حاوره: أحمد اللاوندي
أمجد محمد سعيد؛ صاحب بصمة خاصة في المشهد الشعري العراقي الحديث، ولد في مدينة الموصل عام (1947م)، وحصل على بكالوريوس اللغة العربية في كلية التربية جامعة بغداد (1970م)، نال درجة الماجستير من جامعة القاهرة (2011م) في موضوع تحقيق التراث من معهد البحوث والدراسات العربية، عمل كملحق في السفارة العراقية بعمان من (1977م- 1981م)، ومدير المركز الثقافي العراقي بالقاهرة من (1988م- 1991م)، ومدير المركز العراقي في الخرطوم من (1992م- 1996م).
له حضور فعال في المهرجانات الشعرية والأدبية التي عقدت بالدول العربية والأجنبية، وصدرت له مجموعة كبيرة من الدواوين الشعرية منها: (نافذة للبرق 1967م)، (أرافق زهرة الأعماق 1979م)، (البلاد الأولى 1983م)، (الحصن الشرقي 1987م)، (رقيم الفاو 1989م)، (أربعون نهارًا 1996م)، (سورة النيل 1999م)، (ما بين المرمر والدمع 2001م)، (قمر الأناشيد 2002م)، (مرايا العزلة 2003م)، (نشيد الأزمنة 2007م)، (الوصول إلى زهرة الماء 2010م).
حصل على العديد من الجوائز، وورد اسمه في كتاب “من الشعر العربي في العراق”، من إعداد وتقديم وترجمة (د. عبد الواحد لؤلؤة)، و”معجم البابطين للشعراء العرب”، و”معجم أعلام العراق”، و”موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين”.
كُتبت عن نتاجه الشعري الكثير من الدراسات النقدية، وأخذت في شعره مجموعة من درجات الماجستير، من بينها: “بنية القصيدة في شعرية أمجد محمد سعيد” للباحث (مصطفى مزاحم) من تكريت، و “شعرية الموصل في نصوص أمجد محمد سعيد” للباحثة (لبنى حسن) من الموصل.
مدينتك التي ولدت فيها هي (الموصل). حدثنا عن طفولتك، وعن ذكرياتك هناك؟
الموصل مدينة ذات شخصية خاصة، من الجوانب المختلفة: كالتاريخ الحضاري والبعد الإبداعي والطبيعة الجغرافية والتنوع السكاني واللغوي وغير ذلك، وهي مدينة متنورة، حتى وإن كانت جذور أبنائها من العشائر المتفاوتة التي تحيط بها. الموصل جزء حيوي من تاريخ العراق القديم، وصولًا إلى العصر الراهن، وقد ولدت في حي من أحيائها القديمة، ونشأت بين أزقتها الضيقة الحميمة المبنية من الحجر والجص والمرمر، وقد تشكلت أولى علاقاتي مع أقراني في الزقاق والشارع والمدرسة الابتدائية فيما بعد، وكان نهر دجلة والشواهد الحضارية القديمة والإسلامية والحديثة؛ جزءًا من بانوراما المشهد الذي لا يزال يسكن الذاكرة، وطالما أطل على القصيدة التي أكتبها، قرأت القرآن الكريم مبكرًا، على يد أحد الشيوخ في جامع قريب من البيت فاقتربت من فصاحة العربية، وكنت أراجع المكتبة العامة لاستعارة المجلات والكتب التي تناسب مرحلتي العمرية، ثم تطورت القراءات مع التقدم في المدرسة المتوسطة والثانوية والإعدادية، حتى التحقت بقسم اللغة العربية في كلية التربية ببغداد عام (1964م).
ذكريات الموصل هي ذكريات الحياة ذاتها بتفاصيلها، عدا السنوات التي عشتها في بغداد، والسنوات التي قضيتها موظفًا في السلك الدبلوماسي، والسنوات الأخيرة التي ما زلت أعيشها في القاهرة. وللموصل تأثير بالغ في هوية قصيدتي، وطالما احتلت تجارب وحكايات وأسماء ومفردات وشخصيات وأماكن الموصل مساحة كبيرة في مجمل نتاجي الشعري، كنت دائم الاحتكاك بشعراء من الموصل ونشرت في صحفها كثيرًا.
إن الذكريات تتوزع على الحياة اليومية التي عبرتها، وكذلك صدى الأبعاد الحضارية التي كانت شواهد مهمة في بناء الشخصية الموصلية، مثل الحضارة الآشورية وحضارة مدينة الحضر والإرث الإسلامي والمسيحي، والأبعاد الاجتماعية لمكونات الموصل، إضافة إلى العرب حيث الكرد والتركمان وغيرهم. كذلك التجارب العاطفية الشخصية التي تتوزع على أكثر من زاوية من زوايا النفس والقلب والذاكرة.
