقاطع نصية كثيرة مما غناه دوخي على مسار تاريخه، من مختلف ألوان الغناء، بدءًا بالموروث الشعبي وانتهاء بقصائد شعرية فصيحة. لكن هذه الأغاني لا تُقحم على مجرى الحكاية، إنما هي تواكب تطورها الواقعي، إذ أن جزءًا كبيرًا من حياة أي مطرب يتمثل باالطبع في سيرة أغنياته، فخلف وقبل ومع وبعد كل منها واقعة، تصل أحيانًا إلى حد الدراما الكاملة. وفضلًا عن أن إيراد الأغاني قد عمق عرض سيرة “دوخي” فإنه منح السرد حيوية، إذ صار في حد ذاته نوعًا من توالد الحكايات على ضفتي المجرى الرئيسي للنص.
ويتخيل الكاتب كل ما كان يدور في نفس “دوخي” منذ طفولته وحتى الرمق الأخير، سواء في لحظة صعود الأحلام إلى ذروتها، أو وقت انطفائها حين أخبره الأطباء بأنه مصاب بسرطان الرئة، وهنا يقول: “في بداية مرضي لا أدري ماذا أصابني، ذبل شيء في خاطري وقلبي، أخافتني الفحوصات وأنا أتتبع نظرات الأطباء المقطبة وهم يقرؤون تقارير المختبر، فقدت اللحظات رتمها، ولا عاد شيء يمس روحي.”
وقد حاول “دوخي” مقاومة المرض كي يواصل الغناء، مكمن حبه ومبلغ أمله، لكن جسده كان يخونه، فتبدأ شكواه ونجواه في اللحظات الأخيرة حين يشعر أنه لا يقوى على مرضه، وأن فرص العودة إلى الغناء تتبدد: “ما أكثر ما تساءلت. لماذا يمسك المرض بي، يرفض مغادرة جسدي؟ عشت نشوة رجوعي، وسجلت أغاني جديدة، لكني شعرت أن شيئا ما انكسر في روحي، وأن ظلا شبحيا لمرض يساير خطواتي، ويتربص بي، ويوسوس لي بين نوبة صداع، أو ألم في صدري، أو كحة أو بلغم بلون الدم.”
وما بين الإيغال في تحليل وشرح دواخل نفس البطل، وإطلاق حوار متخيل بين من يحيطيون به في ساعاته الأخيرة، أو حتى حواره هو مع نفسه المعذبة، وعبر لغة شاعرية إلى حد كبير، وصور مشهدية، تضفى الرواية على حياة “عوض دوخي” بعدًا آخر، يجعلها من خلال، التأصيل والتخييل، أعمق وأجمل كثيرًا من أي تناول تقريري عنه تهديه لنا الصحف والمجلات الفنية إن أتت على ذكر “دوخي”، أو حتى من كتابة سيرة غيرية له، حتى لو كانت حسنة السرد، إذ أن “دوخي” هنا ليس فقط ذلك المطرب الشهير الذي يعرفه كثيرون، ويقدره من عاصروا أيام مجده وبعض من جاءوا بعدهم، إنما هو “أمثولة” عن إنسان معذب بفعل فجوة كانت تتسع طوال الوقت بين رغبته وقدرته، وحين كافح في سبيل تضييقها أو تبديدها خانه جسده، فاتسعت هذه المرة بلا حد، ليموت الرجل وفي نفسه كثير مما كان يريد تحقيقه ولم يمهله القدر.
……..
*نقلا عن صحيفة “الوطن”










