أحمد العشري
في بعض البيوت
لا يبدأ الليل
حين تغيب الشمس
بل حين تتعثّر امرأةٌ
في اسم ابنها
أو حين تنظر
إلى ملعقة الطعام في يده
كما لو أنها جاءت
من حربٍ بعيدة
ثم تعود
لتحدّق فيه
بذلك الحنان المرتبك
الذي يجعل قلبه
خجلًا
من فكرة النجاة
منذ أسابيع
لم أنم نومًا كاملًا
بابُ الغرفة يُفتح وحده
الأكوابُ تتبدّل أماكنها
أسماءُ الأشياء تُقال
بنبرةٍ خاطئة
وأنا أركض كل ليلة
نحو حريقٍ جديد
أعدُّ الأبواب مرتين؛
مرةً
كي لا يخرج أحد،
ومرةً
كي لا أدخل أنا
أجمع المفاتيح
أخفي السكاكين
أراقب النوافذ
وهي تحدّق في وجهي
بعينين أعرفهما تمامًا
ثم، بعد دقيقة
تطردني
وتخبرني
أنني مجردُ زائر
أخطأ العنوان
على الطاولة
رمالُ كافيين
تتناثر حول أقراص
بأسماء طويلة
تحتاج إلى ترجمة فورية
لتتذكر تأثيرها
الأقراص كانت
تُخدّر البيت كله
إلا هي
صوتها يأتي
من الغرفة المجاورة
كأنه يبحث عن اسمه
في بيتٍ
تغيّر أثاثُه أكثر من مرة
ولم يتغيّر وجعه.
منذ أسابيع
أعرف
أنني لا أعيش
أنا فقط
أؤجل الكارثة
بكلتا يديّ
أعرف أيضًا
كيف يمكن لقلبٍ واحد
أن يراقب غرفةً كاملة
وفي الوقت نفسه
ينهار بصمت
في غرفةٍ أخرى
أبدو من بعيد
كشخصٍ يرتّب البيت بعناية
بينما هو في الحقيقة
يحاول فقط
ألّا يسقط أحدٌ آخر
من داخله
في الطريق
كانت الأشجار
تجري للخلف
كذكرياتٍ
تحاول النجاة.
وهي
تحدّق في الزجاج
بتلك الدهشة
التي يمتلكها الغرقى
قبل ابتلاع الماء الأخير.
ثم تلتفت نحوي
فجأة وتبتسم
الابتسامة نفسها
التي كانت
تربّت بها
على شاماتي القديمة
لكنني هذه المرّة
لم أكن الطفل
ولم تكن هي
النجاة
قلبي
في تلك اللحظة
لم يكن عضوًا بشريًا
قلبي طفل
يُسحَب من ذراعه
نحو يُتمٍ طويل.
وأفكر
أيُّ نوعٍ من الأبناء
يُقنع المرأة
التي علّمته المشي
أن تركض معه
إلى مكانٍ
ستكرهه فيه؟
حين اختفت
خلف باب المشفى
لم أشعر
أنني سلّمتها لليقين
شعرتُ
أنني أغلقت الباب
على آخر شخصٍ
كان يعرفني
قبل الخراب
وفهمتُ متأخرًا
أن الأبناء
لا يكبرون فعلًا
هم فقط
يتدرّبون
على خسارة أمّهاتهم
ببطء
….
مايو، ٢٠٢٦