كان ولا يزال في الموصل حركة ثقافية مهمة جدًّا في شتى مجالات الثقافة والفن والإبداع، كان هناك المؤلفون والفنانون والكتاب والمتخصصون في المجالات العلمية المتشعبة، حيث أثر كل ذلك فيَّ كشاعر، بل وأصبح جزءًا من الذاكرة الشخصية والجمعية للمواطن في مدينة الموصل.
يقول محمود درويش: أكتب لأنه لم تعد لي هوية أخرى ولا محبة أخرى ولا وطن آخر. لماذا تكتب أنت؟
طالما سئل الشعراء والكتاب مثل هذا السؤال وتعددت إجاباتهم عنه، إن الإبداع عمومًا يبدأ من وازع شخصي تكونه مجموعة من الرغبات والأسس التي تتطور، وتكون هوية المبدع منها البيئة الأولى والقراءات الأولى والعلاقات الأولى والثقافة الشخصية والموهبة والتخصص والمتابعة وغيرها. والحقيقة أنا أكتب الشعر، لأنني قادر على أن أقدم من خلاله تجربتي الذاتية، وصدى الحياة التي أعيشها بشكل إبداعي متميز عبر فن راق من الفنون الإنسانية، التي تشكلت في الوعي البشري منذ بدايات الحياة، حيث كانت الكلمة ولا تزال وسيلة للتعبير عن هموم وتطلعات وهواجس ومخاوف وآمال البشر.
حين تكتب؛ فأنت تتميز عن أقرانك، وتؤكد مقدرتك على قراءة التجربة، وإيصالها إلى الآخر الذي حين يحتفي بها فإنه يسعدك، بذلك؛ قد يؤدي الشعر مهمات أخرى، ليس من واجبه أن يقدمها، لأنه في الأصل تعبير عن الشاعر نفسه. وتجارب الشعراء تختلف باختلاف تجاربهم ومدى تأثيرها في مجتمعاتهم، لكن المهم دومًا بالنسبة لي، أن لا يكون الشعر وسيلة لأي مقصد أو مكسب نفعي، يخرج به من دائرة الفن إلى دوائر وظيفية ليست من شأنه. وبمرور الأيام تكتب وتصبح الكتابة هويتك كما قال درويش، وتصبح جزءًا من المشهد الشعري لوطنك أو مدينتك أو ثقافة لغتك، وتصبح مسؤولًا عن الإسهام في التطور الحاصل في طبيعة شعر المرحلة التي تعيشها.
علاقتك مع الكتب بدأت في سن صغيرة. لمن كنت تقرأ في تلك الفترة، ولِمَ اخترت أن تكون شاعرًا؟
بدأت علاقتي بالكتب مبكرًا قياسًا إلى أقراني في البيئة التي كنت أعيش فيها، فمنذ الصف الخامس الابتدائي وبعد قراءة القرآن الكريم في العطلة الصيفية؛ كنت أراجع المكتبة العامة في الموصل، وأستعير القصص وقصص الأنبياء وكتب التراث وحيوات الشخصيات وكتب التاريخ البسيطة ومجلات مثل الرايدرداجست والهلال وبعض الكتب الفنية والمسرحيات والدواوين البسيطة، كما كنت أشتري المجلات العامة والفنية والثقافية وبعض المطبوعات من شارع المكتبات في الموصل، وتطور الأمر رويدًا رويدًا إلى المزيد من كتب التراث والشعر والروايات والقصص، حتى بدأت كتب الأدب تستحوذ على اهتماماتي، خاصة دواوين الشعر العربي القديم والمعاصر وبعض الترجمات.
كنت أتابع ما يصل إلى الموصل من صحف ومجلات بغداد والقاهرة وبيروت، وبعد لقائي مع بعض شباب الحركة الأدبية في الموصل؛ عرفت أنني منحاز لكتابة القصيدة من خلال اهتمامي بالشعر، وبالإضافة إلى قراءات الشعر القديم، بدأنا نقرأ للشعراء العراقيين والمصريين والسوريين واللبنانيين، مثل: السياب والبياتي ونازك الملائكة وحجازي وعبد الصبور ونزار قباني وأدونيس ومحمد الماغوط، وغيرهم. فضلًا عن الشعر المترجم من اللغات الأخرى.
