إسلام وهبان
بينما ينشغل العالم اليوم بجدل عقيم حول مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على المستقبل الوظيفي لكثير من البشر، وخسارة فرص أو اندثار مهن عديدة أمام زحف الآلة، خاصة بعد ما شهدته السنوات الأخيرة من تطور هائل في تقنياته، تباغتنا رواية “صاحب الصوت الأزرق” للكاتب الدكتور شريف عرفة، بسؤالٍ أكثر رعبًا وعمقًا: “هل نحن بصدد خسارة سيادتنا كبشر بالكامل حتى على أنفسنا؟!
من خلال حبكة بوليسية مغلفة بضباب الكوابيس والاضطرابات النفسية، وفي إطار يجمع بين أدب الجريمة، والتشويق النفسي، وعناصر الخيال العلمي، يورطنا المؤلف في روايته الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، في رحلة وعرة تبدأ بحلم متكرر لجريمة بشعة، يراه بطل الرواية، الدكتور جلال زهران، الذي يعمل في مجال الطب النفسي الشرعي، حيث يتفاجأ بحدوث الجريمة ذاتها على أرض الواقع، وينتهي بنا المطاف أمام مرآة كاشفة لمستقبلٍ يتغول فيه الذكاء الاصطناعي في أدق تفاصيل حياتنا، لنتساءل: “هل ما زلنا نحن من يتحكم بزمام الأمور، أم أننا بتنا مجرد بيانات في خوارزمية صاحب الصوت الأزرق؟”
تدور أحداث الرواية في المستقبل القريب وتحديدا عام 2045، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل خلفية صامتة متحكمة في كل مصائرنا، ليجد القارئ نفسه أمام نص لا يكتفي بتتبع مسار جريمة غامضة، بل يمتد لمناقشة أزمات الإنسان المعاصر الذي يجد نفسه عالقا بين منجزات التكنولوجيا المعقدة من جهة، واحتياجاته النفسية ونداءاته الروحية من جهة أخرى.
– الذكاء الاصطناعي و”متلازمة الماتريكس”
تتكئ رواية “صاحب الصوت الأزرق” على محور رئيسي أو فكرة أساسية وهي تسليط الضوء على مخاطر اعتماد البشر المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي وتوغله في أدق تفاصيل حياتنا اليومية. لكن اللافت هو تجاوز النص للتحذير المباشر من مخاطر هذا التوغل، والذي أصبح حديث الساعة في المؤتمرات الكبرى والحلقات النقاشية وكذلك المقالات الصحفية، ليناقش الأثر النفسي لهذه التقنيات على إدراك الإنسان لواقعه وطريقة تعامله معه. فمن خلال طبيعة عمل بطل الرواية، نتعرض إلى حالات معقدة، واضطرابات نفسية أصبح الذكاء الاصطناعي طرفا فيها وليس وسيلة في علاجها، مثل المريض المصاب بـ “متلازمة ماتريكس، والذي يُقدم على إحراق منزله معتقداً أنه بذلك يقضي على الوهم أو واقعه الافتراضي ليعود إلى “العالم الحقيقي”.
تذكرني هذه الجريمة بإحدى أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار، في كتابه “المصطنع والاصطناع”، والتي يرى خلالها أن العصر الحديث استبدل الواقع بنسخ وعلامات اصطناعية، حتى تلاشت القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو افتراضي أو وهمي. تتجسد هذه الرؤية بوضوح في عوالم رواية شريف عرفة، لنجد أن الشرائح الذكية، والواقع الافتراضي، والخوارزميات، خلقت بيئة مصطنعة تبتلع الإنسان، ليصبح الشك في الوجود ذاته حالة مرضية.
يطرح الكاتب أيضا مفهوم “وادي الغرابة” لوصف الحالة النفسية المضطربة التي تصيب البشر عند التعامل مع روبوتات تكاد تتطابق في مظهرها مع البشر، مما يثير تساؤلات حول الهوية والحدود الفاصلة بين كل ما هو إنساني والآلة.
– الحبكة.. بين التشويق وتمرير فلسفة خاصة
على مستوى الصنعة السردية، تقدم الرواية حبكة متماسكة تناسب قالب أدب الجريمة والتحقيق. حيي يبدأ النص من مسرح جريمة غامض وتتصاعد الأحداث تدريجياً من خلال مسار التحقيقات الذي يدمج بين تتبع الأدلة الجنائية المادية، وتحليل البصمة النفسية للمشتبه بهم. في الوقت ذاته يمرر الكاتب العديد من الأفكار والتساؤلات التي تحمل الطابع الفلسفي، ليس فقط حول الهوية وتأثير تطبيقات الواقع الافتراضي على البشر، بل يمتد لقضايا مثل تسليع المرأة، ومعضلات الحياة الزوجية وماهية الحب، والجنس الافتراضي، وتحديات تشخيص الاضطرابات النفسية الرقمية، ومدى تأثير التطور التكنولوجي وانماط الحياة الاستهلاكية على الجانب الروحي للبشر.
