أحمد رجب شلتوت
كان الرجل يرص قوالب الطوب الأحمر في دائرة، وكانت الصفوف الدائرية تعلو تدريجيا، ولمة الأطفال حوله تتكاثف، انفلتُّ من يدي أبي مندسا وسط اللمة، جذبني أبي لنبتعد، وفي الطريق إلى الخياط أخبرني أن البناء فرن لكنافة رمضان، فالشهر يبدأ بعد يومين، وتلك حلوى الصائمين.
وددت رؤية البناء حين يكتمل. لكن أبي كان عجولا مع أن الخياط لم يكن بعيدا، منحه سيجارة ودخن مثلها وظل يمنحه السجائر حتى فرغت العلبة وأتم الرجل تفصيل جلابية العيد، ألبسني الخياط الجلابية، أعجبت أبي فابتسم، ثم نزعها عني فالعيد لا يزال بعيدا.
وفي طريق عودتنا تركته يشتري علبة سجائر مقتربا من الفرن الذي اكتمل، رأيت صاحبه يعاون من بناه في رفع الصينية النحاس الواسعة، يثبتانها في موضعها أعلى الفرن، قال لهما أبي وهو يجذبني:
_ كل عام وأنتما طيبان
وعدني بأن يشتري الكنافة في أول أيام رمضان، صمت قليلا ثم نفث دخان سيجارته قبل أن يضيف بأسى:
_ لو كنت موجودا
تناول معنا السحور الأول ثم ارتدى بدلته العسكرية وغادر مع الفجر، ولما قامت الحرب تضامنت أمي مع جدتي وقاومتا كل توسلاتي ومحاولات جدي لجلب الكنافة، فالحلوى لا تطيب إلا في حضور الحبيب.
لامهما جدي، تعيشان وكأننا في حالة حداد، فقط اعترض على إغلاق التليفزيون، يحتاج لمتابعة أخبار الحرب، وأنا لم أغادر مكاني أمام الشاشة إلا مع نهاية الإرسال، كنت أنتظر خبرا عن أبي، أن أراه رافعا العلم أو قابضا على عدو، واليوم ومع الإعلان عن ثبوت هلال شوال بكيتا وأصرتا على إغلاقه.
***
– الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا
الناس في الخارج يكبرون وهم في طريقهم إلى ساحة صلاة العيد، أسمعهم فأتعجل أمي، تحكم إغلاق أزرار الجلابية الجديدة وتعيد تمشيط شعري مرات ومرات، لا تفلتني إلا بعد إلحاح جدي، يقبض على يدي، ننضم لمن يقصدون الساحة، فرحا شاركتهم الهتاف:
_ لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
وفي الطريق كان صاحب الفرن يهوي بمعوله على الجدار الدائري، فيتهاوي، غاضت فرحتي، وبعد الصلاة تحول الفرن إلى كومة كبيرة من الركام، تناثرت حولها شظايا أحجار، ركلت إحداها وأنا أفلت من يد جدي جاريا نحو البيت.