تجولت بين دول وبلدان وعواصم ومدن عربية كثيرة. مَنْ منها الأقرب إلى قلبك، وما الذي أعطاه لك السفر، وما الذي أخذه منك؟
زرت بعض البلدان العربية وعملت في عدد آخر منها، زرت مدينة القدس قبل احتلالها عام (1967م)، إضافة إلى مدن فلسطينية مثل رام الله والخليل ونابلس، وزرت الأردن وسوريا ولبنان في نفس تلك الرحلة الطلابية الربيعية، وأنا الآن أقيم في القاهرة من سنوات عديدة، وفي الحقيقة؛ لكل مدينة زرتها طعم خاص وإرث خاص وتجربة خاصة.
السفر يثري الشاعر بتجارب وثقافات، ويلتقي بأناس كثيرين من مختلف الطبقات والشرائح والمدن، كان السفر بالنسبة لي معينًا لا ينضب، وكتبت عشرات القصائد التي ولدت من مخاضات السفر، والتي هي مستوحاة من المشاهد الجديدة التي تصادفني، لقد أعطاني السفر رؤية أوسع للعالم والثقافة والإبداع، كما زودني بعلاقات أشمل بالإنسان وبهمومه، وبطبيعة تفكيره وانحيازاته، وأعطاني أيضًا حنينًا شاسعًا للعراق وللموصل، ومن خلاله تعمق ذلك العشق بالوطن إلى إنجازات شعرية أعتز بها للغاية.
شخصيتك هادئة. فهل أنت مشاغب من الداخل؟
نعم؛ أنا هادئ مثل أغلب الشعراء، الذين ينصرفون إلى القراءة والتأمل ومعاينة الأشياء، بعين فاحصة وتشكيل علاقات إنسانية إيجابية، كل ذلك ينعطف إلى الانحياز إلى سلام الروح والمحبة للآخر، قد أكون مشاغبًا حين أحتال على القصيدة، وأحاول إخراجها من عاديتها إلى فجاءات في الصورة واللغة والإيقاع والفكرة والمعنى واختزال ما يبدو مهمًّا. إن القصيدة تستجيب لمشاغباتي هذه لنحيل للقارئ ما نعتقد أنه قصيدة عليه أن يبذل جهدًا ليس كبيرًا في التعامل معها. وكوني شاعرًا؛ يجعلني أتفهم ما يكتبه الآخرون دون إحساس بالتفوق أو المصادرة، بل بحب وهذا ما أجده ينعكس عندي من محبتهم.
تقول: (دماكِ السيمياءُ/ تباركُ الأوقاتَ تصبحُ فضةً/ ذهبًا/ دماكِ النسغُ/ تخلقُ من حجارة أرضنا رطبًا/ دماكِ تشكلُ المعنى الجديدَ/ فيصبحُ الصمتُ العطينُ المرُ/ صرخةَ نافث/ ويصيرُ ذاكَ الثلجُ فوقَ الحلقِ/ من أحزاننا/ لهبا). إلى أي درجة تؤمن أن الشعر قادر على تغيير الواقع؟
لقد أصبحت أقرب إلى الاعتقاد بأن الشعر لا يستطيع أن يغير كثيرًا من هذا الواقع المأساوي، ما الذي يستطيع الشعر أن يفعله سوى أن يغني للأمل القادم ويشير إليه، ويبشر بالحب وبالمساواة بين البشر، ويدين الجرائم التي تدمر الأرض ومن عليها. من يسمع الشاعر وهو مركون في آخر القافلة يسحل نفسه ويسحل معه قصيدته المتعبة. الشاعر يفتح آفاقًا، وعلى الآخرين أن يسلكوها. إنه يصلح للغناء فقط.
أخبرنا عن أول جائزة حصلت عليها، وعن تقييمك للجوائز؟
في عام (1989م) فزت بالجائزة الأولى في مسابقة وزارة الثقافة والإعلام العراقية (مسابقة الفاو الكبرى)، في مجال الملحمة الشعرية، عن ملحمتي (رقيم الفاو)، وكان من محكمي الجائزة الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور محسن الموسوي والدكتور عناد غزوان، وكانت أربعون مقطعًا تتحدث عن العراق منذ أول التاريخ إلى انتهاء الحرب. حاولت أن أستفيد فيها من مواصفات الملحمة الشعرية القديمة مع بعض التصرف في الأوزان والصور والسرد التاريخي ومعاينة الأبطال، وغير ذلك.
الجوائز الآن؛ لا أعرف كيف تمنح، ومن هم المحكمون، وما أهمية ما يقدم لهم من نصوص، لكن؛ لا ضير من منحها للأدباء والشعراء والنقاد والباحثين. ويبدو لي؛ أن القائمين على الجوائز، يحاولون أن يكونوا أعدل ما يستطيعون، وإن لم يفلحوا.