نجحت الرواية في الحفاظ على وتيرة متصاعدة للأحداث وجعل القارئ في حالة ترقب حتى الصفحات الأخيرة، من خلال خلق حالة من الشك وطرح العديد من التساؤلات والألغاز التي تتشابك لتقدم وجبة أدبية شيقة وحكاية مثيرة. ورغم أن “صاحب الصوت الأزرق” يعد العمل الروائي الأول للكاتب إلا أنه يُبشر بميلاد روائي يعلم جيدا كيف يستخدم أدواته، ليس فقط في رسم الشخصيات وسرد الحكاية، ولكن من خلال استخدام ذكي للغة العمل والتي كانت إحدى عوامل تميزه، حيث اتسمت بالسلاسة وعدم المغالاة في استخدام التراكيب اللغوية، والقدرة على المزج بين الحوارات اليومية التي تميل أحياناً إلى السخرية والمصطلحات الدارجة لتخفيف حدة الموضوعات المطروحة، وبين السرد الوصفي والتحليلي الذي يغوص في أفكار البطل وصراعاته الداخلية.
– المرأة كآخر مستأنس!
تتطرق الرواية إلى قضية تسليع المرأة وتنميطها في عصر التكنولوجيا. فيلتقط النص تفصيلة لافتة حيث تلجأ أغلب شركات صناعة الإنسان الآلي إلى تصميم أغلب الروبوتات بشكل أنثوي، ويأتي تبرير ذلك إلى أن العقل البشري يجد في “الذكر” تهديداً أو مصدر قلق، بينما يطمئن للأنثى. هذا التوظيف للأنوثة كواجهة لنزع صفة التهديد عن الآلات، يجعلنا نطرح تساؤلات حول نظرة المجتمع الرأسمالي للمرأة، وأسباب ميل الإنسان المعاصر لتفضيل النسخ الاصطناعية المريحة على حساب العلاقات البشرية المعقدة.
هنا يظهر تأثر الكاتب بآراء سيمون دو بوفوار، حيث يتقاطع هذا التوظيف مع كتاباتها التي تنتقد فرض أدوار محددة على المرأة وتأطيرها في صورة “الآخر المستأنس”. ففي الروية تتجاوز النظرة إلى المرأة فكرة التهميش المجتمعي ليصل الأمر إلى استبدال المرأة الحقيقية بنسخة مصطنعة مبرمجة على الطاعة وتلبية الاحتياجات، مما ينعكس على طبيعة العلاقات الإنسانية الحقيقية ومستقبل الجنس البشري ككل.
– الخرافة في مواجهة المادة
تقدم الرواية العديد من الثنائيات التي تبرز تناقضات النفس البشرية، فنجد الآلة بجمودها في مواجهة فلسفة الإنسان ومشاعره، والخوف في مواجهة المجهول، كذلك المواجهة بين التقنية الحديثة والتقدم العلمي والخرافة. ففي الوقت الذي تدور فيه الأحداث في مدينة العلم وسط معامل تحليل الحمض النووي وتقنيات التشريح المتطورة وعالم الروبوتات، نجد على الجانب الآخر حضورا لممارسات غرائبية مثل الزار، والتعاويذ، والسحر. ذلك المزيج والتناقض يعكس فكرة أن التطور التكنولوجي، مهما بلغ تقدمه، لا ينجح دائماً في ترويض المخاوف البشرية العميقة التي تبحث عن تفسيرات في الميتافيزيقا والخرافة أو حتى تهرب إليه.
في الرواية أيضا تبرز ثنائية الدين في مواجهة سيطرة المادة، حين يفقد مجتمع “إبستوفيا” أو ما تعرف بدولة المعرفة، علاقته بالأديان التقليدية وزخمها لصالح دورات العصر الجديد، والطقوس التأملية كاليوجا. لتطرح الرواية تصورا عن ما يمكن أن يحدث إذا تم تفريغ الدين من بعده الروحي والاكتفاء باستخلاص “مادته الفعالة” أو حركاته وهيئته فقط كطريقة للتعايش.
الأمر ذاته علق عليه “نيتشه” الذي يرى أن تراجع القيم الروحية أمام العقلانية المادية في الثقافة الغربية قد أدى في كثير من المجتمعات إلى ما يعرف بالعدمية، حيث يقع أفراد المجتمع في دوامة من الاغتراب والفراغ.
لا يمكن القول بأن رواية “صاحب الصوت الأزرق” هي أول رواية عربية تناقش التأثير السلبي للإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بمستقبل العالم بعد هيمنة الآلة، لكنها تجربة وخطوة مثيرة نحو كتابة روايات خيال علمي بطابع مصري، ومحاولة جادة لفهم طبيعة الوعي البشري، وطرح تساؤلات ملحة حول قدرة الآخر على التحكم في وعي الشعوب، وهل يمكن أن تتحول الحروب بين الدول من الصراعات العسكرية والسياسية والسباق التكنولوجي إلى حروب بين الآلة والبشر أنفسهم على امتلاك هذا الكوكب؟ وهل نحن على وشك أن نعيش عصر التبعية الرقمية وتصفية الوعي البشري؟