ديوانك “قمر الأناشيد” صدر عن وزارة الثقافة والإعلام في بغداد عام (2001م)، وهو يتناول جوانب من سيرة الرسول (ص). الجديد الذي طرحته في هذا الديوان؟
(قمر الأناشيد) أعتبره تجربة خاصة في تناول بعض المشاهد من حياة الرسول محمد (ص)، حيث يتكون من أكثر من أربعين مشهدًا أو موقفًا، تلك المشاهد مكتوبة بالأنواع الشعرية (العمودي والتفعيلة والنثر) باختزال شديد، يتقدم كل نص منه آية قرآنية أو حديث شريف أو بيت من الشعر. وأشعر أنه نجح من خلال الترحيب به، وأنا أعتز به، والجديد فيه أنه لا يشبه غيره من قصائد المديح النبوي.
ترجمت قصائدك ودواوينك إلى عدة لغات مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية والكردية والدانماركية. رؤيتك لواقع الترجمة اليوم في الوطن العربي؟
الترجمة اليوم عشوائية، لا تخضع لمعايير محددة متفق عليها بين كل المؤسسات المعنية، رغم أهمية ما يصدر من ترجمات من اللغات الأجنبية إلى العربية، ولكن النقص الخطير؛ هو قلة ما يترجم من العربية إلى اللغات الأجنبية.
كيف تتجلى صورة المرأة في شعرك؟
المرأة في أغلب قصائدي تأتي رمزًا، خاصة عن الأرض والوطن، حتى وإن كنت أعبر عن تجربة حب حقيقية، وقلما أكتب غزلًا مجرّدًا، ولكني كتبت مجموعة مستقلة كانت تعبر عن تجربة خاصة، اختلط فيها حب المرأة بحب المدينة الموصل، بأكثر من عشرين مقطعًا بعنوان (ما بين المرمر والدمع)، كَتب عنها دراسة وافية الدكتور الناقد محمد صابر عبيد، كما كانت بعض قصائدي من مجموعة (شمس أخرى) تنحو المنحيين كلاهما.
السر وراء الانتشار السريع لقصيدة النثر؟
لا شك أن تطورًا ما قد حصل في السنوات الأخيرة، أعطى شرعية لقصيدة النثر، ولأنني كتبتها أحيانًا كضرورة في سياق قصيدتي؛ أشعر بشرعية وجودها في عصرنا الأدبي هذا، وأنا من الشعراء الذين لا أفرق بين الأنواع، فلكل نوع إبداعه وفرسانه، العمود والتفعيلة والنثر، ولكنني أعتقد أن كتابة قصيدة النثر ليست بالسهولة التي يتصورها البعض، فهي حين تفقد عنصري القافية والوزن؛ لا بد لها أن تعوضهما بقدرات فنية وأسلوبية أخرى، لقد انساق البعض إلى كتابتها، لاعتقاده بسهولتها، وهذا خطأ كبير، وعلى نقاد الشعر أن يكونوا صارمين في التعامل مع النتاج الهائل لقصيدة النثر، كما على شاعر قصيدة النثر أن يمتلك الأدوات الفنية الضرورية.
الشعر العراقي المعاصر؛ بأيِّ نظرةٍ تراه حاليًا؟
هو معروف بشعرائه ونصوصه، وكتبت دراسات متنوعة عنه، ولا يزال الشعراء العراقيون يبدعون القصيدة بأنواعها، ولكنني لست متابعًا لما ينشر للشعراء العراقيين، إلا ما يرد على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الدواوين التي يصدف أن تأتينا من هنا وهناك، ويبدو لي أن هناك الكثير مما ينشر في الصحافة العراقية وإن كنت أعتقد أن أغلب الشعراء الجدد؛ هم إما من شعراء القصيدة العمودية أو قصيدة النثر، أما قصيدة التفعيلة فما زال شعراؤها يكتبون بكل تأكيد. يا سيدي، الشعر في العراق بخير، ويتطور من جيل إلى جيل.
تجربتك الشعرية الطويلة هذي؛ أخذت حقها نقديًّا؟
ما كتب عن شعري معقول حتى الآن، فقد كتب عنه في العراق ودمشق وعمان والخرطوم والقاهرة وغيرها دراسات ومقالات كثيرة، وترجمت قصائد منه. إضافة إلى أنه موجود في أغلب المختارات الشعرية العراقية والعربية، وما كتب عني؛ هو تقريبًا بنفس مقدار ما كتب عن زملائي من جيلي، وشاركت في مهرجانات وملتقيات مهمة، وأنا قانع بذلك.










